رؤى

المعضل الاقتصادي وآفاق الحل

  • 02 أكتوبر 2017
  • لا توجد تعليقات

محمد حمد مفرّح

ظل الواقع الاقتصادي السوداني يشهد، منذ حوالي ثلاثة عقود، تدهوراً مريعاً ينبىء عن كارثة اقتصادية في المستقبل المنظور، لا تخطئها عين المراقب لهذا الواقع. وقد كان من المفترض، والحال تلك، أن تقوم الدولة والقائمون على أمر الاقتصاد بالبلاد بالتعاطي مع ذلك الواقع بالقدر المطلوب من المسؤولية؛ بغية تمهيد الطريق لمحاصرة التدهور المشار إليه، ولجمه، قبل استفحاله، ثم القيام، من بعد، بالسعي الدؤوب الهادف إلى حل المعضل الاقتصادي عبر عقد “مؤتمر اقتصادي جامع” يقوم بتشريح المشكلة تشريحاً وافياً؛ بهدف استكشاف آفاق الحل الشافي لها، وتلمس السبيل المفضي لوضع حد لها.

ومن الضروري بمكان أن يُعهد أمر التنقيب عن حل لهذه المشكلة، من خلال المؤتمر المشار إليه، لذوي الاختصاص من الاقتصاديين الذين يتعين على الدولة أن تطلق يدهم، وتمنحهم كامل الحرية في قدح زناد فكرهم، ثم تأخذ بما يتوصلون إليه من نتائج وتوصيات ووصفات علاجية للعلة الاقتصادية التي طال أمدها حتى تجلت تراكماتها بصورة جعلتها تطفو على سطح الواقع الحياتي للمواطن بشكل كارثي.

غني عن القول أن التردي الذي يسم الواقع الاقتصادي لبلادنا لا يحتاج إلى شواهد، في ظل وجود المؤشرات الكثيرة الدالة على وقوع اقتصادنا في مستنقع التدهور الشامل. وليس أدل على ذلك من معدلات الفقر العالية، والحالة المعيشية الضنكة للمواطن السوداني، وتدهور سعر العملة المحلية مقابل سعر العملات الصعبة، فضلاً عن الغلاء الطاحن الذي استشرى بصورة غير مسبوقة أخذ معها المواطن يلهث وراء تأمين الحد الأدنى لضرورياته الحياتية.

و قد ألقى هذا الوضع الشائه بظلال سالبة على الحياة الاجتماعية بالسودان، منها، على سبيل المثال لا الحصر، كثرة حالات الطلاق جراء عدم قدرة رب الأسرة على الإنفاق على أسرته، وغير ذلك من الإفرازات التي ضربت القيم السودانية في مقتل.

من جهةٍ أخرى، لما لم تقم الحكومة بما يلزمها القيام به من إجراءات وحراك فاعل للحد من تفاقم الوضع الاقتصادي، حسبما تدلل على ذلك ديمومة هذا الوضع وتعقيداته، فقد أخذ الوضع يزداد سوءاً حتى بلغ التردي ذروته بعيد انفصال جنوب السودان، جراء ذهاب النسبة الكبيرة من عائدات البترول السوداني إلى دولة الجنوب الوليدة.
ولما لم تقم الحكومة، كذلك، بالترتيبات الضرورية لمقابلة الوضع الجديد الذي بدا حرجاً أكثر من أي وقتٍ مضى، لتدارك ما يمكن تداركه، فقد أصبح الواقع موسوماً بما يسمى في علم الاقتصاد بالتضخم الجامح ” Runaway Inflation”

ويؤكد واقع الحال أن الحكومة قد اعتمدت نهجاً غريباً في التعاطي مع الواقع الاقتصادي المأساوي، مؤسس على اللامبالاة وإدارة الظهر للتفاعلات الاقتصادية السالبة، غير عابئة بتداعياتها الآنية والمستقبلية، الأمر الذي فاقم الوضع أكثر فأكثر، وأدى إلى تعقيد المشكل الاقتصادي بصورة تجل عن الوصف.

