وجهة نظر قانونية حول سلمية الثورة وميكافيلية أعدائها

  • 14 مارس 2019
  • تعليقان

المستشار البشرى عبدالحميد

أطلعت على بعض الآراء، كما استمعت إلى تسجيل متداول في مواقع التواصل لسيدة تدعى منى بدري مقيمة في واشنطن تطعن في مشروعية التظاهر السلمي.

راعني ما سمعته على لسان هذه السيدة، وهي تحاول جاهدة إثبات عدم مشروعية وقانونية هذا الحق، في الوقت ذاته الذي تشير فيها إلى مشاركتها في مسيرة السودانيين في واشنطن.

 تؤكد السيدة في بداية حديثها اهتمامها بالمسائل القانونية، وحبها للقانون، بشكل يوحي أن هذا هو مجال تخصصها، بخاصة أنها كانت تتحدث بثقة كبيرة، وهي تستدل بقوانين حقوق الإنسان ودستور السودان الانتقالي.

هذا الأمر ضلل كثيرين ممن استمعوا إليها، وظنوا أنها قانونية متخصصة، وهذا ما جعلهم يذيلون تسجيلها بعبارة: (استمعوا لهذا الرأي للقانونية المتخصصة منى بدري من واشنطن)، والواضح من طريقة حديثها أنها هدفت إلى هذه النتيجة.

جاء حديثها مستفزاً للشباب المتظاهرين، مع ضعف في الاستدلال والتحليل، وما توصلت إليه من نتائج، يجعل كل من له صلة بالقانون لا يشك لحظة بأن مثل هذا الهراء لا يمكن أن يصدر عن قانوني على أعتاب المهنة ملتزم بآدابها.

هذا الأمر جعلني أحرص على معرفة من تكون هذه المُدعية، فجاءني الخبر اليقين بأنها طبيبة، وعضوة في المؤتمر الوطني، ولا صلة لها بالقانون، فانكشف القناع بأنها لا تعدو أن تكون قاصية عن زملاء مهنتها الأطباء الذين يشكلون طليعة الثورة مع الشباب في موقف وطني وبطولي، فلا عجب أن تختار البقاء في السفينة الغارقة مع رصفائها من المنتمين لفكر التقية والميكافيلية، ممارسة لجميع أساليب المكر والتدليس والخداع.

ولمعلومية القراء ممن لم تتح لهم فرصة الاستماع إليها ألخص مرافعتها حول عدم شرعية التظاهر السلمي في الآتي:

  • أن حق التظاهر السلمى ليس حقاً تلقائياً في الفقه القانوني، ويجب ممارسته بالشكل الذي ينظمه القانون، وأن الحق يمارس بتنظيم، وضربت أمثلة لذلك باستخراج تراخيص المباني، وترخيص السيارة، وترخيص ممارسة الطب، وما شابه ذلك من أمثلة لا صلة لها بالموضوع.
  • أن حرية الأشخاص والمجموعات تنتهي عند حرية الآخرين، ويجب أن يكون التظاهر في الميادين العامة لا داخل الحارات.
  • استنكرت سلوك المتظاهرين الشباب في الدخول للمنازل والأماكن العامة لتقول باللفظ (الشفع ديل) حتى دخلوا مستشفى الدايات، والسلاح الطبي، وممتلكات الآخرين.
  • أن التظاهر السلمي يجب ألا يصحبه هتاف؛ لأن الهتافات تعدّ من الإزعاج العام، والشغب.
  • أن حدود التظاهر السلمي لا يشمل المطالبة بالمساس بأمن الدولة، وإسقاط النظام.
  • أن دستور السودان هو دستور دولي وضعته القوى الدولية في إطار اتفاقية نيفاشا، التي حددت أسلوب التداول السلمي للسلطة، وهو اللجوء إلى صندوق الاقتراع، والحصول على التفويض الشعبي، وليس عن طريق المظاهرات، وليس بإسقاط النظام.
  • تساءلت: من هم المتظاهرون حتى يطالبوا بالحلقوم الواسع إسقاط الحكومة بشعار (تسقط بس)، والمطالبة بحكومة انتقالية، وكم عددهم، ومهما كان العدد، فإن هناك أعداداً أكبر خرجت تحت شعار(تقعد بس)، ولهم الحق في غير ما يطالب به المتظاهرون.
  • أن الثورة ظلمت النظام، ونبهت العالم إلى مشكلاتنا، ومكّن النظام من حشد الدعم الدولي لصالحها.
  • أنه لا يمكن النداء بإسقاط النظام مع عدم وجود البديل، وأن ظهور تجمع المهنيين أضرّ بالثورة، ولا يمكن أن يشكّل البديل.
  • على الشباب التوجه إلى تنظيم أنفسهم ليعبروا إلى جولة أخرى؛ بحثاً عن حلول موضوعية بالحوار مع النظام.

