سيف الدولة حمدناالله*

“العقيدة والحديدة” في إنتخابات نقابة المحامين !!

  • 03 يناير 2018
  • لا توجد تعليقات

سيف الدولة حمدناالله*

يكذب على نفسه من يقول بأن تحالف الأحزاب قد خسر الإنتخابات بسبب تزوير البطاقات وجنوح النظام إلى منح حق التصويت لأطراف من خارج قبيلة المحامين، أو يُرجِع ذلك إلى طريقة وتوقيت نشر كشوفات الناخبين، أو إلى أنه بسبب تعمّد اللجنة القضائية للإنتخابات وضع جدول إيجازي للطعون (يومان) بحيث لا يتمكّن التحالف من تقديم الطعون خلالها ولا تُمكن اللجنة نفسها من البت في الطعون عند تقديمها.

كل هذه المزاعِم صحيحة ولا خلاف حولها، بيد أن السبب الحقيقي الذي جعل النظام يحصد جميع مقاعد النقابة يرجع إلى إلتزام عضوية حزب المؤتمر الوطني بالتصويت، وقد ورد مضمون هذا المعنى (مع تشويهه) في حديث مكاوي محمد عوض وهو يشغل منصب أمين العمال بالمؤتمر الوطني أثناء الإحتفال الذي أقامه الحزب بمركزه العام بمناسبة الفوز (صحيفة الجريدة عدد 1/1/2018)، والذي قال فيه مكاوي: “لقد فزنا لأن العقيدة تغلّبت على الحديدة”، فالصحيح أنهم فازوا نتيجة تغلّب العقيدة والحديدة معاً (وهنا تعني عقيدة الإخوان).

الأرقام هي التي تؤكّد هذه الحقيقة، ذلك أنه ومهما بلغ عدد الأصوات المُزوّرة والملعوبة، فقد حصل الأستاذ عثمان الشريف مُرشّح النقيب في قائمة المؤتمر الوطني على (4078) صوت في مقابل (1798) صوت هي مجموع ما حصل عليه الأستاذ علي قيلوب مُرشّح تحالف الأحزاب لنفس المقعد، فإذا قلنا – من باب الجدل – أن نصف عدد الذين صوّتوا لصالح المؤتمر الوطني أي (2000) كانت أصواتهم ملعوبة ومُزوّرة، ولم يقل أحد ببلوغ النسبة لهذا الحد الكبير، فإن العدد الصحيح من الأصوات لا يزال كافياً لفوز مُرشّح المؤتمر الوطني بأكثر من ثلاثمائة صوت.

في الجانب الآخر، وبحسب نظرية أمين العمّال “مكاوي” في شأن إلتزام عضوية المؤتمر الوطني، فإن هذه نتيجة تؤكد سقوط حزبه لا نجاحه، فنظريته أساسها سليم، ذلك أن المحامي “الكوز” عنده من الإلتزام بحيث يكون لديه إستعداد لأن يقطع تذكرة طائرة ويأتي من وراء البحار حتى لا يضيع صوته، والحال كذلك، ومؤدّى هذه النظرية أن عضوية المؤتمر الوطني بين المحامين لا تزيد عن (4078) محامٍ وهو أقصى عدد حصل عليه مرشّح المؤتمر الوطني لمنصب النقيب من أصل العدد الكُلّي للمحامين المسجلين الذي يبلغ نحو (30.000) محامٍ.

بالنظر في الصفحة المُقابلة، من بين هذا العدد يوجد (18.000) محامٍ ممن كان يحق لهم التصويت في ليلة الإنتخابات، ومجموع الذين شاركوا فعلياً في الإنتخابات (وطني وتحالف ومستقلين) كان في حدود (6000) محامٍ، ما يعني أن هناك (24.000) محامٍ لم يشاركوا في الإنتخابات معظمهم بسبب عدم سداد الإشتراكات، من بينهم (12.000) محامٍ ممّن يحق لهم التصويت ولكنهم لم يفعلوا، وكان يكفي عدد (1000) منهم لحسم النتيجة لصالح جماعة التحالف، فما حقيقة أصحاب هذه الأصوات ولمن يتبعون؟

