في الرد على بروفيسور الطيب زين العابدين

في الرد على بروفيسور الطيب زين العابدين
  • 06 أبريل 2019
  • لا توجد تعليقات

د. محمد محمود

1

تستحق مقالة البروفيسور الطيب زين العابدين المعنونة “بخصوص المخاوف الموضوعية والمصطنعة وبخصوص توجسات الإسلاميين وبخصوص شعار أي كوز ندوسو” والمنشورة في الراكوبة بتاريخ 29 مارس 2019 الوقفة والردّ لأربعة أسباب: لثقل بروفيسور الطيب ومكانته في حركة الإخوان المسلمين (أو الحركة الإسلامية، وسنستخدم التعبيرين كمترادفين في هذه المقالة)، وللموقف الذي اختاره، وللرسالة الصريحة التي يوجّهها للإسلاميين، وللرسالة الضمنية التي يوجهها لباقي السودانيين.

وبروفيسور الطيب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الخرطوم، من الممكن أن يعتبر بمثابة الأب الروحي لذلك التيار المحدود العدد من المثقفين الإسلاميين الذين استطاعوا ومنذ بدء انفجار أزمة “الخلافة” وسط الحركة الإسلامية (ما أسموه المفاصلة) أن يلمسوا ويكتبوا عن فشل النظام العسكري الإسلامي الذي فرضته حركتهم بقيادة حسن الترابي على السودان. ولعل مما ساعد بروفيسور الطيب على ذلك أنه لم يكن أصلا متحمّسا لفكرة الانقلاب التي كان قد أبدى معارضته لها إبّان فترة التداول والتحضير للانقلاب الذي سانده بعد نجاحه. ولقد كتب مقالة بعنوان “الإنقاذ وأزمة الحكم في السودان” في عدد خاص من مجلة قضايا دولية (وهي إحدى مطبوعات حركة الإخوان المسلمين العالمية وتصدر من الباكستان) صدر بمناسبة مرور أربعة أعوام على انقلاب العميد عمر البشير. وفي تبرير الانقلاب على الشرعية الديمقراطية يقول: “وجاءت حكومة الإنقاذ الوطني والبلاد تعاني من تمرد زاحف في جنوب السودان، وانفراط في عقد الأمن في غرب السودان، وأزمة اقتصادية، وفوضى سياسية، وما كان غريبا في تلك الأوضاع أن يتقدّم الجيش لاستلام السلطة إذ أن الجيش نفسه تعرض إلى مهانة شديدة بسبب الهزائم المتكررة التي لحقته على يد المتمردين.” (قضايا دولية، العدد 187، أغسطس 1993، ص 68).

وبعد تقديم هذه التبريرات المألوفة التي ظلت آلة الإسلاميين الإعلامية تكررها منذ اليوم الأول للانقلاب شرع في تعداد ما حقّقه النظام، وقد لخّصه في خمس نقاط مألوفة لكل من تابع مادة النظام الدعائية في تلك الفترة المبكّرة من فترات ثقة النظام ومنظّريه بقدراته. وهذه النقاط هي:

  1. 1-  “رفع كفاءة القوات المسلحة ودعمها بقوات الدفاع الشعبي مما أدى إلى كسر شوكة التمرد العسكرية… إن الوضع في جنوب السودان يختلف كثيرا عما كان عليه في حزيران / يونيو 89 بالرغم من سيطرة المتمردين على بعض المواقع في أعالي النيل وفي الاستوائية وانتشار المجاعة في المناطق التي يسيطر عليها التمرد. كما أن التمرد كاد أن ينتهي تماما في جنوب كردفان.”؛
  • 2-  “استتب الأمن في ولاية دارفور التي كانت تعاني من صراع مسلح بين القبائل ومن نهب مسلح بسبب انتشار السلاح في المنطقة وتوقف العمل الزراعي… “؛
  • 3-  “اتخذت الحكومة برنامجا اقتصاديا واضحا يقوم على الاعتماد على النفس وتشجيع الانتاج الزراعي وتحرير الاقتصاد والتخلص من ملكية الدولة للمشروعات الاقتصادية. ونجح البرنامج في رفع نسبة النمو الاقتصادي، وفي الاكتفاء من الحبوب الغذائية… وحدث اكتفاء في إنتاج السكر. ويظل النجاح الاقتصادي نسبيا إلى حد كبير لأن الحكومة تواجه شبه مقاطعة اقتصادية غير معلنة من الدول الغربية ومؤسسات التمويل العالمية… “؛
  • 4-  “استطاعت حكومة الإنقاذ أن توسع قاعدة التعليم العالي بصورة كبيرة إذ فتحت سبع جامعات جديدة في الأقاليم وضاعفت القبول في الجامعات… “؛
  • 5-  “في المجال السياسي والفكري تبنت الدولة المنهج الإسلامي كفلسفة للحكم في مجالات الحياة المختلفة… كما قبلت بالنظام الفدرالي لحل مشكلة الجنوب واستثنائه من تطبيق القوانين ذات الصبغة الدينية. وتسعى الدولة إلى تطوير الحكم العسكري القائم إلى نظام مدني لا يسمح بقيام الأحزاب السياسية ولكنه يتيح المجال لانتخابات النواب عن طريق مباشر من دوائر جغرافية، وغير مباشر عن طريق مؤتمرات فئوية واجتماعية. ولقد قامت حتى الآن انتخابات للنقابات والاتحادات وللّجان الشعبية ولمجالس المدن. وقد وضع النظام خطة استراتيجية قومية شارك فيها عدد كبير من الخبراء وأهل الرأى لتطوير قطاعات الحياة المختلفة لمدة عشر سنوات بدأت في عام 1992 وتنتهي في عام 2002.”

