لا حمدوك ولا معتز!

  • 19 سبتمبر 2018
  • لا توجد تعليقات

د.حسين حسن حسين

أحدث اعتذار الخبير الاقتصادي السوداني الدكتور عبدالله حمدوك عن تولي حقيبة وزارة المالية لغطاً واسعاً، فكالت صحافة الإنقاذ، – وهي لا تختلف عن صحافة الأنظمة الأحادية في أي مكان في العالم- الاتهامات للخبير المعتذر، إلى حد أن نزع صحافي – ملكي أكثر من الملك- الوطنية عنه، داعياً إلى أن تكون الوطنية منهجاً يُدرس، حتى لا تبتلى البلاد بالعقوق والنكران.

أما الشامتون فرأوا أن لجوء الإنقاذ إلى عالم طردته في ذروة حماستها دليل على إفلاسها، بعد أن طردت كثيراً من أمثاله، ليس على أساس معيار مهني، وإنما تطبيقاً لسياسة التمكين، التي صبغت الخدمة المدنية بصبغة حزبية ضيقة، كما لو أن هذا الوطن أصبح حكراً لزمرة، وضيعةً خاصة تفعل بها ما تشاء، ومن أبى فعليه أن يتحمل مسؤوليته، بالمكوث مذموماً مدحوراً، أو بالهجرة إلى بلاد الله الواسعة، بعد أن ضاقت به بلاده على اتساعها.

وكان حلُّ النظام للمشكلة التي واجهته، والحكومة على بعد ساعات من أداء القسم أمام رئيس الجمهورية، بإسناد الوزارة إلى رئيس الوزراء الجديد معتز موسى، وهو الذي كان اختياره لقيادة الحكومة الجديدة في الأساس محل انتقاد شديد، بسبب القفزات الهائلة له في تولي مناصب لم يكن أهلاً لها، حسب المنتقدين، من ناحيتَيْ التأهيل العلمي، والخبرة العملية، إلى جانب إخفاقه الواضح –وفق أولئك- في القيام بمهامه وزيراً للكهرباء والري والموارد المائية، وقد عاشت العاصمة في عهده تحديداً إظلاماً لم تشهده طوال تاريخها، على الرغم من مشروعات الكهرباء التي مشى بها ركبان الإنقاذ، وأغرقوا في سبيلها مواطنين لا حول لهم ولا قوة.

وإذا كان لب المشكلة هو إدارة الاقتصاد، حتى نضب كلُّ معينٍ لإنعاشه، وإعادة الحياة إليه، فإنَّ حلَّ الحكومة بجمع معتز بين رئاسة الوزراء والمالية أتاح للمنتقدين مجالاً ليؤكدوا إفلاس الإنقاذ، وعدم امتلاكها الكفاءات القادرة على إدارة البلاد، وإيجاد الحلول لمشكلاتها.

وفي رأيي أن الأزمة في الأساس أزمة وطن، تسبب فيها النظام، الذي سيستمر في تعميق هذه الأزمة إذا ظلَّ متشبثاً بالسلطة.

ومن يعاني هذه الأزمة ليس أهل النظام، وإنما المواطن المغلوب على أمره، بعد أن أصبح حقلاً للتجارب، وجسراً لكل من رغب في تعلم الحلاقة في رؤوس اليتامى، فهؤلاء المجرِّبون رابحون في حالتي النجاح والإخفاق.

والأزمة الحقيقية تتجسد في قصة خبيرنا حمدوك، فهو يمثل آلافاً من الخبراء في الميادين المختلفة تركوا البلد بعد أن شعروا فيه بالضّيم والغربة، وراحوا يبحثون عن أوطان تستوعبهم، وتمنحهم الأمان المفتقد في وطنهم، وتحيل أحلامهم واقعاً، ومع كل نجاح يحققونه بعيداً عن الوطن والأهل يشعرون بغصة في حلوقهم.

وكلُّ من هاجر واغترب ينظر إلى مجاله ومن يتولون مسؤولياته في الوطن يشعر أن تجريفاً واضحاً قد حدث، وأن الأمور أوكلت إلى غير أهلها، ولهذا أصبح الإخفاق أسلوب حياة في السودان، ولا يحتاج الوضع إلى عبقرية لاكتشاف أدواء البلد، الذي يصعب حاله على الكافر، كما يقولون.

إذن مشكلتنا في أحادية التفكير والرؤية اللتين تتصلان بأي نظام يمارس الإقصاء، ويصادر الوطن، ويختزله في مريديه.

والحلُّ ليس في أن يتولى حمدوك وزارة الاقتصاد أو رئاسة الوزراء، وإنما الحل في تخلي النظام عن أنانيته التي تهدد وجود وطن اسمه السودان على الخريطة، وفي أن يتحمل كل أبناء الوطن على اختلاف انتماءاتهم الجهوية والقبلية والحزبية والفكرية مسؤولية إدارته، وتوزيع الأدوار بينهم على أساس التأهيل والكفاءة، وتمتعهم جميعاً بحرية الرأي والفكر، والتطلُّع المشروع إلى السلطة، لا احتكاراً لها، وإنما لاتخاذها وسيلةً لتنزيل الفكر على أرض الواقع، والاحتكام إلى المواطن البسيط لإصدار الحكم له أو عليه، ليستمر أو ليفسح المجال لغيره.

وهذا ما يُطلق عليه (تداول السلطة) في إطار من العدل والمساواة والحرية المسؤولة، وهو الدواء لكل أدواء الوطن، وسبب الراحة من الفساد الذي لا تقضي عليه المفوضيات والهيئات ذات الأسماء والصفات الرنانة التي توكل إلى الفاسدين، لتصبح وسيلة لذرّ الرَّماد في العيون، وغطاءً للمزيد من الفساد.

وليريح معتز نفسه من مسوغات التنصُّل من برنامج “الصدمة” الذي بشَّر به، وليعلم أنه لا يملك عصا موسى ليحلَّ مشكلات راكمتها الأحادية والإقصاء والتسلط.

ولم يكن إذن لحمدوك – إذا كان قد قبل التكليف- أن يحرِّك بعلمه وخبرته اقتصاداً يئنُّ تحت وطأة الفساد الذي ينمو ويتكاثر -حسبما علمتنا تجاربنا وتجارب العالم من حولنا- في ظل اختزال الوطن –أيِّ وطن- في زمرة تنشأ بينها مصالح مشتركة، وروابط أعمق من روابط الرحم والدم تُعميهم عن رؤية الحق مهما كان أبلج.

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.