مارد خرج من قمقمه.. بأي وعود تعيدونه؟

  • 03 يناير 2019
  • لا توجد تعليقات

ياسين حسن ياسين

يمر الإخوان المسلمون هذه الأيام بأسوأ حالاتهم النفسية على الإطلاق. فالشعب الغلبان، كالمارد خارجاً من قمقمه، يضيّق عليهم الخناق في كل مكان. وخلافاً لما يحدث في قصص ألف ليلة وليلة، حيث يُستدرج المارد للعودة إلى القمقم ببعض الحيل الماكرة، فإن مارد الشارع السوداني يستعصي على التطويع. إذ لن يكف عن زمجرته مهما عرضت الإنقاذ عليه من وعود سخية، لا سيما وقد تبددت ثقة المواطن في حكومة درجت على الكذب والمكر والدهاء. فلا جدوى من استدراجه واسترضائه بدعوى توفير الخبز، واختفاء صفوفه. ذلك أن الشارع لم ينتفض من أجل الخبز أبداً، ومن ثم سيهدأ متى توفر الخبز. إن التضحيات التي قدمها الشعب حتى الآن، وقد تجاوزت العشرين شهيداً وعشرات الجرحى ومئات المعتقلين، ليست مهراً من أجل الخبز، بل هي مهر الحرية والانعتاق من نظام أقعد البلد في الحضيض بعدما كبل مقدراتها وبدد ثرواتها وشلّ عجلة اقتصادها وتاجر في دينها الفطري السمح.

في ظل أوضاع متردية تردياً لا مزيد عليه، فإن المواطنين، وبشتى قابلياتهم المعرفية، يدركون أن المشكلة مشكلة هيكلية تتجسد في طبيعة الإنقاذ وما تمخض عنها من خلل سياسي وغطرسة ومحسوبية وفساد وتقسيم للبلاد وحروب لا طائل من تحتها. كان واضحاً أن الإخوان المسلمين، ومنذ سنوات العسل مع جعفر نميري، قد بيتّوا نية الاستئثار بالسلطة وتمكين عضويتهم على حساب الآخرين. بدأت عملية التمكين بالبنوك الإسلامية وما تقدمه من قروض ومساعدات سخية لعضوية الجبهة الإسلامية القومية، إلى درجة أن بعض كوادرهم قد أثروا ثراء فاحشاً حتى قبل انقلابهم في 1989م. وأدى هذا التمكين إلى تجذر جماعة الإخوان المسلمين في الأجهزة العسكرية والأمنية ومرافق الحكومة، كما في القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والجامعات والمساجد وحتى الأحياء.

هذه الناحية من تجذر الإخوان في الأجهزة المتحكمة في زمام البلد تجعل مهمة الحكومة المقبلة مهمة شاقة لدرجة يتعذر التنبؤ بها مسبقاً ومن ثم وضع التحوطات اللازمة لتذليل ما يمكن تذليله من جوانبها وتجلياتها. فمن الواضح أن الحراك الشعبي يمضي قدماً في اتجاه تفكيك حكومة الإنقاذ تفكيكاً كاملاً. معنى ذلك، عدم قبول أي مساومة تطرح بشأن أي ناحية من نواحي استلام السلطة من الإنقاذ، بما في ذلك عدم قبول مشاركة الإنقاذ في مرحلة ما بعد الإنقاذ، سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة، بما من شأنه التأثير على شكل ومضمون وفاعلية الحكومة الانتقالية حسبما تضمنته مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم، وهي مبادرة ذات مهنية عالية ومصداقية وافية. بيد أن وصفها بالمهنية والمصداقية لا يقلل على الإطلاق من الدور الحيوي الذي يضطلع به تجمع المهنيين في قيادة الحراك وتوجيه مساراته بحنكة تامة.

أهل الإنقاذ اليوم، وعلى رأسهم الرئيس البشير، يخبئون أنفسهم من الجماهير الثائرة. البشير من جهته يركن إلى الظهور أمام رجال الشرطة في احتفالهم بأعياد الاستقلال. إنه يبدو كالثور المحشو ببروتين صناعي، إذ بدا لامعاً في حلته العسكرية، لكنه يرتجف من الداخل خوفاً من مصير محتوم ووشيك بعدما تكاثفت نذر الشؤم في الأفق المنظور. فهو يرتعد من احتمال وقوفه أمام المحكمة الجنائية الدولية، ناهيك عن المساءلة الداخلية عن حروب وقروض وفساد. ختم حديثه بالآية: «ولكم في القصاص حياةٌ يا أولي الألباب لعلكم تتقون»، وكأنه يطلب من شرطته الاستماتة في الدفاع عنه مهما كلفها الأمر من قتل للشعب بلا هوادة. وكان من باب أولى أن يتذكر أن القصاص مطلب عادل لجبر خواطر أهلنا في دارفور، وخواطر السودانيين كافة، بل والعالم قاطبة، إزاء الجرائم التي اُرتكبت بحق هذا الإقليم المكلوم وأودت بحياة ما يزيد عن ثلثمائة ألف حسب الأمم المتحدة، أو مائة ألف حسب قول البشير نفسه. لكن البشير ينتقي آيات القرآن لتطبيقها جزافاً على من يشاء ووقتما يشاء.