ويضيف للنقاط أعلاه أن الحكومة “قد أشاعت… روح الجدية والعمل بين الناس. وحاربت مظاهر التفسخ والانحطاط الخلقي وشجعت التحصن والعفة عن طريق الزواج الجماعي، وبعثت روح التضحية والجهاد عند كثير من الشباب.” (نفسه، ص 68 – 69).

دعونا نعود الآن لحديث بروفيسور الطيب عن مبررات الانقلاب والتي يختمها بقوله: “وما كان غريبا في تلك الأوضاع أن يتقدّم الجيش لاستلام السلطة إذ أن الجيش نفسه تعرض إلى مهانة شديدة بسبب الهزائم المتكررة التي لحقته على يد المتمردين”، ودعونا نقارن قوله هذا بما قاله في مقابلة صحفية معه بعد ستة عشر عاما وهو يتحدّث عن تنفيذ الانقلاب: “ولكن هذا الانقلاب انقلاب كان فيه بعض الاختلاف عن الانقلابات السابقة بالسودان. فالعسكريون منفذون وهم من يستولون على السلطة ويمكنهم بعدها التحالف مع الاحزاب مثلما حدث في انقلاب مايو 1969 حينما تحالف الرئيس نميري مع القوميين العرب والحزب الشيوعي، ولكن في نهاية الامر كانت السلطة في ايدي اولئك العسكريين.

ولكن في انقلاب الانقاذ في يونيو 1989 كان الوضع مختلفاً — فالسلطة كانت عملياً لدى المدنيين الذين لم يظهروا في واجهة السلطة والمتمثلة في قيادة الجبهة الإسلامية وأمينها العام د. حسن الترابي، كما أن الانقلاب قامت به الجبهة الإسلامية من الألف إلى الياء والعسكريون كانوا ذراعاً للتنفيذ فقط، واشترك فيه مجموعة كبيرة من المدنيين يقدر عددها بحوالي الف من كوادر الجبهة الإسلامية.” (موقع سوداريس، 7 سبتمبر 2009).

وهكذا يتّضح لنا عند مقارنة القولين تزييف بروفيسور الطيب لواقع الأمر في مقالته عندما قال إن الجيش تقدّم لاستلام السلطة (وكثّف تزييفه بباعث المهانة التي أحس بها الجيش)، إذ أن واقع الأمر الذي يكشف عنه في لقائه الصحفي أن الحركة الإسلامية هي التي استلمت السلطة وأن دور الجيش كـ “ذراع للتنفيذ” كان أساسا دور تغطية. لقد كذبت الحركة الإسلامية وعسكريوها على الشعب السوداني بشأن القوة الحقيقية التي قامت بالانقلاب وهو كذب شارك بروفيسور الطيب في ترسيخه عندما كتب مقالته في عام 1993.

