مشاهد درامية من المسوح الجديد!

  • 12 مارس 2019
  • لا توجد تعليقات

د. مرتضى الغالي

من باب التسرية على النفس.. شاهدنا بالأمس (جلسة صوفية عجيبة) من رموز سياسية من حوش المؤتمر الوطني وبعض مريديه، وكان من بين حضورها وزير الداخلية الأخير ووزير الإعلام الأخير.. وهما من الابتلاءات التي امتحن الله بها السودان..ومعهما صاحب منبر يطلق على اسمه معكوس ممارسته ويضع عليه لافتته ديباجة (السلام العادل) بمثلما كان يضع على اسم صحيفته السابقة نقيض (حالة الغفلة) وهو الرجل الذي (أولم) وليمة احتفالية احتفائية بمناسبة انفصال الجنوب الحبيب..

وكان في معيتهم الأمين السياسي للمؤتمر الشعبي، وأدار الجلسة صحفي من أحباب المؤتمر الوطني ورئيس تحرير سابق لإحدى صحفه، وهؤلاء جميعهم يمثلون رؤية واحدة وصوتاً واحداً.. ولا أدري لماذا نقلوا هذه (الجلسة العائلية) لشاشة التلفزيون!!

وقد كان لافتاً للنظر تكرار الحديث عن (المصافاة والمحبة) طوال الجلسة وبصورة يحسدهم عليها السادة الصوفية! فقد تغيّرت اللهجة السابقة فجأة واصبح القوم يتنافسون في مدح (التآخي والتصافي) والحوار الهادئ والتلاقي والتوافق وإظهار المحبة للشباب المُحتجين والغرام بالوحدة الوطنية و(المصير المشترك)والوطن الواسع..الخ مما يجعل المشاهدين يضعون أياديهم على قلوبهم خوفاً من انفراط حبل (السلامة العقلية) لدى هؤلاء السادة..! فلا يمكن أن يقول الإنسان اليوم عكس ما كان يصدر منه بالأمس.. فقد كان حديثهم في الأيام الفائتة هو حديث الغلظة والوعيد والمخاشنة والإقصاء والزجر والنطر والتهديد.. ومن المعلوم أن الذين يتصدرون المشهد السياسي يكونون طوال الوقت تحت الضوء ولا ينسى الناس مواقفهم وأقوالهم.. فكيف – يا رب العلا- قد تسنّى أن تتغير قناعات الشخص القولية والفعلية بين يوم وليلة وعشية وضحاها؟! وما هو سر هذه (النزعة الصوفية) التي هبطت فجأة على هؤلاء الناس ولا تزال عبارات تهديدهم السافر للناس ترن في الآذان وتحوم حول الأثير!

أصبح الحديث من (نجوم) هذه الحلقة التلفزيونية يدور حول ضرورة الحوار وأهميته وحتميته و(بركاته)..! وهم يقصدون بطبيعة الحال (حواراً جديداً) فالحلقة التلفزيونية تحمل عنوان (حوار المستقبل) وهم لا شك يقصدون حواراً (من أول وجديد) ولكنهم لا يجرءون على نقد الحوار السابق وبيان عدم جدواه.. ذلك الحوار الكارثة الذي قالوا إنه جمع أكثر من مائة حزب وتنظيم وحركة واستمر لأكثر من عامين، ووصفوه بالحوار الأخير الذي ليس بعده إلا (البعث والنشور)! وأنه الحل الذي لا حل بعده والتفاوض الذي لا يعقبه تفاوض، إلا لمن شاء أن يلحق بالقطار في (أقرب سندة).. وأن مخرجاته قد فرغت من رسم مستقبل السودان.. ولا مشكلة في عدم تنفيذها.. ! فليس القصد من الحوار تنفيذ مخرجاته، وإنما القصد أن يكون مدماكاً لتشييد (سقف آخر) أو “سلماً حلزونياً” ينفذ منه المؤتمر الوطني إلى تحقيق (غاية أخرى) وهي تمهيد الطريق نحو (انتخابات مخجوجة) تعيد تكريس البلاء..! وظن بعض الغافلين من أحزاب الموالاة (الخديجة وتلك الإنشطارية) ومن يسمون أنفسهم بـ(الشخصيات القومية) ظنّوا أنهم يمسكون بالثور من قرونه، وقبلوا بأن يترأس المؤتمر الوطني الحوار ويدير جلساته ويضع أجندته ويرسم مخرجاته وجلسوا مثل (عرائس المولد) لا يهشون ولا ينشّون ولا يطالبون بتنفيذ مدخلات أو مخرجات!

لقد كان الأوفق والأوقع لهذه الجلسة التلفزيونية وحتى تكسب احترام المشاهدين أن يبدأ الحديث عن الحوار الجديد بالاعتراف بأن الحوار السابق الذي استنزف مال الدولة ووقتها لم يفضي إلى شيء .. فهذا على أقل تقدير يجعل مواقفهم السابقة تنسجم مع نداءاتهم الجديدة بالتوافق والتصافي واحترام الرأي الآخر.. مع أنهم لو نظروا فقط من شباك مبنى التلفزيون إلى الشارع حيث الدهس والسحل لوفّروا على أنفسهم هذه (الأزهار الصناعية) التي أطلقوها بكثافة حتى كادت تغطي فضاء الإستديو وتخرج إلى الممرات..!
murtadamore@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*