بصراحة .. ماذا تريد مصر من السودان؟

  • 10 يونيو 2018
  • لا توجد تعليقات

حسين المتكسي

لاول من أمس الثلاثاء 20 من رمضان الحالي (1439هـ) ، تابعت علي قناة On Live tv المصرية ، لقاء هام مع الدكتور محمد عادل الغندور ، وهو حسب علمي متخصص في الري والزراعة ، وعضو في لجنة التنمية الزراعية بمصر، والعضو السابق، اللجنة الاستشارية للدعم الفني لمبادرة دول حوض النيل ، وحلقة البرنامج كانت عن التنمية الزراعية ، تحت عنوان كيفية ترقية الصادرات الزراعية المصرية ..
وتحدث الرجل بوضوح لا لبس فيه ، عن الوضع المائي لمصر عموما وعن المياه المخصصة للزراعة وري المنتجات الزراعية تحديدا ، وأكد بطريقة مباشرة ان مصر تعاني من وضع مائي خطير ، وليس بسبب مشروع سد النهضة كما قال ، وكما سنوضح لا حقا ..
فقد ذكر الرجل أن حصة مصر والبالغة ( 55 ) مليار متر مكعب من المياه سنويا ، حسبما منحتها اتفاقية العام ( 1959 ) م ، والتي منحت السودان ( 18 ) مليار متر مكعب من نفس الاتفاقية كما هو معلوم –منحت وكان سكان مصر حينها ، يبلغون ( 18 ) مليون نسمة ، حسب تقدير احصاات ما بعد ثورة 1952م ، وتسأءل كم يبلغ عدد سكان مصر الان ؟ مع ملاحظة الفاقد الكبير من هذه الحصة بفعل التبخر لدى السد العالي والعوامل البيئية الاخري ، وازدياد استهلاك المياه بسبب الزيادة السكانية للمصريين ..
واوضح الرجل بجلاء أن المساحات الزراعية في الدلتا تراجعت لصالح الامتددات العمرانية ، بما يفوق المليون فدان تم التغول عليها لصالح التمدد العمراني ، خاصة اذا علمنا أن الكثافة السكانية للمصرين في الكيلومتر الواحد .. هي الاعلي في العالم ، كما أن معدل الزيادة في السكان تبلغ في مصر 2.7 مليون نسمة سنويا وربما أكثر ..
ما يهمنا هنا ، وسبب كتابة هذه الاسطر ، أن الدكتور محمد الغندور قال بوضوح أن الحل يكمن في الزحف جنوبا الي السودان .. هكذا وبكل بساطة ، واستغلال ملايين الافدنة الصالحة للزراعة في السودان لصالح مصر وكذلك ايضا تفريغ اكبر عدد من السكان في المساحات الشاسعة بالسودان لانتاج محاصيل نقدية للصادر ومحاصيل غذائية لاطعام المصريين بداخل مصر !!!
واشار الي تجارب بعض المصريين في زراعة الارز وقصب السكر بمنطقة النيل الازرق لوفرة مياه الامطار والتربة الخصبة
وهنا نرجع لتوضيح ما ذكره الرجل أن مشكلة مصر ليست في مشروع سد النهضة .. بل حسب ما ذكر بوضوح أن مشكلة مصر الحقيقية تكمن في الاستثمار العربي لحوالي ( 8 ) ملايين فدان ، في شمال السودان ، في زراعة العلف – وتحديدا البرسيم الحجازي – والقمح ، لضمان الامن الغذائي لهولاء المستثمرين العرب وتحديدا السعودية ، خاصة بعد أن اوقفت زراعة هذه المحاصيل تقريبا في نفس هذه المساحة المذكورة بسبب نضوب المياه الجوفية ، وكان الحل في الاتجاه نحو السودان للاستثمار !!
هذا يؤكد ما ذهبنا اليه من قبل ، أن استراتيجية مصر العاجلة والتي لها أولوية قصوي في تخطيطهم ، هي استغلال الحوض النوبي الخصيب ، المعروف بميزة مياهه الجوفية والسطحية الوفيرة ، وخصوبة ارضه الواسعة والعامل الاخر المهم متاخمته للاراضي المصرية !!!
ايضا لا يفوت علينا أن نذكر استراتيجية مصر التي تسميها ( غزو افريقيا ) ، بمنتجاتها الزراعية والصناعية ، وكنت تابعت احاديث وتصريحات عدة شخصيات يتكلمون عن الدفع بالمنتجات المصرية للاسواق الافريقية ومنافسة الواردات الصينية والاوروبية .. وقالوا أن افضل وسيلة لذلك هي انشاء مناطق حرة في شمال السودان ،تعمل كمنصات انطلاق نحو الداخل الافريقي ، وبالفعل شرعوا في ذلك بعد انشاء معبري ( ارقين ) و( اشكيت ) علي الحدود ، وكذلك تدشين ما أسموه الخط الملاحي من ( بحيرة فيكتوريا ) الي المتوسط ..!!
نخلص من هذا الي أن عين ( حورس ) المصرية ، تنظر الي السودان الغني بطمع ونظرة استعمارية .. أحادية ، لا تريد معها أي قوة استثمارية أخري تعمل علي استغلال موارد السودان الهائلة ، دون النظر الي مصالح الشعب السوداني الذي اعطي مصر ولا يزال.. كل شئ ولم يجد منها اي شئ !!!
بالله انظروا باهتمام لهذا الحوار ، الذي اجرته صحيفة المصري اليوم الالكترونية مع الدكتور محمد الغندور بتاريخ 25/12/2015م ، ويمكن البحث عنه بوضع نفس العنوان في Google