2

إلا أن تأييد بروفيسور الطيب للنظام في فترته المبكّرة لم يكن تأييد الولاء الأعمى وإنما كان من نوع ما يمكن أن نصفه بالتأييد الإصلاحي. وفي مقالته فإنه ينظر للنظام ويقيّمه في إطار الأزمة الكبيرة لسودان ما بعد الاستقلال الذي ظلّ يتأرجح بين قطبَي ديمقراطية تمثيل نيابي تعقبها دكتاتورية، ويطرح سؤال: “هل حلّت ثورة الإنقاذ هذه الأزمة؟” ويجيب قائلا “إن الإجابة الصادقة الواضحة – رغم تعاطفنا مع ثورة الإنقاذ بسبب اتجاهها الإسلامي – أن شيئا من هذا لم يحدث، فما زال النظام القائم نظاما عسكريا يرتدي رئيسه البزة العسكرية، ويتسم بالسمات الأساسية التي عرفت بها الأنظمة العسكرية السابقة، مثل الاعتماد على جهاز الأمن وإعطائه سلطات واسعة في التجسس على الناس وتفتيشهم واعتقالهم والتحقيق معهم، وربما “تأديبهم” بما يتيسر من الوسائل!… وأجهزة الأمن في كل الأنظمة العسكرية يسىء بعض أفرادها استغلال هذه السلطات لتحقيق مآرب شخصية، ولا تجرؤ الأنظمة على محاسبة هؤلاء الأفراد علانية ورد الحقوق إلى أهلها. والنظام في السودان ليس استثناء من هذه القاعدة رغم الشعار الإسلامي الذي يرفعه ويحتم عليه أن لا تأخذه في الحق لومة لائم… قد يقول قائل إن المارسات التأديبية التي وقعت في السودان قليلة إذا ما قورنت ببلاد عربية وإفريقية من حولنا، وأن ما وقع منها كان في العامين الأولين للثورة وقد تقلصت بعد ذاك كثيرا، وأحسب أن هذا صحيح…

” ثم يمضي ليقرر أن “الممارسات التأديبية” في ظل نظام الفريق عبود كانت معدومة وأنها كانت يسيرة في ظل نظام العقيد نميري ليضيف “ولكن ثورة الإنقاذ قد رفعت راية الإسلام عالية فينبغي عليها الالتزام بأحكامه فلا تظلم فردا من الناس في ماله أو نفسه بحجة “الشرعية الثورية” أو تأمين النظام وظلم فرد واحد كظلم الناس جميعا. وقد أثبتت تجارب البشرية أن التأمين الحقيقي للحكم يكون في رد المظالم وإشاعة العدل. وأرى من المسىء لنظام إسلامي أن يقلل من ممارساته القمعية بسبب الضغوط الخارجية عليه من الدول والمنظمات التي تنافح عن حقوق الإنسان صدقا أو نفاقا!” (نفسه، ص 69).

نلاحظ فيما اقتبسناه أن بروفيسور الطيب يستخدم تعابير مختلفة في وصف النظام فهو “ثورة إنقاذ” (وهو الوصف الرسمي الذي استخدمه الانقلاب منذ يومه الأول ليخفي هُويته الإسلامية)، وهو “ثورة ترفع راية الإسلام”، وهو “نظام يرفع شعارا إسلاميا”، وهو “نظام إسلامي” — وكلها تعابير تؤكد على الهُوية الإسلامية للنظام وإن كان آخرها هو الأصرح والأكثر تأكيدا لهذه الهُوية. والأمر الحاسم بالطبع بالنسبة له هو “إسلامية” النظام، وهذا ما يجعله في نهاية الأمر منحازا له ومدافعا عنه. وفي الدفاع عن النظام يلجأ بروفيسور الطيب لثلاثة إجراءات.

اجراؤه الأول هو ما يمكن وصفه بـ “تطبيع النظام” في ذهن قارئه. فهو رغم انتقاده للطبيعة العسكرية للنظام يتجاهل أن هذه “الطبيعة العسكرية” لا تنفصل عن واقع أنه نظام “انقلابي” لا يملك شرعية خارج بأسه وشوكته وقدرته على قهر معارضيه. إن الإدانة المبدئية للانقلاب كوسيلة للوصول للسلطة والتمسّك المبدئي بالديمقراطية لا يخطران في ذهن بروفيسور الطيب وهو يعالج أزمة الحكم في السودان.