هذه الأسباب التي طرحتها السيدة منى، وهي تتحدث بنبرة الواثق حول عدم قانونية ومشروعية التظاهرات السلمية تهزم نفسها بما تحمله من تناقضات داخلها، وهذا أمر لا يستحق الوقوف عنده، فالقارئ الحصيف قادر وكفيل بمعرفة ضعف الحديث، ونوايا من أطلقتها. ما يهمنا الآن هو تبصير القراء بقوة شرعية ودستورية التظاهرات السلمية التي تحدث في السودان.

إن حق التظاهر السلمي من الحقوق الطبيعية التي لا تحدها حدود، وترجع إلى إنسانية الانسان، وهو من مظاهر الممارسة الحقيقية لحرية الفكر والعقيدة والتعبير في المجتمعات، فيسمح بالتقاء مجموعات من البشر للتعبير عن مطالبهم المشروعة بأسلوب منظم ومرتب، وتكون السلطات ملزمة برعاية التظاهرات السلمية وحمايتها، وتمكينها من التعبير عن أهدافها ومراميها.

إن حق التجمع السلمي من الحقوق التي لا يجوز تقييدها، باستثناء القيود الخاصة بالتدابير الضرورية لصيانة الأمن القومي، والسلامة العامة، وحماية الصحة العامة والآداب، مثل: الدعاية للحرب، والدعوة إلى الكراهية والعنف أو العنصرية الدينية، ويكون ذلك في ظل المجتمعات الديمقراطية، هذا مع ضرورة العلم بأن هذه القيود ليست مطلقة التقدير، وتقاس بمقاييس المجتمع الديمقراطي الذي يحترم حرية الرأي والفكر والتعبير، وحق الإنسان في ممارسة ذلك كله منفرداً ومجتمعاً وعلناً،  كما تخضع الدولة في هذا الشأن لرقابة اللجنة المعنية بحقوق الإنسان المنبثقة من العهد الدولي للحقوق السياسية والمدنية، سواء من خلال تقديم تقاريرها الدورية، أو ما يقدم من شكاوى بواسطة الأفراد والجماعات ضد السلطة المعنية.

ولا شك في أن ممارسات الحكومات العسكرية والشمولية الديكتاتورية التي تسطو بليل على حقوق الشعوب تسطو على حقها في حكم نفسها، وتحرمه من حقوقه الأساسية بل تدعو وتشجع وتمارس كل ما يحظره الدستور والقانون من تعد على الناس بتكميم الأفواه والسجن والسحل والقتل وانتهاك حرمات الناس، وهذا يجعل من حقهم العمل على استرداد حقوقهم المسلوبة، وبالطرق السلمية، وهذا ما يمارس السودانيون، وكان سبباً في اندلاع المظاهرات السلمية الرافضة للطغيان، والإقصاء، والإذلال.

إن حق التظاهر السلمي من الحقوق التي كفلتها جميع وثائق حقوق الانسان المحلية والإقليمية والدولية، إذ نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العاشر من ديسمبر 1948م صراحة على هذا الحق في المواد من (1) الى (21) وهي تحدد الحقوق المدنية والسياسية الواجب الاعتراف بها لكل كائن بشري.

لقد نص الإعلان على حرية الرأي والتعبير التي يندرج تحتها حق التظاهر السلمي، وهي من الحقوق الثابتة للبشر التي لا تتغير بتغير المكان أو الزمان أو شكل وطبيعة الحكم. كما أن المعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في 1966م هدف الى تحويل ما جاء في الاعلان العالمي لحقوق الانسان الى قواعد قانونية دولية عن طريق إبرام معاهدات تلزم بموجبها الدول التي تصادق عليها بالالتزام بها وتطبيقها.

