من كرة القدم إلى البحر ثم بيروت وأخيراً الخرطوم

قصته أقرب للخيال.. البحار الدائم الابتسام (صابر): إسرائيل أفقدتني طعم الحياة!

صابر إدريس
  • 11 أكتوبر 2018
  • لا توجد تعليقات

الخرطوم – التحرير:

لا تكاد تصدق وأنت تجلس إليه أن وراء هذا الرجل قصصاً أشبه بالروايات الخيالية، ذلك لوجهه البشوش الذي دأب على توزيع الابتسامات والقفشات على كل الناس، الذين يخدمهم بلا فرز طوال اليوم. يهتم بإطعام الطيور في الصباح الباكر، وكذلك إطعام آخرين لا يشعر بمعاناتهم الناس، تجده يجلس في الشارع الواقع جنوب برج التضامن الشهير بشارع البلدية، شارد الذهن، وحيناً آخر متقد الذهن، لا تفارقه ابتسامته ولكن هذه الابتسامة تحمل خلفها قصصاً كثيرة وحزناً عميقاً.. جلسنا معه في هذه الدردشة لنتعرف إليه من قرب، وتركنا له مساحة ليسرد لنا قصته.

بدأت رحلتي في البحر

اسمي صابر إدريس محمد جودة، ولدت بمصر أم الدنيا من أم مصرية وأب سوداني الأصل (دنقلاوي)، لديّ خمسة من الإخوة ثلاثة أولاد وبنتان، كنا نسكن بشارع عبده باشا في العباسية. كنت أعشق كرة القدم، وسبق أن لعبت بنادي المياه، ومع أشبال الأهلي مدة عامين، وكنت وقتها لم أتجاوز الـ(12) عاماً.

تركت الدراسة من مرحلة الثانوية العامة، وبدأت رحلة البحث عن عمل، ووجدت شركة يونانية تعمل في الملاحة البحرية كنت أبلغ حينها (17) عاماً، وأصبحت بحاراً، وبدأت رحلتي في البحر منذ ذلك الوقت، رغم أنني في البداية ملأني الخوف، وأصابني دوار البحر، ولكن مع التعود تلاشى الخوف.

كان طاقم السفينة يضم مختلف الجنسيات، ولكن الطباخ كان مصرياً، وعملت في البداية كـ(زيات) لماكينة السفينة، وبعد ذلك مساعداً للكابتن وأسرته المكونة من زوجة وبنت وولد يوجدون معنا في الإجازات والعطلات. وعبر البحر مررت بموانئ كثيرة في (27) دولة، منها (الأردن – سورية- لبنان- موريتانيا- إيطاليا- بلغاريا- يوغسلافيا- تركيا).

يقول العم صابر أدمنت المكوث خلف كابينة القيادة وأتأمل، وكنت لا أصدق ما أراه (شعب مرجانية- هياكل عظمية- جثث- أوانٍ- حيوانات بحرية- حطام سفن غرقت منذ آلاف السنين)، عشت في تلك العوالم المدهشة سبعة سنوات من عمري، لديّ أصدقاء سودانيون قابلتهم في البحر على متن السفينة (حارث مصطفى- عبد الحميد- سعد الدين- علي)، أقضي معهم بعض الأوقات وبالكاد الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحيداً.

نحت اسمها على ذراعي

يقول صابر بعد ذلك قررت أن أحط الرحال بـ(لبنان)، وبدأت حياة جديدة في “برج المر” شارع الحمرة، وتعرفت هناك إلى شباب، وكنا نسهر في (الديسكو)، وكان لي أصدقاء مقربون في لبنان (هاني مغربي الجنسية، وعماد أردني، وزكي أيضاً أردني)، وتعرفت إلى رجل لبناني صاحب مطعم، واستلطفني الرجل لدرجة أنه خطب لي ابنته فتزوجتها على الفور، اسمها “منى”، أحببتها بصدق لدرجة أني نحت اسمها على ذراعي، وعشنا حياة جميلة، وأنجبت منها بنتاً أسميتها “سماح”، ولكن القدر دائماً يقول كلمته وينتصر، ففي أثناء الاجتياح الإسرائيلي (حرب لبنان مع إسرائيل) سقطت قذيفة قتلت زوجتي وبنتي على الفور، بينما أُصبت أنا في ذراعي، حيث تقطعت أوردتي، وبعد تدخل جراحي تم توصيل أنبوبين من البلاستك بديل للعروق التي تهتكت، وبعد الظلام الذي اجتاح حياتي وفقدت كل شيء، صرت لا أكترث بما سيحدث لي في المستقبل.

ويواصل صابر روايته قائلاً: عندما اشتدت الحرب في لبنان وبعد حدوث مجزرة (صبرا وشتيلا) تم ترحيل كل الأجانب الموجودين في لبنان إلى بلادهم، كل حسب جنسيته، وبسبب الحرب أغلقت كل السفارات في لبنان، وجاء سفير السودان بسورية حينها أحمد محمد البدري الذي قام بترحيلنا مباشرة إلى السودان، وأنا كنت لا أعرف عن السودان غير أن والدي سوداني، وبالتالي أحمل الجنسية السودانية.

في السودان لأول مرة

ويتابع صابر: بعد أن حط بي القدر بأرض السمر (السودان) عام 1983 قابلت أولاد (حلتي) من المصريين الذين يعملون في هندسة الديكور، تعلمت منهم ومعهم ولجت إلى عالم فن الديكور. ومن خلاله تعرفت إلى شخصيات عامة وسياسية منهم (المشير عبد الرحمن سوار الذهب- والفريق عباس مدني من رموز انتفاضة أبريل- واللواء عثمان عبد الله وزير الدفاع في عهد الديمقراطية الثالثة)، واشتغلنا في سينما مدني كنا (23) مهندس ديكور، في فترة وجودي بالسودان، عاشرت الطبقات الكبيرة والمشاهير بحكم عمل الديكور، وأصبح فن الديكور مهنتي الأساسية، ولكن ممكن أشتغل أي شغل تاني ما عندي مشكلة.

رحلة البحث عن الأهل

ويمضي العم صابر في حكايته ويقول: بدأت حياة أخرى في السودان والتجار المصريون أتوني بخطابات من إخواني بها عناوين أعمامي وأهل والدي.

بحثت عنهم وذهبت إلى زيارتهم في الولاية الشمالية، وأيضاً زرت أهلي الموجودين في الخرطوم، وكنت في البداية موجوداً معهم ولكني تركتهم وفضلت العيش وحيداً دون قيود.

وقررت عدم العودة إلى مصر بخاصة بعد وفاة والديَّ، على الرغم من رجاءات أشقائي هناك بالعودة، ولكني مبسوط وطيلة فترة وجودي في السودان لم أحس بغربة وأراه وطني الأول.

وأنا الآن أعمل بهذا الشارع منذ مدة طويلة جداً، قابلت أناساً كثر دعموني وساندوني ولا أستطيع أن أنسى فضل الأستاذ عبدالماجد عبدالحميد رئيس تحرير صحيفة مصادر، الذي فتح لي أبوابها للعمل فيها كـ(حارس) أقضي معظم وقتي أمام الصحيفة، وكونت علاقات طيبة مع الصحفيين القدامى والجدد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.