الإجابة على هذا السؤال يكمن فيها تفسير العثرة التي يعيشها الوطن، وتُفسّر السهولة التي سلّم بها الشعب رقبته لجماعة محدودة تفوّقت عليه بنظرية “الإلتزام” والتي تقابلها نظرية “التقاعس” في صفوف خصومه، فالنظام يستفيد من حقيقة أن كل جماعة من خصومه لها رأي مُختلف، بعضهم يدعوا لمقاطعة الإنتخابات (فعلت ذلك جماعة في بيان يدعو للمقاطعة نُشر أثناء سير الإنتخابات بإسم “محامو البحر الأحمر”)، وآخرون يجلسون في بيوتهم بقناعة شخصية بعدم جدوى الإنتخابات، ومثلهم يرون عدم المشاركة لأن نتيجتها محسومة سلفاً لصالح النظام … إلخ.

هذه ليست المرة الأولى، فقد تكرر حدوث ذلك في إنتخابات نقابة المحامين في الدورتين السابقتين، وكان مُرشّح التحالف لمنصب النقيب فيهما على التوالي هما الأستاذ أمين مكي مدني والأستاذ جلال الدين السيّد، وحدث ذلك أيضاً في إنتخابات نقابة الصحافيين.

ما لم يُحسِن المعنيون أخذ العبرة من هذا الدرس وتمعّن أسبابه، سوف يستمرالشعب في الدوار حول نفسه إلى ما لانهاية، وأمامك الجدل الذي يثور اليوم حول الموقف من إنتخابات 2020، والتي يرى فيها البعض أنها فرصة لتحريك الشارع بمناهضة كل خطوة في مراحل ما قبل الوصول للإقتراع، مثل مناهضة تعديل الدستور بفتح مدة الرئاسة وتشكيل لجنة الإنتخابات و إختيار المنظمات والهيئات الدولية التي تشرف عليها …. إلخ مع الإحتفاظ بخيار المقاطعة في أي مرحلة من المراحل، بدلاً عن خيار الصمت وتسهيل مهمة الخصم في إكتساحها بسهولة، فيما يرى آخرون ضرورة المقاطعة دون أن يكون لديهم طرح بديل، ودون أن تكون هناك مساحة حرّة للمناقشة الموضوعية للوصول إلى رأي يتفّق عليه الجميع.

هذه حقائق تؤكّد من جديد ضرورة البحث عن تنظيم يجمع هذه الأغلبية الصامتة ليُنظّم صفوفها “حزب الدستور”، فالذي يبعثِر هذه القوة أنها تفتقر لوجود الجهة التي تقوم بمثل هذا الدور، ولا يُرَد على هذا الطرح بأن هناك مئات الأحزاب والتنظيمات القائمة، وهي الأخرى تطرح شعارات الحرية والوطنية، فالنتيجة المطلوبة لم تتحقق لسبب أو آخر بقيام هذه التنظيمات وإلتفاف الناس حولها. المطلوب أن تتقدم الصفوف شخصيات وطنية ومُستقِلة قوامها من الشباب وتُمثّل فيها المرأة لقيادة المسيرة بما يُشبه عملية إعادة التدوير (Resetting)، وأهمية مثل هذا التنظيم لا تتوقف عند حد مُنازلة المؤتمر الوطني وتخليص الشعب منه، فالأدعى من ذلك عند وجود مثل هذا التنظيم عند عودة الديمقراطية حتى لا يجد الشعب نفسه محصوراً بين نفس الخيارات التي كانت تنتهي به في كل مرة للوقوع في فخ الفشل، ويعود الشعب للجلوس من جديد في حزب “الكنبة” ليتفرّج على ما يحدث أمامه، وهو يتحمل غُلب من إنقلب على الديمقراطية والمقلوبة عليه في صبرِ كما يفعل الآن.

*مستشار قانوني

saifuldawlah@hotmail.com

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.