الدكتور عادل الغندور العضو السابق بلجنة حوض النيل: على مصر المشاركة فى تمويل سد النهضة لضمان حقوقها (حوار)
الجمعة 25-12-2015 22:10 | كتب: متولي سالم |

قال الدكتور عادل الغندور، عضو اللجنة الاستشارية للدعم الفنى لمبادرة دول حوض النيل السابق، إن التوجه للاستثمار فى السودان أفضل من الاعتماد على مشروع المليون ونصف المليون فدان، ولاسيما أنه يعتمد على مورد مائى «غير مستدام»، مشيرا إلى هيمنة الاستثمارات العربية على القطاع الزراعى فى شمال السودان وتمويله لسد «مروى» السودانى لزراعة 8 ملايين فدان.

وأضاف «الغندور»، فى حوار لـ«المصرى اليوم»، أن سد النهضة يشكل خطورة شديدة على مصر، فى حالة استخدام مياهه فى التوسع الزراعى، رغم أنه لا يمكن لإثيوبيا أن تستمر فى تخزين المياه إلى ما لا نهاية، موضحا أن الخطر يكمن فى حجم الاستثمار العربى فى شمال السودان على حساب حصة مصر من مياه النيل، من خلال توسع عربى فى النشاط الزراعى هناك.

وشدد على أن سد النهضة يتيح للسودان الزراعة على مدار العام، ما سيؤثر على كميات المياه الواردة إلى مصر، لأن الوصول التدريجى لمياه النيل، يسمح للسودان باستخدام مياه أكثر على حساب مصر، موضحا أن مشاكل المشروع تتركز فى النواحى الإنشائية، وتنفذه شركة إيطالية لا توجد لديها خبرات فى إنشاء السدود على الأنهار الدولية، وليست «حسنة السمعة» فى هذه المجالات، وعند انهياره سيكون السودان هو المتضرر الأول منه، وخطورته ستنتهى عند بحيرة ناصر.. وإلى تفاصيل الحوار:

■ ما رؤيتك لمشروع استصلاح ١٫٥ مليون فدان؟

– الاستثمار على المياه الجوفية فى مشروع الـ1.5 مليون فدان «غير مستدام»، ومصر ستواجه أزمة عندما تقوم بتوطين مليون نسمة فى مناطق المشروع، بينما لا توجد خطط لإعادة التوطين بعد الانتهاء من استدامة الموارد المائية الجوفية، ووقتها لن تكون هناك مياه لازمة للأنشطة الأخرى، الدولة ستتحمل المليارات من أجل الصرف على مشروع لا يحقق الاستدامة فى التنمية، السعودية أغلقت جميع الآبار الجوفية خوفا على مستقبل الإنتاج الحيوانى لها وحاجتها لاستئناف نشاط الرعى للإبل والأغنام، عندما تنضب مواردها البترولية، وهو حتمى وقريبا جدا، ما جعلها تدرك أهمية الحفاظ على الموارد المائية الجوفية، ما يستوجب التوجه نحو الاستثمار الزراعى فى السودان.

