الإصلاح الاقتصادي في واقع مهنة المحاسبة

  • 10 أكتوبر 2018
  • لا توجد تعليقات

د. عبدالله محمد سليمان

هل يحظى الواقع الحالي لمهنة المحاسبة في السودان بما يستحقه من اهتمام في إطار جهود الإصلاح الاقتصادي؟  هذا سؤال مهم لا بد من الإجابة عنه. فنحن نكثر الحديث في السودان عن القصور في توفير الموارد الاقتصادية واستغلالها وتوظيفها بكفاءة، وعدم التقيد بالسياسات والإجراءات المالية، وضعف الولاية على المال العام، وبروز ظاهرة “التجنيب” من الإيرادات والتصرف فيها دون رقابة كافية.

ويتركز جل اهتمامنا في حالات الفساد والاعتداء على المال العام من اختلاسات وسرقات، ولا نلقي بالاً لضعف النظم المالية والممارسات المحاسبية الخاطئة، وربما الاحتيالية التي لا تقل خطراً عن كل هذا، وربما تكون أحد أبرز أسبابه في ضوء الواقع الحالي لمهنة المحاسبة والمراجعة!

هل نحن مطمئنون بأن العمل المالي المحاسبي في المؤسسات والشركات والمنشآت المختلفة يجري على النحو المرضي الذي يمكن أن نتأكد من خلاله أن الأحداث المالية المحاسبية تُرصد وتُسجل بمعايير مهنية، ويتم الالتزام فيها بالنظم واللوائح والإجراءات المعتمدة، وأن السجلات المالية المحاسبية مكتملة ووافية، وأن ما يصدر من تقارير وقوائم مالية وحسابات ختامية تعبر بعدالة ومصداقية عن واقع حال الأداء المالي المحاسبي للمنشآت في القطاعات الاقتصادية المختلفة، أم أن التردي والضعف قد أصاب هذه المهنة، وأن مخرجات النظم المالية المحاسبية لا يمكن الوثوق بها بصورة مطمئنة!

للأسف الإجابة عن كل هذه الأسئلة بالنفي، والشواهد على ذلك ماثلة منها على سبيل المثال: تأخر تقفيل الحسابات في الشركات والمنشآت الخاصة في موعدها من كل عام، وامتناع بعض المؤسسات والهيئات العامة عن تقديم حساباتها الختامية تهرباً أو عجزاً، والمخالفات وحالات الاعتداء على المال العام مما أشرنا له في بداية هذا المقال. وفي كل هذا دليل على أن أوضاع مهنة المحاسبة والمراجعة وممارستها ليست على ما يرام.

صحيح أن جهود الإصلاح الاقتصادي تركز في السياسات النقدية والمالية ولكن في رأينا أن تعزيز هذه الجهود لتحقيق المقاصد المرجوة منها يتطلب من الجهات المعنية معالجة أوضاع ممارسة مهنة المحاسبة والمراجعة، من حيث نظمها وسياساتها وإجراءاتها والمعايير التي تحكمها.

هذه المهنة من المهن المهمة ذات الأثر الكبير والعميق في مجمل النشاط الاقتصادي وفي التعاملات المالية المحاسبية في جميع الهيئات والمؤسسات والمصارف والشركات والمنشآت بكل أشكالها القانونية في القطاعين العام والخاص. فللمحاسبة، كما يعرف المهنيون العاملون في هذا المجال، أهداف ومفاهيم ومعايير تضبط المعالجات في كل تفاصيل العمل المالي المحاسبي، وتمكّن المنشآت من إعداد قوائمها المالية التي تعبر بصدق وواقعية عن أدائها المالي، وحساباتها الختامية في الفترة المالية أو السنة المالية المعنية، مما يطمئن إداراتها والجهات المسئولة عن أدائها.

كما هو معلوم ولزيادة الثقة في مخرجات النظم المالية والتحقق من عدالة القوائم المالية، تخضع حسابات المنشآت في القطاع الخاص للمراجعة من قبل مراجعي الحسابات والمحاسبين القانونيين من ذوي التأهيل والخبرة، لمراجعة حساباتها والتأكد من التزامها بالمعايير المهنية المحاسبية المتعارف عليها، وذلك قبل عرض التقارير والقوائم المالية على مجالس الإدارة والجمعيات العمومية.

وفي القطاع العام والحكومي تخضع الهيئات والمؤسسات العامة والمصارف وأجهزة الحكم في مستوياتها المختلفة في نهاية كل سنة مالية للمراجعة من قبل ديوان المراجعة العامة سواء مباشرة أو بتكليف مكتب محاسبة أو مراجع قانوني في بعض الأحيان للتأكد من سلامة أدائها المالي.