وإجراؤه الثاني هو استخدام اللغة استخداما يطمس طبيعة ما يقوم به النظام. وهكذا تجده عندما يتحدث عن جرائم تعذيب المعارضين يتجنب تجنبا تاما استخدام كلمة “تعذيب” ويستخدم تعبيره التمويهي المخفّف “الممارسات التأديبية”، وهي “ممارسات” ينتقد النظامَ بسببها بدعوى أنها غير إسلامية (وهو الخطّ الدعائي المألوف للمثقفين الإسلاميين عندما يتحدثون عن الإسلام وحقوق الإنسان، بل وحتى الخط الثابت للنظام عندما ينفي باستمرار ارتكابه لأي جرائم تعذيب بدعوى أن ذلك يتعارض مع إسلاميته). إلا أن انتقاده لجرائم التعذيب وانتهاك النظام لحرمة أجساد معارضيه هو في حقيقة الأمر انتقادٌ فاتر يقدّمه بحافز النصح والإشفاق على المشروع الإسلامي وتجنيبه أي ردود فعل سالبة.

ولذا فهو يوحي لقارئه أن هذه الانتهاكات عَرَضية ارتكبها أفراد غير منضبطين لـ “تحقيق مآرب شخصية”، وتجده مستعدا للاتفاق السريع مع حجة المدافعين عن النظام أن انتهاكاته “قليلة” بالمقارنة مع البلاد المحيطة بالسودان وأنه قد بدأ يسلك درب الرشاد لأن هذه “الممارسات التأديبية” قد “تقلصت” بعد عامين من عمره — وإن كان لا يتطوع لإخبارنا عما إن أدى هذا “التقلص” لانعدام “الممارسات التأديبية” تماما وهو يكتب بعد أربعة أعوام من عمر النظام، إذ أن الخليق ببروفيسور الطيب في هذه الحالة أن يعلن للعالم أجمع أن النظام الإسلامي في السودان قد حقّق إنجاز “رد الحقوق إلى أهلها” وأنه قد دخل تلك المرحلة “الإسلامية” العليا التي يصبح فيها “ظلم فرد واحد كظلم الناس جميعا”. إلا أنه يصمت لأن ذلك، كما يعلم ونعلم، لم يحدث.

أما إجراؤه الثالث (وهو امتداد لإجراء “التطبيع”) فهو الانتقال من خانة لفظ الديمقراطية لخانة تبنّي ما يمكن وصفه بـ “إجماع الأسلمة الشاملة”. فبروفيسور الطيب يدين في مقالته الديمقراطية ضمنا ولا يريد عودتها عندما يقول: “وهناك قناعة عند الكثيرين من رجالات الأحزاب أن “الديوقراطية السائبة” التي عرفها السودان في ثلاث فترات سابقة لا ينبغي العودة إليها… ” (نفسه، ص 70). وهو في إسناده لهذه القناعة الرافضة للديمقراطية (الموصوفة بـ”السائبة”) لمن يصفهم بـ “الكثيرين من رجالات الأحزاب” يستخدم وسيلة “الاقتباس الاستحساني” ليعبّر بشكل ملتفّ عن قناعته هو. وهذه القناعة لا تلبث أن تصبح عنده “إجماعا” جديدا يرى فيه الأساس الصلب لهيمنة المشروع الإسلامي، إذ يواصل كلامه قائلا: “كما أن الطرح الإسلامي في السياسات يجد قبولا عند عدد كبير من رجال الأحزاب الكبيرة وعند النسبة الغالبة من قواعدها” (وهكذا ومن غير دراسة ميدانية تتوقع أن يقوم بها عالم اجتماع علينا بقبول ما يقرّره تقريرا وهو يتحدث عن “عدد كبير” من رجال الأحزاب الكبيرة وعن “النسبة الغالبة” من قواعد هذه الأحزاب).

وعلى ضوء ذلك يصل لخلاصته الكبرى التي يختم بها مقالته قائلا: “إن الفرصة ما زالت مواتية لأن يحمل مشروعَ الإسلام كلُّ أهل السودان.” (نفسه، ص 70). وعندما يتحدّث بروفيسور الطيب عن “الأحزاب الكبيرة” فإنه يستخدم تعبيرا مطّاطا لأنه يقصد في واقع الأمر الإشارة للحزبين الكبيرين — حزب الأمة والحزب الاتحادي الديمقراطي. وهو يشير أيضا لهذين الحزبين عندما يتحدث عن “القوى السياسية الفاعلة”. إن الحلّ الأمثل والنهائي لأزمة السودان ومشاكله هو أن يجتمع “أهل القبلة” ليدخلوا في “إجماع أسلمة شاملة” — وهكذا يكون انقلاب الإسلاميين قد فتح الباب أمام السودانيين ولأول مرة في تاريخهم المعاصر واسعا ليكسروا دائرتهم الشريرة ويدخلوا في رحابة وصفاء وانسجام “مشروع الإسلام”.

