ما تريده واشنطن ليس كما تتمناه الخرطوم

ما تريده واشنطن ليس كما تتمناه الخرطوم
  • 18 مايو 2017
  • لا توجد تعليقات

حسن احمد الحسن

كل سوداني يحب وطنه مهما كانت مواقفه المعارضة لنظام الحكم  وسياساته، حتما سيكون سعيدا بأي قرار يقضي برفع العقوبات الاقتصادية وتطبيع علاقات السودان مع المجتمع الدولي، وما يليه من إلغاء الدين الخارجي، وأن يتبوأ السودان موقعه الرائد ودوره القائد في القارة الأفريقية، ويمارس دوره المؤثر في عالمه العربي، مستقلا لا تابعا، قويا لا ضعيفا، كريما لا ملاحقا، لأن المستفيد الأول سيكون المواطن الذي عانى لعقود بسبب الصراع والسياسات الفاشلة التي مورست عليه وأورثته الفقر والعناء.

لكن الأمنيات في الحالة السودانية لكي تتحقق لابد أن ترتبط بمقومات أساسية وشروط موضوعية لابد من توافرها، لا تجدي فيها  المرواغة السياسية من قبل النظام الحاكم، بل تحكمها الصدقية والرغبة في التغيير  من باب الإيمان والقناعة بقيمة الحرية والتحول الديمقراطي، وفي مقدمة ذلك بناء دولة الدستور والقانون وكفالة الحريات المدنية والأساسية وكفالة حرية التعبير والإعلام دون رقيب أو حسيب .

ومن هذا المدخل فإن أي مخرجات أو توصيات أو قرارات لأي حوار وطني لن تكون لها قيمة إذا لم يكن هناك إيمان وقناعة بالتغيير، من خلال بسط الحريات، وتأسيس نظام ديمقراطي يحكمه الدستور والقانون، ولعل ما صاحب كيفية تطبيق ما عرف بتوصيات الحوار الوطني ومحاولات تحايل الحزب الحاكم على صيغ تطبيقاتها يزيد كثيرا من حالة الشك وعدم الثقة التي تهزم مصداقية النظام  في قضية التغيير الجاد .

ولعل من المؤسف حقاً ان تعبر بعض دوائر الحزب الحاكم  وفي أعلى مستوياتها عن سعادتها  في مناسبات مختلفة ان الرئيس ترمب وإدارته  الأميركية الحالية التي يتفاوضون معها على رفع العقوبات لا يحفلون  بقضية الحريات الأساسية والممارسة الديمقراطية وليست من أولوياتها  هذه الأجندة، حيث أن ما تهتم به فقط هو مكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية والجوانب الإنسانية بفتح ممرات الإغاثة لمناطق النزاع.

 هذه السعادة بهذا الاعتقاد،  رغم أنها كشفت عن نوايا الحزب الحاكم فإنها تعكس بوضوح عدم قناعة السلطة الحاكمة بقضية حقوق الانسان والحريات والتحول الديمقراطي بالمقاييس المعلومة، فضلا عن أنه ينم عن عدم إيمان بقضية الديمقراطية والتحول الديمقراطي أصلا  إلا وفق رؤية الحزب الحاكم ،ولعل ما دار من جدل وخلافات بشأن التعديلات المتعلقة بقضية الحريات العامة وصلاحيات الأجهزة الأمنية واستقلالية المؤسسات وما إلى ذلك داخل برلمان النظام يؤكد اتساق رغبات الحزب الحاكم مع فعله، ويدلل على أنه يتمنى فعلا أن لا تحفل واشنطن بشأن الحريات ومطالب التحول الديمقراطي في السودان، وأن تضع ذلك ضمن شروطها أو مطالبها لرفع العقوبات والتطبيع مع الخرطوم .

 غير ان المفاجأة جاءت أخيرا ورغم تطورات العلاقة الأميركية السودانية من وزارة الخارجية الأميركية والسفارة الأميركية في الخرطوم التي انتهزت خبر مشاركة الرئيس البشير في القمة العربية الإسلامية الأميركية في الرياض لتوكد عبر بيان صريح ما نصه “(( تؤكد الولايات المتحدة الامريكية مجدداً أنها  قد اتخذت موقفها بشكل واضح فيما يتعلق بسفر الرئيس السوداني عمر البشير، واننا نعارض الدعوات أو التسهيلات وحتى دعومات السفر لأي شخص خاضع لأوامر الاعتقال من قبل المحكمة الجنائية الدولية، وعليه فانه لم يتغير أي شيء حول ادراج اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، وقد كان الأمر واضحاً تماماً مع الحكومة السودانية بخصوص الخطوات التي يجب أن تتخذها حتى نتمكن من اعادة النظر في رفع الحظر عن اسم السودان ، وكذلك المطلوب لإحداث تقدم لتخفيف العقوبات الاقتصادية.))

فإذا كان هذا موقف واشنطن في عهد ترمب لايزال قائما مثلما كان دون تغيير، فإن قضية الحريات السياسية وحقوق الانسان وغيرها من القيم الديمقراطية تظل أيضا حاضرة في الكونغرس وفي أوساط ارأي العام الأميركي والدولي، فلن يكفي مهرا للتطبيع مع واشنطن إرضائها بشان الإرهاب والهجرة غير الشرعية وتمرير الإغاثة فقط .

ولعل من المفيد جدا بعد أكثر من ربع قرن خسر فيها السودان الكثير أن تواجه الحكومة وحزبها الحاكم نفسها في مرآة الواقع، وأن تتحلى بالصدقية والرغبة الحقيقية في وضع البلاد على طريق التحول الديمقراطي ببسط الحريات والاحتكام للدستور والقانون وتحقيق السلام والحفاظ على موارد البلاد، وعدم تبديدها عبر مافيا الفساد حينها فقط ستتسق رغباتها مع رغبات الإدارة الأميركية، ما يفتح الباب واسعا لتطبيع العلاقات مع واشنطن والمجتمع الدولي .

ليس صحيحا أن اميركا يحكمها دونالد ترمب الذي يعول حزب “المؤتمر الوطني”( الحاكم) على عدم اهتمامه بقضية حقوق الإنسان والحريات والقيم الديمقراطية، إنما يحكم أميركا مؤسسات تعتقد جازمة أن قيم الحرية هي من صميم القيم الأميركية، ولو كان أميركا يحكمها ترمب وحده  كما يحكم السودان عبر الرئيس لكان من حق ا”لمؤتمر الوطني” أن يقيم صلاة الشكر للاحتفاء بتمديد ثقافة القمع ووأد الحريات ضد مواطنيه فقط بشرط أن لا ينسى أن يخشى من غضبة الحليم .

 

التعليقات مغلقة.