تهديد للصحافيين التقليديين أم دعم تكنولوجي من نوع جديد ؟

صحافة الروبوت .. الطريق بات ممهدا للأتمتة الكاملة في صناعة الإعلام

  • 21 أكتوبر 2018
  • لا توجد تعليقات

د. عباس مصطفى صادق

في الصحافة الروبوتية Robot journalism أو صحافة الروبو Robo journalism، أو الصحافة المؤتمتة Automated journalism والمعروفة أيضًا باسم الصحافة الخوارزمية Algorithmic journalism تنتج الأخبار بواسطة برامج الذكاء الاصطناعي، بمعنى أن ذلك يتم تلقائيًا بواسطة الآلات بدلاً عن المراسلين البشريين، حيث تقوم هذه البرامج بتفسير البيانات وتنظيمها وعرضها بطرق يمكن قراءتها بواسطة الإنسان.
في العادةً تتضمن عملية الأتمتة الصحفية خوارزمية تقوم بمسح كميات كبيرة من البيانات المتوفرة ، وتختار دلالات من مجموعة متنوعة من تراكيب المقالات المبرمجة مسبقًا والنقاط الرئيسية للأوامر ، ثم تقوم بإدراج التفاصيل، مثل الأسماء والأماكن والمبالغ والتصنيفات والإحصاءات وغيرها من معطيات، كما يمكن أيضًا العمل على تخصيص العرض الصوتي ليلائم صوتًا أو نغمة أو أسلوبا معينًا للقراءة.
وتعمل عدد من شركات علوم البيانات والذكاء الاصطناعي، مثل Automated Insights ، و Narrative Science ، و Yseop على تطوير وتقديم هذه الخوارزميات إلى المؤسسات الإعلامية التي أصبح بعضها يعتمد إلى حد كبير على هذه التكنولوجيا لإنتاج التقارير والقصص الإخبارية.
في عام 2006م، أعلنت طومسون رويترز عن تحولها إلى التشغيل الآلي لإنتاج قصص إخبارية مالية على نظامها الإخباري عبر الإنترنت، ومنذ عام 2016م، برز عدد من المؤسسات الإعلامية العملاقة التي أدخلت تكنولوجيا الصحافة الروبوتية في عمليات الإنتاج وعلى رأسها وكالة أسوشيتد برس وصحف لوس أنجلوس تايمز ونيويورك تايمز وواشنطن بوست وهيئة الإذاعة البريطانية ومجلة فوربس وغيرها.
ومن النجاحات المثيرة في هذا المجال أن صحيفة تشاينا دايلي الصينية استخدمت روبوتا أطلقت عليه اسم شياو نان Xiao Nan ، وأنتجت به أول مقالة صحافية ليصبح أول صحافي روبوت رسميا في العالم يتمكن من إنجاز المهمة الموكلة إليه، وهو قادر على كتابة مقالات صحافية بمعدل 300 رمز كتابي في ظرف ثانية واحدة فقط.
ووفقا للبروفسيور لوان شياو جون ، الأستاذ بجامعة بكين الذي قاد فريق دراسة وتطوير هذا الروبوت، فإن شياو قادر على كتابة القصص القصيرة والتقارير الطويلة , وأنه بالمقارنة مع المراسلين البشريين يتملك القدرة على تحليل البيانات بشكل أقوى فضلا عن تفوقه عيلهم في سرعة كتابة القصص الإخبارية.
وقد بدأت وكالة الأسوشيتد برس الأمريكية للأنباء في أتمتة صناعة المحتوى الأخباري في عام 2013 بجمع المعلومات وإنتاج القصص الصحفية وهي تستخدم حاليا نظام الأخبار News Whip بغرض استباق القصص الإخبارية التي تنشرها وسائل الإعلام الاجتماعية.
شركة غوغل من جانبها تعمل على دفع مشروعها الخاص بصحافة الروبوت إلى الأمام , ففي يونيو 2017 أعلنت وكالة الأنباء الوطنية في المملكة المتحدة (برس اسوسيشين Press Association ) ، أنها تلقت مبلغ 706 الف يورو لمبادرتها التي أطلقت عليها اسم رادار Reporters And Data And Robots ( RADAR ) من مبادرة غوغل للاخبار الرقمية Google’s Digital News Initiative (DNI) حيث ستتولى أجهزة الكمبيوتر مهمة كتابة 30 الف قصة صحفية شهريًا لوسائل الإعلام المحلية في إنجلترا وإيرلندا في اطار برامج دعم مشاريع تطوير رقمنة الصحافة في أوروبا.