وفي كل هذا يتجاهل بروفيسور الطيب قوى سياسية أخرى مؤثرة مثل الحركة الشعبية لتحرير السودان التي تكف حسب منظوره عن أن تصبح قوة فاعلة وتصبح مجرد حركة “متمردة”، كما أنه يتجاهل قوى اليسار وفي مقدمتها الحزب الشيوعي ويتجاهل القوى الجهوية مما يجعل رؤيته رؤية إقصائية ومُغْرِضة تختزل تعقيد الواقع السوداني وتقفز فوق حقائقه بغرض استبعاد الخيار الديمقراطي واستبداله بخيار إسلامي قائم على صيغة “إجماع إسلامي شامل” أو تحالف مع الحزبين الطائفيين الكبيرين بقيادة الإخوان المسلمين. 

3

وعندما انفجرت ثورة 19 ديسمبر فإنها وجدت بروفيسور الطيب في مرحلة معارضته الحالية للنظام الذي سخّر فكره وخبرته لسنوات عديدة مدافعا عنه ومعتبرا إياه المدخل لكسر الدائرة الشريرة والأمل للخروج من الأزمة، ووجدته على استعداد للانحياز لمطلب التغيير، بل وعلى استعداد لأن يفوّض نفسه تفويضا ذاتيا كسفير لها وسط الإسلاميين. ونحن نحمد له ونحيّى صحوة ضميره التي جعلته ينقلب على نظام “مشروع الإسلام” ويصبح من دعاة التغيير. ولكن من حقنا أن نطرح عليه سؤالا هاما على ضوء انحيازه الحالي: هل سأل بروفيسور الطيب نفسه عن مسئوليته الأخلاقية عما وقع من جرائم ومآس في العقود الثلاثة الماضية؟

لا شك أنه كعالم علوم سياسية كان يدرك ومنذ لحظة التخطيط للانقلاب خطورته على البلد وما يمكن أن يقود إليه. وهو عندما يقول إنه عارض الانقلاب (وإن كنا نجهل حيثيات معارضته) فإنه يعترف بأنه كان يعرف ما لا يعرفه إلا أعضاء الدائرة الصغيرة المتآمرة صاحبة القرار الأعلى في الحركة الإسلامية. وقد كان أمامه لحظتها خياران: خيار الصمت والتكتّم على المؤامرة رغم إدراكه لمخاطر الانقلاب على البلد وخيار إبلاغ السلطات والرأي العام وكشف ما يحيق بالبلد من خطر. ولقد اختار، بكل أسف، الخيار الأول وقدّم مصلحة تنظيمه ونَحْر الديمقراطية على مصلحة الوطن ونظامه الديمقراطي. لا نعلم إن كان يتفق معنا أن الواجب الأخلاقي يحتّم عليه الآن النظر لخياره ذلك بمنظار مختلف إن كان يريد حقا أن يكون من قوى التغيير. ومن هنا يأتي تساؤلنا عما إن كان يحس الآن بمسئوليته الأخلاقية وبضرورة الاعتذار للوطن — فهو حتي لو لم يرتكب جريمة جنائية محددة شبيهة بالجرائم التي نعلم أن إسلاميين ارتكبوها (وحسن ظننا فيه يجعلنا نقول: حاشاه أن يُتّهم بذلك) إلا أنه شارك في إنجاح الجريمة الكبرى، جريمة الانقلاب، بالتكتم عليها والتواطؤ مع الدائرة الداخلية للتآمر والتخطيط.

وبروفيسور الطيب الذي وُلد من جديد يضع الإسلاميين على المحك ويسألهم: “هل من مصلحة الإسلاميين قيام نظام ديمقراطي أم بقاء هذا النظام القمعي الذي يحمل توقيعهم؟” وهو يخاطب تحديدا من يصفهم بـ “القاعدة الشعبية للحركة الإسلامية” الذين لا يريد لهم أن “يصبحوا هم والنظام في كورنر واحدة عندما يقضي الأمر”، ويحذرهم ويقول لهم إنهم في مفترق طرق مصيري وأنهم قد تضرّروا من النظام مثلما تضرّر غيرهم. ويحاول بذر الأمن في نفوسهم بطمأنتهم أن من لم يرتكب جُرْما يجب ألا يتوجّس وحتى من ارتكب جُرْما يجب ألا يخاف ظلما لأن مقاضاته ستكون أمام أجهزة عادلة. وهو يخاطبهم أيضا عبر ثلاث “لاءات قرآنية” يقترح أن تكون أساس التوافق بينهم وباقي السودانيين وهي: “لا تركنوا إلى الذين ظلموا” [11: 113، هود]، “لا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا” [5: 8، المائدة]، “لا تزر وازرة وزر أخرى” [6: 164، الأنعام].