■ لكن تواجه مصر خطر تحول مشروع سد النهضة إلى «واقع» يجرى تنفيذه بدون اتفاق ثلاثى مع السودان وإثيوبيا؟

– سد النهضة الإثيوبى ليس الخطر على مصر، لكن الخطر يكمن فى حجم الاستثمار العربى فى شمال السودان على حساب حصة مصر من مياه النيل، من خلال توسع عربى فى النشاط الزراعى فى شمال السودان، ممثلا فى شركات الراجحى السعودية والشركات الإماراتية، والجيش الأردنى يقوم باستصلاح 60 ألف فدان فى شمال السودان.

■ ما هى مخاطرها؟

– الاستثمارات العربية دفعت الدول الخليجية لتمويل سد مروى السودانى لخدمة نشاطها الاستثمارى، ضمن خطة استثمارية لزراعة 8 ملايين فدان فى شمال السودان، مع التركيز على زراعة المحاصيل الشرهة للمياه، للاستفادة منها فى مشروعاتهم للإنتاج الحيوانى فى بلادهم وهو الأكثر خطورة من إنشاء سد النهضة، وخطورته تنبع من السودان وليس من إثيوبيا.

■ كيف يمكن توضيح مخاطر المشروع؟

– مشاكل سد النهضة الرئيسية تتركز فى المشاكل الإنشائية، حيث يتم إنشاؤه فى مناطق رسوبية، وتنفذه شركة إيطالية لا توجد لديها خبرات فى إنشاء السدود على الأنهار الدولية، وليست «حسنة السمعة» فى هذه المجالات، وعند انهياره سيكون السودان هو المتضرر الأول منه، وخطورته ستنتهى عند بحيرة ناصر، ورغم أن السودان المتضرر الأول من سد النهضة إلا أنه سعيد بذلك.

■ كيف تفسر التأييد السودانى لإثيوبيا؟

– التأييد السودانى لسد النهضة لدوره فى منع إطماء السدود السودانية خاصة سد الروصيروص الذى يبعد 40 كم من سد النهضة، أو فائدة فى زيادة كفاءة واستيعاب سد سنار من المياه، وتنظر السودان أن يساهم السد فى الاستفادة من مياه النيل الأزرق فى الرى التكميلى للمساحات التى سيتم زراعتها فى المناطق المجاورة للنهر، خلال الفترات من شهور أغسطس وسبتمبر وأكتوبر، حتى لا يتحول النهر إلى مجرى جاف خلال فترات عدم الفيضان فى الشهور الأخرى.

■ هل هناك استفادات أخرى؟

– سد النهضة يتيح للسودان الزراعة على مدار العام، ما سيؤثر على كميات المياه الواردة إلى مصر، لأن الوصول التدريجى لمياه النيل، يسمح للسودان باستخدام مياه أكثر على حساب مصر، يتم استغلالها بالزراعة فى شمال السودان، والتوسع الزراعى فى هذه المناطق على حساب حصة مصر من مياه النيل، والمفروض أن تشارك مصر فى تمويل سد النهضة وتدخل شريكا ضمن شراكة ثلاثية فى تمويل المشروع، لضمان حقوقها المائية، خاصة أن إثيوبيا والسودان تستهدفان الاستفادة من فائض الكهرباء الناتج عن سد النهضة، بالإضافة إلى أن إثيوبيا لديها 5 سدود أخرى لتوليد الكهرباء.

■ لكن هناك معارضة إثيوبية للسد؟

– نجحت الحكومة الإثيوبية فى تحويل مشروع سد النهضة إلى مشروع قومى، يلتف حوله الشعب الإثيوبى، والمعارضة الحالية من مسلمى إثيوبيا فى مناطق النزاع حول السد، ستنتهى، خاصة أن إثيوبيا لديها جيش قوى.