وفى القانون الدولي يشار إلى الحقوق الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الجيل الأول من الحقوق التي تعرف بالحقوق السلبية من باب عدم أحقية الدول التدخل في ممارستها وإنما تلتزم بعدم تقييدها لتمارس كاملاً مع الالتزام بحمايتها حتى في الظروف الاستثنائية، ونجد ذات الحقوق والميزات منصوصاً عليها في المادة (21) من المعاهدة الأوربية لحماية حقوق الانسان التي أنشأت بموجبها المحكمة الأوربية لحقوق الانسان، وحذت حذوها دول أمريكا في حماية هذه الحقوق.

أما دستور السودان الانتقالي لسنة 2005 الباب الثاني (وثيقة الحقوق) فقد جاء متماشياً مع العهود والمواثيق الدولية لتأكيد حق التجمع السلمي، بالنص صراحة على هذا الحق في المادة (40) (1) منه حيث جاء فيه (يُكفل الحق في التجمع السلمي، ولكل فرد الحق في حرية التنظيم مع آخرين بما في ذلك الحق في تكوين الأحزاب السياسية والجمعيات والنقابات والاتحادات المهنية أو الانضمام اليها حماية لمصالحه). هذا ولم يُكتف بذلك ولمزيد من تأكيد الالتزام بالحقوق الواردة بالدستور نصت المادة (27) (3) على التزام الدولة بجميع الحقوق المنصوص عليها في العهود والمواثيق الدولية إذ نصت على الآتي:

(تعتبر كل الحقوق والحريات المضمنة في الاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الانسان المصادق عليها من قبل جمهورية السودان جزءاً لا يتجزأ من هذه الوثيقة) أما الفقرة (4) من المادة (27) فجاءت لتؤكد أن التشريعات تنظم الحقوق والحريات المضمنة في وثيقة الحقوق المضمنة في الدستور، ولا تصادرها أو تنتقص منها بأي حال.

يبقى أن نقرّ في نهاية الأمر بشرعية المواكب السلمية في السودان، والتزامها بمتطلبات الدستور الانتقالي لسنة 2005م، والمواثيق والعهود الدولية، في الوقت الذي سقط فيه النظام في التزاماتها تجاه مواطنيها والمجتمع الإقليمي والدولي بمصادرته الحقوق الأساسية، وفرضه الطوارئ والتعدي بموجبها على المواطنين بدرجة تشكّل مخالفات دستورية وقانونية جسيمة تضاف إلى رصيده في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية لتمثل رصيداً إضافياً من الأدلة عند مساءلته أمام محكمة الجنايات الدولية المطلوب أمامها رئيس الدولة وعدد من مساعديه.

ردان على “وجهة نظر قانونية حول سلمية الثورة وميكافيلية أعدائها”

  1. يقول د الطيب مكي:

    مرافعة ممتعة لمولانا البشرى عبد الحميد، ورد مفحم، وقد استمعت لمقطع مسجل لعله موضوع المقال، وقد حاولت بالفعل السيدة صاحبة التسجيل أن توحي بنفي أي حق للإنسان في التعبير، فضلاً عن التظاهر السلمي. ومن مفارقات ما أوردت مقارنة الحريات في امريكا بالسودان في زمن الإنقاذ، وهو قياس فاسد من حيث المبدأ والموضوع، ولا ينطبق. وفي الحقيقة، تبددت الدهشة حين لاحظت ان منسوبي النظام وبصاصبه هم من تولوا نشر التسجيل، وحسبك من دليل ومن فضح للغرض.
    اكرر الشكر للكاتب على تناوله التسجيل، ونفي موضوعيته.

  2. يقول العالم أحمد دقاش:

    التحية للاستاذ البشرى عبدالحميد المحامي في كتابته هذا المقال الضافي رداً على صاحبة التسجيل منى بدري طبيبة( القومة والانحناء لاطباء بلدي الشرفاء وموقفهم من جبروت أمن الانقاذ) فهذه الفاشلة تدعي فهمها في القانون فتدين الثوار السلميين والذين لم يستخدموا سوى حناجرهم بينما كان عليها أن تدين من يستخدم الطلق النار في قتل الثوار وتعذيبهم باستخدام الخازوق حتى الموت… الصورة واضحة لنا فهيأنها لم تعد سوى دجاجة الكترونية والثوار ليسوا بحاجة لارائها المغروضة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.