ومن أعمق نظراته تحليله لشعار “أي كوز ندوسو دوس” الذي يضعه في سياقه الصحيح كشعار يعبّر عن رد فعل الشباب المتحدّي وهم يواجهون رصاص النظام وبطش ميليشياته أكثر مما يعبر عن دعوة للعنف (ومع اتفاقنا معه إلا أننا نتوجه لشباب الثورة إسقاط هذا الشعار لأنه يحمل “شبهة عنف”. إن السلمية الأصيلة للثورة يجب ألا تسمح لأي شبهة عنفية على مستوى لغتها، لأن لغة الثورة هي ما يعكس وعيها. الثورة عندما تنتصر لن “تدوس” أحدا وإنما ستقدّم من أجرموا لمحاكمات عادلة لأنها لن تتابع نهج من “داسوا” على الشعب وإنما نهج قيمها التي تقوم على العدل واللاعنف).  

وبروفيسور الطيب ينطلق  في مخاطبته للإسلاميين من التزامه الإسلامي وحرصه على مستقبل الحركة الإسلامية، ولذا فهو يقوّي حجته بإغراء الإسلاميين أن المشاركة في الثورة من مصلحتهم لأنها تفتح لهم باب المنافسة مع باقي القوى السياسية لكسب هؤلاء الشباب الثائرين. 

وعلاوة على هذه الرسالة الصريحة للإسلاميين فإنه يوجّه رسالة ضمنية لباقي السودانيين. إنه يريد أن يؤكّد لهم بموقفه وبإعلانه أنه من قوى التغيير وأن هناك نوعا آخر من الإسلاميين الذين يقبلون بالديمقراطية وبحقوق الإنسان.

4

وربما يقبل الإسلاميون منطق بروفيسور الطيب أو لا يقبلونه — وهذا شأن يخصّهم ولا يهمنا. إلا أن ما يهمنا هو أن ننصح السودانيين أن يحذروا ويتوجّسوا مما يقوله ويمثّله. إن إيحاء بروفيسور الطيب أن الإخوان المسلمين كيان منفصل عن النظام يعكس خطة الحركة الإسلامية لمحاولة التنصل مما ارتكبوا من جرائم، وهي خطة نثق أنها لن تجوز على السودانيين لأنهم قاطبة يعلمون، في داخل وطنهم المستباح أو خارجه في مهاجرهم ومنافيهم، أن الحركة الإسلامية  هي النظام وأن وظيفة النظام هي تمكينهم وجعل السلطة والثروة حكرا عليهم وأنه يظل ممثلا لرؤيتهم الفكرية وحارسا لمصالحهم، كما يعلمون أن كل عضو في الحركة الإسلامية من الممكن أن يكون عينا للنظام الذي يعتمد استمراره على تكاتفهم كبنيان واحد يشدّ بعضه بعضا في مواجهة وقهر شعبهم الذي أصبحوا غرباء عنه. إن وجود اختلافات وصراعات داخلية وعداوات وانقسامات بين الإسلاميين أمر طبيعي ومتوقّع يعلمه كل دارس للتاريخ، بما في ذلك تاريخ المسلمين منذ تأسيس دولة المدينة. إن أكبر خطأ من الممكن أن يقع فيه السودانيون هو أن يصدّقوا الإسلاميين بعد أن جرّبوا ليس كذبهم وغدرهم فحسب وإنما أيضا حكمهم وقهرهم وفسادهم.