ويصدر، من ثم، تقرير المراجع العام الذي يرفع إلى الجهات الرقابية المسؤولة، ومنها البرلمان للتداول حوله، واتخاذ التدابير والمعالجات اللازمة في ضوء ما يرد فيه من ملاحظات.

وللمراجعة مثلما للمحاسبة معايير مهنية ملزمة منها ما له علاقة بالتأهيل المهني الكافي والحياد والموضوعية والاستقلال، ومنها كذلك ما له علاقة بتخطيط عمل المراجعة، والرقابة على عمل المراجعة والتوثيق وجمع أدلة إثبات العمليات المحاسبية، والقرائن ذات العلاقة بها، وإعداد تقارير المراجعة وغيرها من المعايير التي تضبط أداء المحاسب القانوني أو ديوان المراجعة العامة للقيام بمهامه في التحقق من موثوقية وعدالة القوائم المالية.

ولا تقتصر الترتيبات المهنية على عمل المحاسبة ومخرجاتها والمراجعة وتقاريرها، وإنما هنالك دور رقابي يقوم به المراجع الداخلي الذي يتابع العمل المالي المحاسبي داخل المنشأة نفسها وطوال الفترة المالية، للتأكد من أن كل العمليات المالية المحاسبية تجري وفقاً للسياسات والإجراءات المعتمدة والمعايير المهنية، وهذا دور مهم في العملية الرقابية يسبق ما يقوم به المراجع الخارجي للمنشآت الخاصة، أو ديوان المراجعة العامة للمنشآت في القطاع العام والحكومي.

في ضوء هذا الإيضاح لبعض جوانب ما ينبغي أن يكون عليه حال مهنة المحاسبة والمراجعة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه مرة أخري: هل واقع الحال لهذه المهنة في السودان يعين على اكتشاف أوجه الخلل والقصور في التعاملات المالية المحاسبية في المنشآت المختلفة بما يدعم ويحقق مرامي ومقاصد الإصلاح الاقتصادي أم أن الأمر بخلاف ذلك ويحتاج إلى المعالجة؟! ولقد أشرنا فيما تقدم أن الاهتمام ينصب دائماً على حالات التعدي على المال العام، ولا يتجاوزها إلى واقع ممارسة مهنة المحاسبة والمراجعة ومخرجاتها داخل المنشآت المختلفة في القطاعين العام والخاص، مع العلم أن الأمر يجب أن يمتد إلى حالات التلاعب والغش في بنود الحسابات نفسها، وطرائق تسجيلها، وفي مخرجات النظم المالية للمنشآت المتمثلة في القوائم المالية (الحسابات الختامية)، التي يمكن أن تعكس في نهاية الفترة المالية صورة مغايرة تماما لواقع الأداء المالي المحاسبي، ولا تعبر بعدالة عن الأداء المالي لهذه المنشآت.

إن أمر التحقق من ضعف ممارسة العمل المحاسبي في المنشآت المختلفة يحتاج إلى اهتمام كبير وجاد من الأجهزة المختصة. فهناك بعض الملاحظات ترد في تقارير المحاسبين القانونيين وديوان المراجعة العامة تشير إلى جوانب الخلل في النظم، وفي العمل المحاسبي داخل المنشآت، وتتكرر سنة بعد أخرى دون أي جهد من تلك الجهات لمعالجتها.

كما سبق أن ألمحنا، فإن عجز بعض الوحدات والمنشآت عن تقفيل حساباتها، يعدّ دليلاً – في بعض الحالات- على القصور المهني في النظم المحاسبية نفسها، ونظم الضبط الداخلي، التي لا تمكنها من رصد حساباتها، وتسجيلها بالطرائق الصحيحة، ومن ثم إعداد الحسابات الختامية في موعدها، وهذه إحدى الظواهر التي لا يخلو منها تقرير المراجع العام في نهاية كل سنة مالية.

ومن أبرز نقاط الضعف أن كثيراً من منشآت القطاعين العام والخاص ما زالت تعتمد في رصد الأحداث المالية وتسجيلها على نظم يدوية عتيقة وبالية، ولا تعير اهتماماً للمعايير المحاسبية التي تحكم وتضبط العمل المحاسبي في جوانبه المختلفة. فالأخطاء التي تحدث في الجوانب الفنية والمهنية وعدم الالتزام بالمعايير المهنية أو نتيجة لتجاوز السياسات والإجراءات المعتمدة، لا تجد من يهتم بها وتنعكس على النتائج النهائية للمنشأة.

على سبيل المثال، بعض المنشآت في القطاعين العام والخاص لا تحتفظ بسجلات متكاملة للأصول، ولا تتابع بشكل دقيق مراحل اقتنائها وتحديد قيامها وحساب استهلاكاتها والتخلص منها وانعكاس كل هذا على حساباتها.

