محسنة بنت المحس

محسنة بنت المحس
  • 29 مايو 2019
  • لا توجد تعليقات

أحمد أبوالمعاطى

ينظر صديقنا الصحفى السودانى الجميل محمد يوسف وردى، الى الفنانة الكبيرة الراحلة محسنة توفيق، من زاوية عرقية واضحة، ويكتب فى مقال بليغ مرثية وداع للفنانة القديرة ابنة قبيلة «المحس» إحدى أكبر قبائل النوبة، ليقول إن ذكاء محسنة توفيق وتميزها على امتداد مشوارها الفنى، لم يكن سوى سر خلطة الدماء التى جرت فى شرايينها، والتى حملتها من شمال السودان واريتريا والمغرب، وصولا الى مصر، فى ذلك الزمان الذى كانت فيه ملاذ الطامحين، وقبلة العالم.

درس صديقى محمد يوسف وردى فى جامعة الاسكندرية، قبل أن يستقر به المقام فى القاهرة ليعمل فى صحافتها، متخصصا فى الشؤون السودانية، قبل أن يحزم حقائبه مضطرا، منذ ما يزيد على خمسة عشر عاما، متوجها الى الولايات المتحدة الامريكية، فيحصل على جنسيتها، ويقيم بها اقامة دائمة، ليتحفنا بين حين وآخر، فى نوبات حنين عابرة، ببعض الصور عن مرابع الصبا فى وادى حلفا، وعن قريته الصغيرة النائمة فى أحضان النيل، وكأنها قطعة من الفردوس هبطت الى الارض، من السماء السابعة.

تزاملت أنا و«وردى الصغير» لأكثر من عقد من الزمان، فلم أجده الا عاشقا لمصر وأهلها، وقارئا نهما لكل ما تجود به المطابع من كتب، فى السياسة والثقافة والفن والأدب، وهى عادة لم تفلته حتى بعدما غادر البلاد الى ما وراء الأطلسى، إذ ظل حريصا على أن يرفده الأصدقاء على فترات، بكل ما هو جديد من اصدرات المطابع ودور النشر المصرية، مع كل زيارة لشقيق سودانى يحط رحاله فى مصر، أو يمر بها عابر سبيل، فى رحلة الهروب الكبرى من جحيم نظام الاخوان، الذى اطبق على روح السودان لعقود، وتسبب فى هذا النزوح الكبير لخيره عقولها فى أصقاع العالم.

يروى وردى بمحبة بالغة، كيف كانت الراحلة الكبيرة محسنة توفيق، تعتز بأصولها السودانية، وتحكى له كلما لقيها عن جدها الشيخ اسماعيل، الذى جاء الى مصر منذ زمن بعيد من منطقة المحس شمال السودان، للدراسة فى الأزهر، وكيف صار بعد تخرجه شيخا مرموقا، وعاشقا مفتونا بعصير التمر الذى يطلق عليه النوبيون من أهل المحس «الدكاى».

ظل وردى سنوات ينصت الى محسنة توفيق، وهى تحكى بنشوة عن حياة والدها الشيخ اسماعيل، لدرجة أنه فكر فى تجميع تلك الإفادات فى كتاب، وحدد بالفعل معها عدة جلسات للتسجيل، قبل أن يحول اشتداد مرض الكبد عليها، دون مواصلة المشروع، فيكتب وردى فى أسي: بسبب ضعف دولتنا أو قل فشلها، عجزنا حتى من باب التربية الوطنية، أن نربط بين أهلنا المنتشرين فى أصقاع العالم، فتموت محسنة توفيق دون أن نهييء لها زيارة الى بلد الأجداد والاحتفاء بها.

رحم الله الفنانة القديرة محسنة توفيق، وخالص العزاء لصديقى وردى وناس المحس عموما، ولقبيلة الفن فى مصر والسودان.

التعليقات مغلقة.