وتقول كورينا اندروود في مقال نشرته بموقع تكنوايمرجنس في يناير هذا العام 2018م أن موقع ياهو العملاق يعتمد في تغطياته لأخبار الرياضة على الصحافة المؤتمتة فعلى الرغم من تراجع الشركة خلال عشر سنوات الاخيرة وبيعها لشركة الاتصالات العملاقة فيريزون Verizon ، إلا أن موقع ياهو لا يزال يحظى بمتابعة هائلة وهو يدعي بأنه من خلال توليد محتوى من المقالات والتقارير ورسائل البريد إلكتروني مع معلومات عن فرق رياضية معينة أو فرق رياضية خيالية فإنه قادر على اصابة عصفورين بحجر واحد كما يلي:
1. أولاً ، تجذب ياهو القراء للبقاء لوقت أطول مع مادة إعلامية غنية تعتمد على المعلومات الرياضية.
2. ثانيًا ، يبحث المعلنون بفارغ الصبر عن المواد الجذابة ، وينفقون المزيد من الأموال على الإعلانات التي ستزيد من عدد المشاهدين.
في اليابان تعاونت صحيفة أقليمية أسمها شينانو ماينيتشي شيمبون The Shinano Mainichi Shimbun مع شركة فوجيتسو Fujitsu، أكبر شركات خدمات تكنولوجيا المعلومات في اليابان على تطوير نظام روبوتي يولد تلقائياً مئات الملخصات لمقالات إخبارية، وذلك في وقت وجيز جدا لنشرها عبر مجموعة من المنصات الإعلامية، وهي مهمة كانت تستغرق ما يصل إلى خمس دقائق لكل مقالة.
تطبيق آخر تستخدمه هيئة الإذاعة البريطانية منذ عام 2012 ، وهو عبارة عن أداة لاستخلاص البيانات باسم Juicer تقوم بمراقبة خلاصات الاخبار RSS من حوالي 850 منفذ إخباري عالمي ومقتطفات من مقالات إخبارية من البي بي سي نفسها , ثم تقوم الأداة بتحديد العلامات الدلالية في القصص الاخبارية وتنظمها في واحدة من أربع فئات: المنظمات والمواقع والأشخاص والأشياء, وهي بذلك تساعد الصحفي الذي يبحث عن أحدث القصص عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أو المقالات المرتبطة به على سبيل المثال ، ثم تقوم الأداة الروبوتوية بالبحث السريع في شبكة الانترنت لتقدم قائمة بالمحتويات ذات الصلة بموضوع البحث.
في عام 2015 ، طبقت نيويورك تايمز مشروعها التجريبي للذكاء الاصطناعي المعروف باسم المحرر Editor وقد كان الهدف من المشروع تبسيط العمل الصحفي، فعند كتابة مقالة مثلا ، يمكن للصحفي استخدام علامات الدلالية لتمييز عبارة ما، أو عنوان ، أو نقاط رئيسية في النص وبمرور الوقت ، يمكن للكمبيوتر التعرف على هذه العلامات، وبالتالي التعرف على الأجزاء الأكثر أهمية من أي مقال، وذلك من بالبحث بالبيانات المختلفة واستخراج المعلومات استنادًا إلى الفئات المطلوبة ، مثل الأحداث والأشخاص والمواقع والتواريخ ، بحيث يمكن يسهل الوصول إلى المعلومات والفحص السريع والدقيق للحقائق.
كذلك استخدمت صحيفة واشنطن بوست الروبوت مبكرا في انتاج الاخبار وتوزيعها عبر منصات وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك في دورة الألعاب الأولمبية في ريودي جانيرو عام 2016 بواسطة نظام اسمه هليوغراف ‘Heliograf’ ، تم تطويره داخليًا ، وهو يولد تلقائيًا تحديثات قصيرة للأخبار، وقد استمرت الصحفية في استخدام هذا النظام الروبوتي في توليد الاخبار في مواضيع مختلفة.