وكذلك ربما تعمد بعض المنشآت لتضخيم إيراداتها وذلك بعدم التقيد بالمعيار والضوابط التي تحكم احتساب الإيرادات ومدى تحققها وكيفية تسجيلها فيما يخص الفترة المحاسبية (السنة المالية) أو تحاول تقليل نفقاتها بتوزيعها على أكثر من فترة بدلا من تحميلها على فترة محاسبية واحدة، على سبيل المثال رسملة بعض المصاريف كأعمال الصيانة للآليات والمعدات دون توفر شروط للرسملة لإيجاد مسوغ لتوزيعها على أكثر من فترة واحده وذلك بقصد تقليل المصروفات وزيادة الأرباح. كذلك ربما تحاول الشركات تقليل أرباحها بحيل محاسبية مختلفة تهربا من الضرائب مثلاً.

إن ضعف ممارسة مهنة المحاسبة والمراجعة يتبدى كذلك في نوعية الكوادر التي يسند إليها العمل المحاسبي وبصفة خاصة في الشركات والهيئات والمؤسسات العامة والأجهزة والوحدات الحكومية. هنالك أمثلة لمنشآت يتولى هذه المهام فيها أشخاص لم يدرسوا المحاسبة دراسة منهجية أو لم ينالوا التدريب الكافي لتزويدهم بالمعارف والمهارات المهنية التي تمكنهم من القيام بمهامه بالأسلوب الصحيح ويتعذر عليهم فهم الكثير من تعقيدات العمل المالي المحاسبي، خاصة عندما يكون النظام متداخلا وينطوي على كثير من التعاملات المالية المتشابكة كما هو الحال في مشاريع التنمية الكبرى والشركات الحكومية والمنشآت متعددة النشاطات وغيرها في القطاعين العام والخاص. ويزيد الأمر تعقيدا إذا كان النظام المحاسبي يدويا والدورات المستندية تحتاج للاجتهاد الشخصي في الرصد والتسجيل والمتابعة كما هو الحال في أغلب وحدات الحكومية المركزية والولائية. لكل هذا هنالك حاجة ماسة للاهتمام باختيار الكوادر المؤهلة وتنفيذ البرامج التدريبية المهنية اللازمة في مجالات المحاسبة بتخصصاتها ومستوياتها المختلفة وذلك بهدف رفع قدرات الكوادر المالية المحاسبية والمراجعين وغيرهم من الفئات ذات العلاقة بالعمل المالي المحاسبي.

كذلك لابد من تحديث أدوات العمل المالي المحاسبي واستخدام الأنظمة الآلية والبرمجيات المحاسبية التي تساعد في سرعة وضبط الأداء، وتطوير السياسات والإجراءات المالية المحاسبية، وإحكام الرقابة على العمل المحاسبي داخل هذه المنشآت بأنواعها المختلفة، والأخذ بجدية واهتمام بالملاحظات التي يبديها المراجعون في نهاية كل سنة مالية حول تلك النظم لمعالجة الخلل وتجويد ممارسة العمل المحاسبي. وخلاصة القول هو أن الإصلاح الاقتصادي يستوجب بالضرورة ولاية الدولة على المال العام والاهتمام بالتعامل فيه وفق سياسات وإجراءات محددة ومعتمدة، وهذا لن يتأتى إلا ببذل الجهود اللازمة لزيادة فعالية العمل المالي المحاسبي ومعالجة أوجه الخلل، وألا يقتصر الاهتمام فقط على حالات الاعتداء على المال العام وأوجه الفساد المختلفة والتي هي في كثير منها نتيجة لضعف النظم المالية المحاسبية والذي حاولنا توضيح بعض أسبابه في هذا المقال.

إن تحديث العمل المالي المحاسبي في السودان وتطويره، بوصفهما من الركائز المهمة للإصلاح الاقتصادي، يحتاجان إلى جهد كبير تشارك فيه جهات كثيرة، فلا بد للدولة من أن تسعى  إلى حشد طاقاتها للاستفادة من جهودها منها: الأجهزة الحكومية المختصة كديوان الحسابات وديوان المراجعة العامة، والجامعات والمعاهد التي تعد خريجي المحاسبة والمراجعة وغيرهم من الفئات المهنية ذات الصلة، ومجلس المحاسبين القانونيين، واتحاد أصحاب العمل والغرف التجارية والصناعية، والشركات الاستشارية في مجال المحاسبة وبرمجياتها وتقنياتها، وشركات الاتصالات وغيرها من الجهات ذات العلاقة، إضافة إلى أهمية الاستعانة بالجهات المهنية والمستشارين من ذوي التأهيل والخبرة من خارج السودان للمشاركة في جهود التحديث والتطوير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.