أما خطاب البشير في الذكرى الثالثة والستين للاستقلال، فقد كان وثيقة أعدت على عجل، وربما جاءت العجلة من تسارع وتيرة الأحداث التي أملت على كاتب الكلمة محاور مستجدة تتفق مع سياق متجدد. قال البشير عن ميزانية العام الجديد إن التركيز فيها سوف ينصب على تخفيف المعاناة عن كاهل المواطن وأن لديهم من الخطط ما يخرجهم من الأزمة الاقتصادية الضاغطة. من الواضح أنه بذلك إنما يستجدي الشارع ليمتنع عن الخروج في مظاهراته المستمرة قرابة الأسبوعين. لكن هيهات! فقد فاض الكيل، مرة ومرتين وثلاث بل مرات عديدة. فإذا لم ينصلح الحال عبر ميزانيات سنوية ممتدة منذ 1989م، فهل تصلحه ميزانية سنة واحدة بالغاً ما بلغ مستوى الصرف والسخاء فيها على المواطن؟

قلنا إن الإخوان المسلمين يخشون الشارع وحراكه التلقائي الجسور. يعد ذلك درساً لن ينساه الإخوان. فحكم الشعب السوداني ليس نزهة على شاطئ النيل في ليلة قمراء. فلقد طالما تحلى السودانيون، كعهدهم، بصبر منقطع النظير وتحملوا سواءات الإنقاذ طوال ثلاثين سنة كالحة، لم يتلقوا فيها سوى الوعود الخادعة والكذب الأشر. فعلى امتداد فترة حكم الإنقاذ، ظلت الأوضاع المعيشية تتفاقم سوءاً. التضخم وصل معدلات قياسية إذ تجاوز 68٪ حالياً. وتفشت البطالة في أوساط الشباب تفشياً مزرياً، وتحول التعليم إلى سلعة تباع وتشترى في المزاد العلني، وامتدت طوابير الباحثين عن هجرة أياً كان مردودها، واضطر المرضى للسفر من أجل العلاج في الخارج، بمن فيهم رئيس البلد ذاته!!

وليس مظنوناً أن يقبل الشعب بأي محاولة لتجميل الإنقاذ أو إعادة تدويرها، كيفما كانت مسوغات ذلك. فعقب كل هذا النضال المتطاول، والتضحيات الجسام والحروب العبثية في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، ليس من الحكمة أن يصار إلى أنصاف حلول. أما حزب الإصلاح الآن، ومن معه من أحزاب، في طرحه لمبادرة تشكيل حكومة انتقالية فإنه ليس إلاّ الإنقاذ في صورة باهتة، فهم من أوائل المنتفعين من التمكين. وكان خروجهم من الإنقاذ احتجاجاً على تدني نصيبهم من كعكة التمكين. وجميعنا يدرك لكم كانت عاقبة التمكين وخيمة على البلد وعلى الإنقاذ ذاتها، وقد أفضى بها ذلك في المحصلة إلى فشل ذريع سيلاحقها على صفحات حوليات التاريخ السوداني.

أما الثورة الشعبية فينبغي أن تواصل مسارها حتى الشوط الأخير الذي يتمثل في عصيان مدني يحدث شللاً كاملاً في أجهزة الدولة وتضطر معه الإنقاذ للخروج من معادلة السلطة. ورغم الأمل الذي يحدونا جميعاً، فليس من الحكمة استسهال التغيير المقبل في السودان. إن ثلاثين سنة من حكم إقصائي فاشل بغيض تمثل عقبة كأداء في طريق أي حكومة تناط بها إدارة شؤون البلد للخروج به من النفق المظلم. فالديون الخارجية وحدها، على سبيل المثال، تحتاج تحركاً ذكياً وفورياً يؤدي إلى الجلوس مع الدائنين واقناعهم بإلغاء هذه الديون باعتبار أنها من نوع ما يعرف بالديون البغيضة (odious debt) التي وضعت على كاهل شعب دون موافقته، من جهة، ودون أن تعود عليه بنفع، من جهة أخرى. وهي فوق كل ذلك قد ارتبطت بفساد كبير.

yassin@consultant.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*