■ هناك من يرى أن السد سيؤثر على وصول المياه إلى بحيرة ناصر؟

– المشروع يقلل من وصول الإطماء إلى بحيرة ناصر، وبالتالى يحد من الزيادة الكبيرة التى تتعرض لها البحيرة من معدلات كبيرة للإطماء ساهمت فى التوسع الزراعى حول البحيرة فى الأراضى السودانية بمساحات تجاوزت آلاف الأفدنة، تتم زراعتها بالمحاصيل العضوية، وقد تؤدى إلى حدوث اختناق فى الممر الرئيسى للنيل، وإغلاقه فى حالة استمرار حالة الإطماء الحالية خاصة فى منطقة وادى حلفا، ما أدى إلى ظهور دلتا جديدة فى المنطقة.

■ والنتيجة؟

– فى حالة مواصلة معدلات الإطماء بالصورة الحالية، التى تجاوزت الدراسات التى أعدها الروس عند إنشاء السد العالى بتقدير العمر الافتراضى للسد وبحيرة ناصر بـ500 عام، ما خالفته الدراسات الحالية والوضع الحالى المتعلق بزيادة معدلات الإطماء، وهو ما سيؤدى إلى تغيير فى مسار النيل سواء فى اتجاه الشرق أو الغرب طبقا لحركة الإطماء التى ترتبط بالنحر والإرساب.

■ متى يشكل سد النهضة ضررا على الأمن المائى المصرى؟

– عندما يتم استخدام مياه السد فى التوسع الزراعى، بدلا من توليد الطاقة، هناك رجل الأعمال السعودى الشهير بـ«العمودى» هو أول من اقترح زراعة مليون هكتار تعادل أكثر من مليونى فدان، فى المنطقة الحدودية بين السودان وإثيوبيا، اعتمادا على الاستفادة من سد النهضة، خاصة فى منطقة الدمازين، التى كانت مصر تزرع فيها الذرة وفول الصويا وعباد الشمس، بينما لا تحظى زراعة القمح فى هذه المناطق بالاهتمام الأكبر بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، بسبب عدم توافر البنية القومية ولوجستيات النقل، فى هذه المناطق، مما يجعل الجدوى الاقتصادية لزراعة القمح غير ذات جدوى، ويكون تكلفة استيراده من كندا أقل من إنتاجه محليا.

■ لكن هل يستمر التخزين؟

– لا يمكن لإثيوبيا أن تستمر فى تخزين المياه إلى ما لانهاية، خاصة أنه يوجد 3 أحواض لنهر النيل، الأول فى الشرق فى منطقة الهضبة الإثيوبية وأريتريا، ويصل إجمالى ما يسقط عليها 500 مليار متر مكعب من المياه، لا يصل منها إلى النيل الأزرق سوى 100 مليار، والحوض الثانى ويقع فى النيل الجنوبى ويسقط عليه أيضا 500 مليار، لا يصل منها إلى النيل الأبيض سوى 20 مليار متر مكعب، بينما يقع الحوض الثالث فى جنوب السودان ويسقط عليه نفس كميات الحوضين الأول والثانى، ولكن مشكلته أنه لا يصل منه متر مكعب واحد من المياه إلى نهر النيل، ويحول مناطق كثيرة فى جنوب السودان إلى مستنقعات.

■ ماذا عن تأثير الاستثمار العربى فى السودان؟

– الدول العربية، خاصة الخليجية، يحركون الحكومة السودانية، بسرعة شديدة لاستغلال مياه النيل، فى الاستثمار الزراعى بالسودان، خاصة فى المناطق الشمالية على جانبى النيل الرئيسى، ما ترتب عليه قيامهم بتمويل سد «مروى»، الذى يقع فى منتصف المسافة بين الخرطوم وأسوان، مما دفع السودان للحصول على مياه تتجاوز حصتها من مياه النيل، وهو ما يستلزم ضرورة التواجد المصرى فى هذه المناطق من خلال مشروعات زراعية مصرية.

■ لكن لماذا يتهافت العرب على الاستثمار فى المناطق القاحلة فى الشمال بعيدا عن المناطق المطرية؟

– هناك العديد من الأسباب التى تجذب المستثمر العربى لهذه المناطق، اعتمادا على وجود مصدر رى دائم وهو نهر النيل، أو المياه الجوفية، ما يشكل عبئا على حصة مصر من مياه النيل، بالإضافة إلى أنهم يفضلون هذه المناطق لأنها مناطق تضاهى الظروف الخليجية، فضلا عن استغلالهم للقرارات الحكومية فى بلادهم، من خلال الاستفادة من أنظمة الرى المحورى التى تم تفكيكها فى دول الخليج بعد حظر استغلال المياه الجوفية فى الزراعة، نظرا لعدم استدامتها، وتم نقلها إلى مناطق مشابهة فى شمال السودان، لأن هذه المعدات تناسب الأراضى الرملية ولا تناسب الأراضى الطينية.

