“إنا لفراقك يا زين المجالس وعطرها لمحزونون”

ذكرياتي مع بكري عديل.. وقصة اعتقال محمد نور سعد وبرشم

  • 20 نوفمبر 2017
  • لا توجد تعليقات

أخوك الحزين / عبد الرسول النور اسماعيل

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الوالي الكريم والصلاة على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه مع التسليم.

يقول تعالى في محكم تنزيله.. (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير، الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا. وهو العزيز الغفور).. صدق الله العظيم.
وهوى الكوكب.. ونوره في ازدياد..
إنه الزعيم.. بكري أحمد عديل.. وكفى..
فجعت البلاد عامة وكردفان.. ودار حمر والأنصار.. وحزب الأمة بصفة خاصة.. برحيل رجل فذ.. ليس ككل الرجال.. رجل مميز ومتميز.. في كل شيء.. مظهراً مهاباً.. وجوهراً نفيساً. وعطاء متواصلاً.. ووفاء لا يدانيه وفاء.. وكرماً مشهوداً.. وشجاعة نادرة.. وشهامة.. وجرأة واقداماً.. وصبراً على المصائب والمصاعب.. وصموداً وتصدياً.. وتحدياً.

انه الزعيم.. سالم البكري أحمد عديل.. كما تقول شهادة ميلاده.. ولد في بيت عز.. وشرف.. وكرم وزعامة.. فوالده الامير أحمد عديل.. وعائلته…قد جاهدوا مع الإمام المهدى عليه السلام.. وخليفته.. ود تور شين.. حق الجهاد في سبيل الله والوطن.. وتشرب منه أبناؤه. وأحفاده.. وأهله التمسك بالمبادئ والحفاظ عليها.. عضاً بالنواجذ.. رغم الابتلاءات الكثيرة.. والبلايا والبلاوي.. فالمنن في طيات المحن.. والمغانم في طيات المغارم.. كما بشرنا بذلك الإمام المهدى عليه السلام.
ولد فقيدنا الغالي في (أبوزبد)في غرب كردفان.. أواسط ثلاثينيات القرن العشرين.. لأسرة كبيرة عريقة.. ولد في بيت الزعامة الدينية والدنيوية.. فوالده الأمير أحمد عديل.. هو وكيل الامام.. وشرتاى المنطقة.. ومسؤول حزب الأمة. وإخوانه كوكبة من أفاضل الرجال.. لا يقضى أمر الا وهم على رأسه.. الشرتاى حسن.. والنائب عبد الرحمن.. والشرتاى على.. وبقية العقد الفريدمن آل عديل الكرام.
نشأ الفقيد العزيز معززاً مكرماً.. وهو من أصغر إخوانه.. تعلم فى أرقى المدارس.. الدويم الريفية.. حنتوب.. ثم خور طقت الثانوية ..وتخرج في اقتصاد جامعة الخرطوم.. أيام عهدها الزاهر.. عمل موظفاً مميزاً.. في شركة شل البريطانية.. حتى بلغ فيها أعلى الدرجات.. ثم استقال بعد ثورة اكتوبر 1964م.. ليتفرغ للعمل السياسي في صفوف حزب الأمة.. تسنده مؤهلاته التعليمية والنضالية وخبراته المتراكمة.. ومن ورائه ثقل القبيلة.. قبائل حمر المنيعة.  والأهل.. وكيان الانصار.
تصدى للعمل السري.. المدني والعسكري.. بعد انقلاب مايو 1969.. المشؤوم.. وكان المسؤول العسكري لحزب الامة.. كنت أزوره في مكتبه.. في عمارة شل.. في قلب الخرطوم لأخذ التوجيهات والتنسيق.. حيث كنت مسؤولا عن طلاب حزب الأمة في جامعة الخرطوم.. كثيرا ما كنت أجد معه في مكتبه بعض ضباط القوات المسلحة.. منهم على سبيل المثال اللواء محجوب عبدالفراج.. والذي همس في أذنه ذات مرة.. وخرج على عجل.. فوضع الفقيد يده على رأسه.. (فحوقل..وتعوذ وتحسبن) وقال لي ما في فائدة.. اعتقلوا محمد نور سعد. وكان ذلك في نوفمبر1974م. وكانت تلك أول مرة اسمع فيها اسم الشهيد محمد نور سعد.. فأسرعنا معه نحو بيته في الحارة السادسة.. الثورة بأم درمان.. للتأكد من عدم وجود أى وثيقة أو منشور يقود إلى كشف المستور.. وعند وصولنا المنزل.. وجدنا أخاه الاصغر.. زكريا الذي يسكن بجواره.. وهو كاتم أسراره.. أخبرنا زكريا بأن عباس برشم.. وهو ذراع بكري اليمنى في الاتصال بالعسكريين.. وخاصة صف الضباط.. المعروفون..  (بالشاويشية)قد تم اعتقاله قبل قليل! وكان برشم كثيرا ما يختبئ في منزل زكريا عديل.. كان واضحا أن اعتقال برشم له صلة باعتقال محمد نور سعد.. وربك يستر.

