انتفاض من رماد المكسيم رحلة في عوالم (رواية 48) للروائي محمد المصطفى موسى الحلقة الثانية (2 من 3)
توطئة
تصادف اليوم الذكرى السنوية لمعركة كرري، ولما كان لرواية 48 ارتباطًا وثيقًا بالمناخ الفكري والسياسي والاجتماعي لفترة ما بعد معركة كرري كان من اللازم الإشارة لذكرى كرري في هذه التوطئة.
القارئ للرواية سيلاحظ أن معركة كرري ألقت بظلال كثيفة على الرواية ومثلت الوقود الحيوي الذي حرك شخوص وأحداث الرواية.
الخلاصة التي يمكن استنباطها في هذه التوطئة دونما اختزال هي أن أبطال وشخوص الرواية ثاروا في مسرح الرواية ضد المستعمر وثأروا وفي مخيلتهم مدافع المكسيم التي حصدت شهداءهم البواسل في كرري.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تحليل الرواية
تصنف رواية 48 للروائي محمد المصطفى موسى كرواية تاريخية أو توثيقية، وهو جنس أدبي هجين يمتزج فيه الواقع بالخيال.
تدور أحداث القصة في (سوق العيش) بمدينة أمدرمان في فترة الاستعمار، تحديدًا أواخر الأربعينيات.
ففي هذا المسرح الذي تتنازع فيه ثنائيات الأصيل والدخيل، والاقتصاد والسياسة، وجمل العصارة والآلة، يتجلى وجه آخر من وجوه مقاومة الاستعمار.
يتصدر أولاد منصور الزيادي المشهد بقيادتهم لمعسكر الأصيل في تحالف وطني عابر للطبقية والجهوية والأيديولوجيا شغله الشاغل السودان للسودانيين.
تحالف يجمعهم بالحمالين (العتالة) وبائعات الطعام والشاي والتجار الوطنيين حيث تلمع أسماء مثل أب لاطومة والناشف وبت الكمندقو وغيرهم،
تحالف طيف عقدي وسياسي عريض يتخذ من سوق العيش ناديًا أهليًا مكملًا لنادي الخريجين.
وفي المعسكر المقابل يبرز اسم البعلبكي -وهو يهودي متنكر- كشخصية محورية في حلف الدخيل، ومعه بعض الوافدين مع المستعمر مثل ديمتروس ونيكولا ومن ورائهم الإداري الإنجليزي همفري، إضافة إلى مجموعة صغيرة من السودانيين الذين ارتبطت مصالحهم بالمستعمر.
كما هو العهد بالصهاينة؛ يخترق البعلبكي مجتمع سوق العيش فيصبح محل ثقة وأمين سر للرجل الصوفي الرفاعي مستغلًا وعازفًا على أوتار عاطفته الدينية.
تتصاعد وتيرة الصراع حينما يغدر البعلبكي بشيخ الرفاعي بعد أن يتلاعب بدفاتر حساباته فيصل به إلى الإفلاس وبيع ممتلكاته في مزاد عام،
وحينما يسعى البعلبكي إلى الاستحواذ عليها مدعومًا بحلفه الاستعماري يرتقي الصراع إلى ذروته مفضيًا إلى ثورة عارمة أدت إلى طرد البعلبكي خارج أسوار الوطن في رمزية لطرد المستعمر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنطلق الرواية من فكرة مركزية واحدة وواضحة وهي جلاء المستعمر.
غير أن الكاتب يبدو منشغلًا أكثر بقضية شديدة الأهمية مرتبطة بالفكرة المركزية وهي التوثيق التاريخي عبر سردية سودانية خالصة كفتي ميزانها الحقيقة والإنصاف.
في كتاباته المرجعية عن الاستشراق أشار المفكر إدوارد سعيد إلى أن الإمبريالية وقبل إعداد آلاتها الحربية لغزو البلدان تسارع بحشد أقلام وأبواق حملتها الإعلامية (البروباغندا)،
في هذه الحملة يتم تصوير الاستعمار وكأنه هبة السماء لأهل البلدان المستعمرة التي تعاني من الجهل والتخلف والوحشية، وهذا ما جسده الكاتب الإنجليزي جوزيف كونراد في روايته ذائعة الصيت (قلب الظلام) التي تصور أفريقيا كرقعة جغرافية مظلمة وأهلها متوحشين والاستعمار رحمة لهم.
عقدة البروباغندا هي أن الاستعمار وبعد أن يرحل يترك خلفه سرديته المزيفة فتتوارثها وتتناقلها الأجيال وتصبح تاريخًا يدافع عنه أهل البلدان مثلما تلقف الكثيرون سرديات أقلام المخابرات سلاطين وونجت وغيرهم وصارت مراجع تاريخية.
أدق وصف لتلك الظاهرة الشائهة هو ما ذكره رائد الأدب الأفريقي الكاتب النيجيري تشينوا أتشيبي قائلًا:
(إلى أن يحظى الأسد بمؤرخه سيظل التاريخ يمجد الصياد).
لم يكتف أتشيبي بالمقولة بل كتب واحدة من أعظم الروايات في الأدب العالمي وهي رواية (الأشياء تتداعى) مفندًا فيها سردية (قلب الظلام) لكونراد مرسيًا لمرحلة جديدة وهي كتابة التاريخ بمنظار الأسد لا الصياد.
ينطلق كاتب رواية 48 من ذات الروح التي تملكت أتشيبي وبعده الطيب صالح وغيرهم وهي روح الاعتداد بالذات القومية والانفكاك من عقدة الاستلاب والتبعية للوافد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالرجوع للرواية نجد أن اختيار أولاد منصور الأمير المهدوي المقاتل كأبطال للرواية، مسرح معركتهم سوق العيش وليس ساحة المعركة، إنما يؤرخ لمرحلة الانتقال من وسيلة الكفاح المسلح إلى الجهاد المدني كأهم آليات المقاومة وطرد المستعمر.
وهذا ما يقود إلى التساؤل عن مغزى اختيار 48 كعنوان للرواية؟
الواضح من مجريات أحداث الرواية أن المقصود به العام 1948، وهو العام الذي شهد قيام الجمعية التشريعية البوابة التي خرج عبرها الاستعمار سلميًا.
والحقيقة التي أكدتها الأيام أن قرار المشاركة في الجمعية التشريعية كان قرارًا صائبًا فيه بُعد نظر وإلمام واسع بما آلت إليه الإمبراطورية البريطانية من ضعف بعد الحرب العالمية الثانية وارتخاء قبضتها ودخولها مرحلة القابلية للجلاء.
بحَد وصف (أتشيبي) رائد الأدب الأفريقي،
أمسك أحد مؤرخي الأسود بقلمه المملوء بحبر الإنصاف وسطر عبر فن الرواية فصلًا جديدًا من فصول كتابة التاريخ الوطني بعيدًا عن مدونات أقلام مخابرات المستعمر.
2/سبتمبر/2026
#ذكرى معركة كرري#