والخطل الأكبر في منطق بروفيسور الطيب يبرز لحظة ذكره لكلمة الديمقراطية. لا نشك أنه كعالم في مجال العلوم السياسية يعلم أن الديمقراطية لا يمكن أن تقوم بدون فصل للدولة عن الدين، أي أن الديمقراطية علمانية بالضرورة (بينما أن العلمانية ليست ديمقراطية بالضرورة إذ من الممكن أن يكون النظام الدكتاتوري علمانيا). وكما يعلم بروفيسور الطيب فإن الديمقراطية تقوم على مبدأ أن السيادة للشعب. ورغم أن هذا المبدأ تأسس وتوطّد تاريخيا في أوربا في مواجهة الكنيسة إلا أن هذا السياق التاريخي لا يعني أن المبدأ محلي وإنما هو في واقع الأمر مبدأ عالمي أخذت به جميع المجتمعات التي تبنّت النظام الديمقراطي في عالمنا. وكما يعلم بروفيسور الطيب فإن دعوة الإخوان المسلمين تقوم على رفض مبدأ أن السيادة للشعب وتستبدله بمبدأ أن الحاكمية لله (وهو مبدأ شبيه بالمبدأ الكنسي).

وهكذا فإنه لا توجد علاقة نسب فكري أو تصوّري بين الحركة الإسلامية والديمقراطية مثلما أنه لم توجد تاريخيا علاقة نسب فكري أو تصوّري  بين دولة المدينة والديمقراطية. وعندما ننظر لما حدث في السودان فإننا نجد أن الاستعمار قد ترك للسودانيين نظاما نيابيا تنافست فيه كل الأحزاب بحرية، وهو فضاء نشط فيه الإسلاميون بعد ثورة أكتوبر 1964 خاصة وعملوا بهمة على صياغة الواقع السياسي صياغة إسلامية فدعوا لدستور إسلامي انطلاقا من مبدأ وصل الدولة بالدين وجعل الدين مصدر التشريع والسلطات والقوة المهيمنة على كل مظاهر الحياة. وهذا التصوّر هو ما أصبح أساس نظامهم بعد انقلاب يونيو 1989.

والدولة الإسلامية في الماضي والحاضر لم تختلف عن أي دولة دينية في أنها ليست بدولة حرية فكر وضمير وتعبير، وبالتالي فهي مناقضة ومصادمة للديمقراطية كتصور وممارسة. ولقد كان من سوء حظ السودانيين أن وجدوا أنفسهم عبر تاريخهم الحديث منذ القرن التاسع عشر يعانون مرتين من قهر هذه الدولة واستبدادها: على عهد الدولة المهدية وفي ظل النظام العسكري الإسلامي الحالي. والمثقفون والسياسيون الإسلاميون الذين قفزوا من السفينة الغارقة للنظام ويتدافعون الآن للحاق بركب الثورة يريدون أن يؤسسوا للحركة الإسلامية موطىء قدم جديد في فضاء الديمقراطية القادمة لبعث هذه الدولة مجددا. 

5

كيف تواجه قوى الثورة هذا الخطر؟ إن الثورة قد نجحت حتى الآن في خوض المعركة ضد النظام عبر تحرّك سلمي طويل النَّفَس فشل النظام في كسره أو تغيير طبيعته السلمية. إن هذه الطبيعة السلمية في مواجهة أعنف نظام وأعتى آلة قمعية في تاريخنا المعاصر لا تمثّل إنجازا مذهلا فحسب وإنما أيضا أساسا سليما وقويا لديمقراطية معافاة. وعندما ينهار النظام الحالي فإن أكبر خطرين على الديمقراطية سيكونان الحركة الإسلامية والجيش. وخطر الجيش سيكون مضاعفا لأن الثورة سَتَرِث جيشا عقائديا صاغه النظام الحالي بغرض حماية طبقته الحاكمة ومشروعها الإسلامي. أما بالنسبة للحركة الإسلامية ورغم طبيعتها المعادية للديمقراطية والمعادية للمرأة والإقصائية (لأنها تقصي المواطنين غير المسلمين) فإن النظام الديمقراطي لن يمارس إقصاء ضدها، بمعنى أنها ستمارس حقها في النشاط السياسي أسوة بباقي الأحزاب.