عدت الى داخليات (البركس) في جامعة الخرطوم.. حيث انفردنا بنشر خبر الاعتقالات فى صحيفتنا الحائطية (آفاق جديدة) (بالنشاط) ..
الاجتماعات التي مهدت لانتفاضة شعبان..1973م.. تم معظمها في منزل الفقيد.. حيث كان يقيم معه بالمنزل الأخ بشير ادم رحمة.. رئيس المجلس الأربعيني لاتحاد طلاب جامعة الخرطوم إبان انتفاضة شعبان 1973 ممثلاً للاتجاه الاسلامي المتحالف مع حزب الأمة.. كان الفقيد يوفر لنا.. المأوى. والأمن والضيافة.. والاستشارات اللازمة.. اعتقل الفقيد بعد احباط حركة 5 سبتمبر1975 م بقيادة الشهيد المقدم حسن حسين عثمان.. متهماً بأنه العقل المدبر لها (وقد كان كذلك).. قدم وصحبه ومن بينهم الشهيد عباس برشم.. والمحامي كمال الدين عباس.. لمحكمة عسكرية ميدانية في عطبرة.. قضت بإعدامه وتم تخفيف الحكم الى السجن خمس سنوات قضى معظمها.. في سجن بورتسودان.. في ظروف صعبة.. تحملها بصبر وصمود عجيبين..
خرج من السجن بعد المصالحة الوطنية في يوليو1977 م. وأصبح عضوا في المكتب السياسي السري لحزب الأمة.. لأن نظام مايو  لا يعترف بالأحزاب. في  لقاء بورتسودان بين نميري  والمهدى  7.7.77.وعلى الجميع ان ينخرطوا في التنظيم الجامع.. الاتحاد الاشتراكي العظيم!!كما كان يوصف وقتها.. إن أرادوا!
في عام  1980م تم تعيين الفقيد حاكماً مكلفا لإقليم كردفان.. بعد تقسيم السودان الى اقاليم..
في 1981م. تم انتخابه نائباً عن دائرة أبى زبد في أول مجلس تشريعي لإقليم كردفان الوليد.. وكنت زميلاً له في ذاك المجلس نائباً عن دائرة أبيي.. وفي سبتمبر1983م عقب صدور قوانين.. سبتمبر الإسلامية. تم اعتقاله ضمن خمسة وعشرين شخصية.. من كيان الأنصار وحزب الأمة، وعلى رأسهم السيد الصادق المهدى.. وكنت رفيقه في سجن الأبيض.. وبعد إطلاق سراح شقيقه عبدالرحمن بقينا وحدنا هو وأنا لما يزيد على العام..
في أول ابريل 1985م.تم اعتقاله بعد ظهور بشائر الثورة الشعبية.. وقد أطلق سراحه الثوار..
كان عضوا فاعلاً في الهيئة التأسيسية التي أشرفت على اعادة بناء وعضوا في المكتب السياسي. ومشرفاً سياسياً على إقليم..
انتخب من المؤتمر العام لحزب الامة عضواً في الأمانة العامة.. المستحدثة. وهي أعلى هيئة في الحزب..
فاز عضواً في الجمعية التأسيسية عن دائرة ابى زبد..
أصبح وزيرا للتربية والتعليم.. وكانت ابرز انجازاته.. الحصول على ألف منحة للدراسة الجامعية في ليبيا استفاد منها أهل السودان كلهم.
ثم أصبح وزيرا للطاقة والتعدين.. عارض النظام الذى اقامته الجبهة الاسلامية القومية.. بعد انقلابها على النظام الديموقراطي فى30 يونيو1989م.ودفع فاتورة ذلك سجناً وتجاهلاً.. وسداً لكل منافذ الكسب الشريف.. ولكنه صبر واحتمل.. واحتسب.. فلم يهادن ولم يساوم أو يراوغ..
كان الراحل الكبير شخصية متكاملة الأبعاد. فهو الاقتصادي المتمرس والسياسي المحنك. والمثقف الموسوعي.. فوق كل ذلك الانسان الشفيف والحنون العطوف.. وعلى الرغم من صلابة مواقفه.. وحزمه وعزمه.. الا أنه رقيق المشاعر مرهف الحس كريم السجايا.. سمح الخصال.. كأنما عناه الشاعر ..

هين تستخفه بسمة الطفل. قوي يصارع الاجيالا.. بابه مفتوح وبساطه ممدود.. وقدح ابو خروس مترع.. ونائله مشرع.. وقد أكمل المعروف حتى لا مزيد.. وجه بشوش طليق وحديث لين..
ان القلب ليحزن وان العين لتدمع.. ولا نقول الا ما يرضى الله.. وانا لفراقك يا زين المجالس وعطرها لمحزونون.. محزونون محزونون..
رحم الله فقيدنا الغالي وأدخله فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.. وطرح البركة في ابنائه الكرام البررة.. عديل وأسامة وأحمد. وبناته الأميرات..عفاف.. آمنة..وأميرة.. وأميهما… (بخيتة الجبورى..ورجاء.).وال الشرتاى الأمير احمد عديل.. وأحفادهم وأصهارهم.والأهل بابى زبد.. ودار حمر وكردفان الكبرى.. وكيان الانصار..وحزب الأمة..والوطن العزيز..

“إنا لله وانا اليه راجعون”.. ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم..

*سياسي قيادي وكاتب

 

أضف تعليقاً