■ لكن ماهو الوضع الحالى للاستثمار المصرى؟

– يوجد حاليا 80 مشروعا زراعيا مصريا فى شمال السودان والنيل الأبيض، فى مناطق إلى الشمال من العاصمة الخرطوم فى ولايتى نهر النيل والولاية الشمالية، أو ولاية النيل الأبيض، لكن من المهم أن يتم تركيز الاستثمارات باتجاه جنوب الخرطوم، على النيلين الأبيض والأزرق، وحتى الحدود مع إثيوبيا والتى تسقط عليها كميات متفاوتة من مياه الأمطار تتراوح ما بين 800 متر مكعب للفدان، وحتى 2400 متر مكعب للفدان بالقرب من الحدود الإثيوبية وحتى المناطق المحيطة بالنيل الأزرق، بالإضافة إلى المناطق الأخرى، بمنطقة «كوستى» على النيل الأبيض، حيث تقوم إحدى الشركات الكويتية وهى شركة الخرافى بزراعة 150 ألف فدان، والتى تحتاج جميعها إلى ريه تكميلية للاستفادة منها فى الزراعة، وزيادة إنتاجية المحاصيل الزراعية، ولا تؤثر على حصة مصر من مياه النيل.

■ ما هى التحديات التى تدفع باتجاه الاستثمار فى السودان؟

– السودان أهم بلد فى العالم بالنسبة لمصر لاشك فى ذلك، ولعلى لا أتجاوز القول إن جميع حلول مشكلات مصر المستعصية كامنة فى السودان، وبينها الانفجار السكانى مع محدودية الموارد الطبيعية وخاصة المياه.

■ ما العوامل التى تحتم دفع عمليــة التكامل بين مصر والسودان خاصة فى هذه الظروف؟

– هذه العوامل تشمل مشاكل اتفاقيات حوض النيل، والضغــــط السكانــــــى فى مصــــــر، وخطة الدولة سد الفجوة الغذائية فى الحبوب والمحاصيل الزيتية والسكرية والقطن والأعلاف الموجودة فى مصر بإنتاج هذه المحاصيل فى السودان لصالح شعبى مصر والسودان.

■ ما دوافع مصر للاستثمار فى السودان؟

– مصر تعانى فجوة غذائية كبيرة بين الإنتاج والاستهلاك خاصة فى محاصيل القمح والذرة وفول الصويا والمحاصيل الزيتية والسكرية والأعلاف والقطن، ونحتاج لسد هذه الفجوة مبدئيا لمساحة عشرة ملايين فدان على الأقل، ولا تسمح موارد مصر المائية فى هذه المرحلة بتوفيرها إلا بالتحرك للاستثمار الزراعى فى السودان حيث الموارد الطبيعية الهائلة هناك من أراض خصبة ومياه، حيث إن الفجوة الغذائية بمصر تصل لملايين الأطنان من الحبوب والأعلاف والزيوت والسكر واللحوم، وهى فجوة، ودون تحفظ، يمكن أن تغطى متى تم الاستغلال الجيد للموارد الطبيعية بالبلدين.

■ ما أولويات تحديد المشروعات الاستراتيجية بالسودان؟

– الأولويات فى مجال الإنتاج الزراعى والنباتى تشمل تنفيذ مشروعات بناء الخزانات والسدود ومنشآت الرى للمشروعات الزراعية المروية الكبرى والتى لا تقل المساحة المروية عن عشرة آلاف من الأفدنة، ومشروعات الزراعة المروية بالراحة أو المضخات من الأنهار بما لا يقل عن خمسة آلاف من الأفدنة والآبار الجوفية بما لا يقل عن ألفى فدان للقطعة الواحدة.