وعلى أيِ فقد بدا الوضع الاقتصادي العام، في السنوات القليلة الماضية، مصطبغاً بالتدهور والفوضى الهدامة“Destructive Chaos” التي لم تستطع معها الدولة السيطرة على زمام الأمور. كما غدا النشاط الاقتصادي، تبعاً لذلك، بمنأى عن تحكم الدولة بعد أن صار نهباً لآليات السوق غير المنضبطة وفوضاه التي لا تخضع لقانون أو رقابة.
وفي تقديري، فإن المسؤولية الأخلاقية توجب تعامل الدولة، منذ بروز الأزمة الاقتصادية أول مرة، بالجدية اللازمة الهادفة للحيلولة دون التداعيات المتوقعة لهذه الأزمة كي تعمل، على أقل تقدير، على تخفيف وطأتها على المواطن؛ لذا كان على الدولة أن تتبنى إقامة مشروعات اقتصادية اسعافية تستهدف الإنتاج، لا سيما الإنتاج الزراعي الذي تتوافر مقوماته بالسودان، بحسبان أن الإنتاج هو عماد الاقتصاد الراسخ والقوي.
ويتعين عليها، كذلك، تخصيص ميزانية مقدرة للإنتاج الزراعي Agricultural Production. غير أن هذا الأمر لا يتأتى إلا إذا توافرت الإرادة الحقة للدولة للنهوض بالاقتصاد عبر الإصلاح الاقتصادي الشامل، ثم قامت بخفض كثير من بنود الصرف الحكومي التي يندرج بعضها في خانة إهدار المال العام فيما لا طائل من ورائه.
ومن عجبٍ أن تتحدث الحكومة عن النمو الاقتصادي وتعتمد، في ذات الوقت، في اقتصادها على الضرائب والجبايات المختلفة، ضاربةً بالإنتاج، والتنمية الزراعية، وكذا التنمية الصناعية عرض الحائط، في حين أنها تمثل أس الاقتصاد الراكز.
إن مما يؤسى له، حقاً، هو أن تزخر بلادنا بموارد عديدة ومتنوعة تفتقر إليها بلدان عدة، في حين يظل اقتصادنا موسوماً بالعجز والشلل التامين جراء سوء إدارة هذه الموارد.
يقول عالم الاقتصاد محبوب الحق إنه لا يؤمن بشيء اسمه أرض جدباء، غير منتجة، بل يؤمن بإنسان تتوافر له الإرادة الخلاقة المسنودة بالقدرة على التخطيط الواعي والمبدع، فيقوم بترجمة ذلك إلى فعل ملموس تتحول معه الصحراء إلى أرض منتجة.
فإذا كان هذا هو حال الأرض الجرداء، وفقاً لرؤية هذا العالم، ماذا سيكون عليه حال أرض كأرض السودان الغنية بالموارد على سطحها وباطنها إذا أُديرت مواردها على نحوٍ إيجابي.
دار نقاش بين عالم اقتصادي أمريكي وخبير في علم الإدارة حول ما إذا كان “الاقتصاد” أو “الإدارة” هو العامل الحاسم Crucial Factor في تطور الشعوب، فتوصلا إلى حقيقة أن الإدارة وليس الاقتصاد هي ذلك العامل الحاسم، بوصف أن الإدارة تعمل على تنمية الموارد، ومن ثم النهوض بالاقتصاد أو العكس، وذلك وفقاً لما إذا كانت هذه “الإدارة” بناءة أو هدامة. وتبعاً لذلك فإن إدارة الموارد الشحيحة بصورة عبقرية ستعمل على تنميتها، كما أن الإدارة السيئة للموارد الوفيرة ستقضي عليها وتقود إلى اقتصاد كسيح.

إن اقتصادنا يحتاج، اليوم قبل الغد، إلى “مشروع مارشال”، إذا صح التعبير، حتى يجري تأهيله والنهوض به، و كل ما هو مطلوب، في هذا الصدد، هو قيام الحكومة بمبادرة لعقد المؤتمر الاقتصادي المشار إليه في صدر هذا المقال، إذا كانت تنتوي فعلاً انتشال الاقتصاد من واقعه الحالي.

وبجانب عقد المؤتمر آنف الذكر فإن ثمة ضرورة لقيام الحكومة بالخطوات الآتية التي تعد داعمة للاقتصاد:
– خلق بيئة إستثمارية جاذبة فضلاً عن سن قوانين وإجراءات تحفز المستثمر، وتمهد له السبيل للإقدام على الاستثمار بكل ثقة.
– ترجمة توجه الدولة لمحاربة الفساد، إذا كانت فعلا تنتوي محاربته، إلى فعل حقيقي تكون محصلته القضاء على الفساد، ومن ثم حماية المال العام من التعديات.
– القضاء على الترهل الحكومي عبر “ترشيق” الوزارات الاتحادية والولائية مع خفض الأعداد الهائلة من الدستوريين وغيرهم، وكذا إلغاء بنود الصرف غير المرشد مع وضع حد لإهدار المال العام.
– القيام بحراك جاد وفاعل ومخلص لوضع حدٍ للحروب الدائرة بمناطق مختلفة من القطر، بوصفها تمثل أكبر مهدد للاقتصاد، وذلك لإفساح المجال لتحقيق السلام والاستقرار السياسي اللذين من شأنهما تعبيد الطريق للإصلاح الاقتصادي الشامل.
– تنمية الصادرات السودانية بالقدر الذي يمكّنها من الإسهام الفاعل في الدخل القومي.

ولكي تؤسس الدولة بنية تحتية تهدف لخلق اقتصاد راسخ يتعين عليها، في الوقت الحاضر، إقامة مشروعات إسعافية تستهدف الشرائح الفقيرة فضلاً عن استهدافها تأهيل البنية الاقتصادية عبر تنمية تنتظم كل أرجاء البلاد، مع إعطاء أولوية للتنمية الريفية Rural Development ذات المردود الإيجابي الملموس، في إطار النهوض بالريف، حتى يكون داعماً حقيقياً للاقتصاد القومي.

غير أن مما يجدر تأكيده أن كل هذه المطلوبات سوف لن يعول عليها في إصلاح الاقتصاد بالقدر الذي يقيل عثرته، ويعمل على تأسيس انطلاقته الواعدة ما لم تقم الحكومة بكبح جماح “السياسة”، و”عقلنتها” مغلبةَ مصلحة الوطن العليا على ما عداها.

أضف تعليقاً