ورغم أن كل الأحزاب ستكون ملزمة بالتعهد باحترام النظام الديمقراطي وعدم التآمر للانقلاب عليه (وإلا فإنها تفقد الحق في تسجيلها وممارسة نشاطها القانوني) إلا أنه من الواجب أن يكون واضحا لكل مواطن سوداني أن تعهّد الإسلاميين (وهم سيتعهدون) تعهّد مخادع كذوب لا يوثق به البتة لأنهم يؤمنون بفقه يجيز الخُدْعة بعد إعطاء العهد كما فعلوا في يونيو 1989. ولابد أن يكون واضحا أيضا أن الحركة الإسلامية ستكون القوة الكبرى التي ستعمل ليل نهار على زعزعة استقرار الديمقراطية وستكون صوت التخلف الأكبر الذي سيصرف السودانيين عن قضاياهم الحقيقية من تنمية وغيرها من القضايا الملحّة والحيوية لتفرض قضية الشريعة شاغلا أكبر وليستبدل بروفيسور الطيب ومن يقومون مقامه لاءاته الثلاثة بثلاثية أخرى مألوفة ظلّ الإخوان المسلمون يرجمون بها مجتمعاتهم جيلا بعد جيل وهي آيات: “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون”، “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون”، “ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون” (5: 44، 45، 47، المائدة).

إن حديث بروفيسور الطيب عن الإنسانية وما يستتبعها من حقوق إنسان حديث جيد في ظاهره، إلا أننا لابد أن نضع في اعتبارنا أن مرجعيته في نهاية الأمر كإسلامي هي “حاكمية الله” والقرآن وليس المبدأ الديمقراطي لسيادة الشعب ومواثيق حقوق الإنسان. إن ما يعرّف بروفيسور الطيب كإسلامي هو التزامه ببرنامج الحركة الإسلامية الذي يهدف أساسا لبعث الشريعة، وهو برنامج ملمحاه المميزان هما التمسك بعقوبات الحدود والتمسك بأحكام المرأة، وهما ملمحان ينطويان على أغلظ المظاهر لانتهاك حقوق الإنسان وكرامته. وبروفيسور الطيب من حقه بالطبع في ظل النظام الديمقراطي أن يدافع عن برنامج حركته والشريعة. ولكن ما يلزمه أيضا في ظل هذا النظام أن يقبل بحرية الفكر والتعبير التي تتيح نقد فكر حركته ومرجعيتها، وهذا يعني في تقديرنا أن ما يلزمه الآن وفي هذه اللحظة وهو يدعو لعودة الديمقراطية أن يدين المادة 126 (مادة الردة) في القانون الجنائي الحالي لأنها تمثّل التعدي الفاحش والأكبر على حرية الفكر والتعبير.

إن أفضل نهج في تقديرنا لمواجهة خطر الحركة الإسلامية هو العمل الدؤوب على نقد فكرها وعزلها سياسيا وإخضاع مصادرها المالية للمراقبة الدائمة واليقظة (وهو إجراء ينطبق بالطبع على كل الأحزاب). أما خطر الجيش فلابد من مواجهته باتخاذ التدابير الوقائية الضرورية والتي ستتوفر عليها لجان فنية متخصصة. إلا أن القوة العظمى التي يجب أن تعتمد عليها الديمقراطية الجديدة في مواجهة أي تحرّك انقلابي والتي ستفلّ حديد دبابات الانقلابيين وتهزم ترسانة أسلحتهم هي الإرادة الشعبية — لابد من تَعَهُّد الآلاف، عشرات الآلاف، مئات الآلاف، الملايين من المواطنين للخروج للشارع حال سماعهم لبيان انقلاب عسكري (لو كنّا فعلنا ذلك صبيحة انقلاب الإسلاميين لكنّا تجنبنا كوارث العقود الماضية).

إن كان السودانيون حريصين على حريتهم وكرامتهم ومستقبلهم وتقدمهم وسعادتهم (ولا شك أنهم حريصون على ذلك) فلابد لهم أن يكونوا مستعدين دائما لهزيمة الحركة الإسلامية بأصواتهم عند كل منعطف انتخابي، ولابد لهم أن يكونوا مستعدين دائما لدحر أي انقلاب بأقدامهم وهم يملأون الشوارع نساء ورجالا، شبابا وشيبا. وإن كانوا يريدون مستقبلا إنسانيا لأطفالهم وأطفال أطفالهم (ولا شك أنهم يريدون ذلك)  فلابد لهم أن يتخذوا من التدابير الجادة والحازمة وبعيدة النظر ما يضمن أن انقلاب 30 يونيو 1989 هو آخر الانقلابات وأن عهد النظام الإسلامي الحالي هو آخر عهد للمشروع الإسلامي.

محمد محمود أستاذ سابق بكلية الآداب بجامعة الخرطوم ومدير مركز الدراسات النقدية للأديان.

kassalawi99@hotmail.com

التعليقات مغلقة.