■ ماذا أيضا؟

– من الضرورى تنفيذ مشروعات المزارع الرعوية الكبرى لخدمة الإنتاج فى مناطق الرعى التقليدى بنثر البذور لزراعة الأعشاب وتوفير خدمات المياه والرعاية البيطرية والمناطق المحمية الخالية من الأمراض، وتنفيذ مشروعات خدمة الميكنة الزراعية بطاقة تكفى لتقديم الخدمات لمزارع لا تقل مساحتها عن مائتى ألف فدان سنوياً، فضلا عن مشروعات إنتاج اللحوم بطاقات كبيرة لا تقل عن 7 آلاف رأس من الضأن الأمهات أو ألفين من الأبقار أو الإبل فى المزارع الرعوية، وتأسيس المجازر الحديثة بمواصفات تؤهلها للصادر مع وجود خدمات متكاملة ومستودعات تخزين اللحوم، والمشاريع المتكاملة لإنتاج الألبان بطاقات كبيرة لا تقل عن خمسمائة بقرة منتجة (ذات إنتاجية عالية) مع إنشاء معامل الألبان ووسائل النقل المبرد للتوزيع، ومشروعات تصنيع الألبان ومنتجاتها بحيث يكون حجم الاستثمار فيها بما لا يقل عن 2.5 مليار جنيه، ومشاريع إنتاج الدواجن بطاقات كبيرة لا تقل عن مليونى بيضة فى العام فى مجال إنتاج البيض، وألفى طن فأكثر فى العام فى مجال الإنتاج الداجنى.

■ البعض يؤكد أن السودان يحظى بإمكانيات واعدة فى الاستثمار السمكى؟

– لديه مناطق واعدة تجذب الاستثمار لتنفيذ مشروعات مصايد الأسماك والأحياء المائية فى المياه العذبة ومياه البحر الأحمر، وتجهيزها بالقوارب والسفن والماكينات ومعدات التجهيز الحديثة ومصانع الثلج والمبردات ووسائل النقل المبرد وتصنيع منتجات الأسماك وذلك بطاقة لا تقل عن ألف طن فى العام، بالإضافة إلى مشروعات استزراع الأسماك فى المياه العذبة ومياه البحر الأحمر باستخدام التقنية الحديثة فى هذا المجال وتجهيزها بكل المعدات والأدوات الحديثة وذلك بحجم إنتاج لا يقل عن ثلاثة آلاف من الأطنان فى العام.

■ هل ترى أن هناك أزمة وراء ضعف الاستثمار فى السودان؟

– للأسف يعرف رجل الشارع وحتى المثقف المصرى الكثير عن أوروبا وأمريكا والسعودية ودول الخليج ولا يكاد يعرف شيئا عن تاريخ السودان وأوضاعه السياسية والاجتماعية والثقافية، ثم ينتفض إلى المعرفة غصبا والاهتمام بشؤون السودان كلما داهمته المصائب وانعكاساتها المباشرة أو الضمنية على الأمن القومى وعلى نصيبه من مياه النيل.

■ ننتقل إلى الكبوات فى العلاقات المصرية السودانية، وتأثيرها على العلاقات الحالية؟

– العلاقات المصرية السودانية على حد تقديرى أشبه بـ«ميكانيزم» المعادلة العلمية المعروفة بالأوانى المستطرقة، فما من انتصار أو تقدم يتحقق لمصر أو تداهمها النكبات، إلا وكانت لها تأثيراتها المباشرة على السودان إيجابا أو سلبا والعكس صحيح، وهل ننسى أن السودان استضاف سلاح الطيران وقطع البحرية المصرية بعيدا عن مرمى الطيران الإسرائيلى إثر نكسة يونيو 1967، وكان محمد أحمد المحجوب وهو من دعاة الاستقلال ورئيس حزب الأمة رئيسا آنذاك لحكومة السودان.

■ لكن هناك علامات استفهام حول دور محمد على باشا فى التأثير على هذه العلاقات؟

– حقائق التاريخ تشهد بأنه وجه حملته العسكرية إلى الجنوب اعتمادا على السائد والمألوف وقتئذ عن حقوق اكتشاف المناطق المجهولة، خاصة وكان شاغله الاستراتيجى الوصول إلى منابع النيل وتأمين تدفقه إلى مصر إذ بدونه تصبح صحراء جرداء، ثم إنه استجاب لدعوة مشايخ القبائل السودانية لفض ما بينهم من منازعات، دون أن يضع ضمن أولوياته الهيمنة على كنوز الذهب فى السودان أو جلب العاج وريش النعام على حد ما أشاعه المؤرخون الإنجليز الموتورون، خاصة أن السودان لم يشهد خلال الوجود المصرى فى السودان أية حركة تعدين، ولا كانت عملية نزع عاج كل الأفيال وريش النعام فى السودان.