في نفس العام 2016 ، عملت رويترز مع شركة غرافيك للتكنولوجيا الدلالية لتزويد ناشري الإخبار بمجموعة واسعة من بيانات الانفوغرافيك التفاعلية المجانية لمجموعة متنوعة من الموضوعات بما في ذلك الترفيه والرياضة والأخبار، وهذه المواد التفاعلية يتم تحديثها في الوقت الفعلي، حيث يمكن الوصول إليها عبر منصة رويترز Open Media Express.
كذلك، أطلقت صحيفة الغارديان في عام 2016 ذاته برنامج روبوتي باسم شاتبوت Chatbot يعمل من خلال منصات فيس بوك وهو يوفر وقت الاطلاع على المقالات الإخبارية أو البحث عنها، كما يسمح للمستخدمين بالاختيار من النسخة الأمريكية والبريطانية والأسترالية من الأخبار وعناوين الموضوعات المختلفة في الرياضة والفنون والاقتصاد والتكنولوجيا.
وينظر إلى الصحافة الروبوتية في بعض الأحيان على أنها فرصة لتحرير الصحفيين من عمليات إنتاج التقارير الروتينية ، مما يوفر لهم المزيد من الوقت لهم للقيام بالمهام المعقدة كما أنها تخفض الأعباء المالية الذي تواجه المؤسسات الإخبارية .
وباستخدام الروبوت فإن بعض هذه المؤسسات كأنه يرسل رسالة للصحفيين يقول لهم فيها بأن الذين لم يطوروا أنفسهم سوف ينتهون وستسحقهم نظم الاتمتة والذكاء الاصطناعي فهي أكثر إنتاجية وأكثر دقة كما أن الروبوت لا يمرض ولا يطالب بأجازات سنوية ولا يضيع الوقت في الأكل، والشرب والثرثرة مع زملاء العمل.
مع ذلك هنالك من ينتقد جودة الأخبار التي تنتجها الروبوتات من ناحية الدقة والصدقية ، فعلى سبيل المثال نشرت صحيفة لوس انجليس تايمز تقريرا آليا عن زلزال وقع بالقرب من ساحل كاليفورنيا بقوة 6.8 درجة عام 2014م، وكان ذلك ليس دقيقا تماما، فقد سجله الماسح الجيولوجي الأميركي عن طريق الخطأ، على الرغم من أن قصة الزلزال ظهرت منشورة توا في خلال دقيقة من مصدرها الرسمي.
في ذلك يرى أليكسيس أوهانيان، المؤسس المشارك لموقع ريدت Reddit المتخصص في الأخبار ، أن الروبوت يمكنه كتابة الخبر العادي الذي تكون معلوماته محددة، لكن بالنسبة للموضوعات التي تحتاج إلى استكشاف وتقصي فإن الأمر يتطلب الأمر عقلا بشريا ذكيا يكون قادر ا على التقاط التفاصيل, قال ذلك خلال قمة رواد التواصل الاجتماعي العرب التي عقدت بدبي خلال شهر مارس 2015م.
فنظرًا للطبيعة المركبة للأتمتة، يتم استخدام هذه التكنولوجيا المتقدمة بشكل أساسي في معالجة القصص المبنية على الإحصائيات والأرقام مثل خلاصات الرياضة ، وأخبار الطقس ، والتقارير المالية ، والتحليل العقاري ، وأخبار الأسهم وغير ذلك.
أخيرا ومع أن صحافة الروبوت تحمل في طياتها الكثير من التهديدي للصحافيين إلا أنها تحمل ايضا آفاق الأمل للصحفيين محدودي المهارة الذين يعتمدون بشكل كبير على الاجهزة التكنولوجية في اكمال مهامهم الصحفية حيث سيعمل هؤلاء في مساعدة الروبوتات داخل غرف الاخبار فيما سيتولى الاكفاء من الصحفيين الاعمال الصحفية الميدانية وغيرها التي تحتاج الى مهارات وخبرات عالية .

  • مجلة جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج لمجلس التعاون لدول الخليج العربية العدد 114 سبتمبر 2018م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.