■ ماذا عن الدور السودانى فى العمل الحكومى المصرى خلال هذه الفترة؟

– خلال الحكم المصرى للسودان، شغل أبناؤه مناصب حكام الأقاليم والقضاة، بل ونص دستور الثورة العرابية على تخصيص مقاعد فى المجلس التشريعى لنواب السودان اعترافا بالتكافؤ والندية وشراكة المصير الواحد وتلك مجرد أمثلة من الوقائع التى تؤكد على أنه كان لأهل السودان مثل الحقوق والواجبات ما كان للمصريين، وأما الحديث المشبوه عن استعمار مصر للسودان، فلم تكن قد شهدت وقتئذ نهضة صناعية ولا نموا رأسماليا ولا كانت لها أطماع إمبريالية تؤهلها لهذا الدور، ولعله من المؤسفات الثقافية أن يحظى السودان بالاهتمام والبحث العلمى عبر العديد من مراكز الدراسات فى أوروبا وأمريكا، بينما أغلق الرئيس أنور السادات المعهد المصرى الوحيد للدراسات السودانية الذى كان يرأسه الدكتور صبحى عبدالحكيم، وكان عبدالناصر قد عنى بتخريج المعهد لأجيال من الكوادر السياسية والإعلامية والمهنية المؤهلة للتعامل بوعى سياسى مع شؤون السودان، ومن عجب أن يتقرر دمج البرنامج الدراسى للمعهد ضمن البرنامج الدراسى لمعهد الشؤون الأفريقية، وكأن أهمية السودان بالنسبة لمصر لا تتجاوز أهمية بوركينا فاسو.

■ ماذا عن الوضع الحالى؟

– من المؤسف أيضا أن تخلو برامج وأدبيات الأحزاب المصرية من أى توجه أو اهتمام بالسودان، وعلى عكس ما كان عليه زخم اهتمام الأحزاب المصرية فى السابق بعضوية أبناء السودان والسعى إلى وحدة وادى النيل، ولعل هذا الغيب المعرفى والافتقار للإدراك الواعى بالشخصية السودانية التى كانت ترنو للوحدة مع مصر، وهى كانت محور النضال المشترك مع الشعب المصرى، لكن ثمة عوامل سياسية طارئة باتت معروفة للجميع كانت وراء طرح الأزهرى المفاجئ خيار التصويت على حق تقرير المصير على البرلمان، دون انتظار موعد الاستفتاء الشعبى حول هذا الخيار حسبما نصت عليه اتفاقية السودان، عبر المباحثات التى خاض الرئيس جمال عبدالناصر غمارها مع الجانب البريطانى حول الجلاء عن وادى النيل، ومن المعروف أن جميع الأحزاب والحكومات المصرية وبينها حزب الوفد صاحب الأغلبية الشعبية قبل ثورة 23 يوليو ظلت ترفض خيار استفتاء الشعب السودانى حول تقرير مصيره، خشية التلاعب بنتائجه فى ظل الوجود الاستعمارى البريطانى، لكن عبدالناصر قبل التحدى وجرد الإنجليز من أى حجة عبر استفتاء أهل السودان حول حق تقرير المصير، ثم كانت مصر أول دولة فى العالم تعترف باستقلال السودان، حيث قرر عبدالناصر التنازل عن كل أسلحة ومعدات ومعسكرات القوة العسكرية المصرية فى السودان لجيش السودان الوليد.

■ والحل؟

– لابد أن تكون هناك إرادة سياسية تجمع الحكومتين المصرية والسودانية للتركيز على تنفيذ مشروعات مشتركة يقوم بأعبائها القطاع الخاص وتقديم كل التسهيلات اللازمة لتحقيق هذه المصالح، التى تربط بين الشعبين قبل أن تربط بين الحكومات.

حسين المتكسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.