السودان بحكومة كفاءات وقيادة جاهل.. أفلا تعقلون؟

  • 05 مايو 2019
  • لا توجد تعليقات

ياسين حسن ياسين

إذا لم يتلكأ المجلس العسكري الانتقالي في الرد على مطالب الشعب الثائر، فمن المرجح أن يعترض على بعض المقترحات التي تضمنتها وثيقة «مقترح هياكل الحكم وصناعة الدستور»، لا سيما تلك التي تحد من سيطرته على معالم الفترة الانتقالية، من جهة، وعلى قدرته على حماية رموز النظام البائد ممن قد تؤدي محاكمتهم إلى جرجرة بعض العسكريين الحاليين سواء في المجلس العسكري أو خارجه، من جهة أخرى.

من المتوقع أن يبدي المجلس العسكري شكاسة في الاستجابة للجماهير المحتشدة في الميادين قرابة الشهر في جو شديد الحرارة وظروف صعبة للغاية من جهة ارتفاع أجور المواصلات خاصة من الأحياء القصية، ناهيك بمن يقدم من الأقاليم.

يأتي ذلك على الرغم من أن وثيقة «مقترح هياكل الحكم وصناعة الدستور» جاءت مستوفية للشروط الرئيسة المفضية إلى تصفية نظام الإنقاذ من خلال عدة تدابير. لعل من أبرزها: مراجعة القوانين القمعية من خلال مفوضية قومية للإصلاح القانوني؛ محاكمة المفسدين واسترداد كافة الأموال والأصول المنهوبة؛ إعادة هيكلة الخدمتين المدنية والعسكرية، وكانت الإنقاذ قد فعل فيهما الأفاعيل مما لا يخفي على حصيف؛ تعزيز أوضاع المرأة السودانية التي طالها الكثير من الذل والهوان في عهد الإنقاذ؛ تطبيق الاتفاقات الدولية لحقوق الإنسان؛ ثم تبني سياسة خارجية قوامها المصالح المشتركة وحسن الجوار.

بيد أن الوثيقة المشار إليها تفتقر إلى الإطار المفاهيمي conceptual framework الذي ارتكزت عليه الثورة. يتمثل هذا الإطار النظري في أن الثلاثين سنة المنصرمة، وما تمخض عنها من حروب عبثية وانفصال مدوي لجنوب السودان، وما لحق بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وكافة ضروب الحياة من تدهور واضح، كل أولئك قد أدى إلى خروج الشعب إلى الشارع مقدماً أغلى التضحيات وضارباً للعالم قاطبة أروع نماذج النضال والتضامن والمؤازرة. لكل ذلك فإن الشعب السوداني، وفي طليعته تجمع المهنيين السودانيين، يعتزم الوصول بالثورة إلى غايتها: وهي إجراء مراجعة جذرية لنظام الحكم في السودان، وهي مراجعة تقتضيها الضرورة الفكرية والسياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية.

لن يستطيع المجلس العسكري، بكل تأكيد، أن يعترض على هذا التأسيس النظري. ويعتبر ذلك، في حد ذاته، مكسباً مهماً جداً للثورة. وهو مكسب يماثل ما جرى في جنوب أفريقيا إبّان المفاوضات الطويلة بين نيلسون ماندلا وزعيم البيض فريدريك دي كليرك، قبل الدخول في ترتيبات الفترة الانتقالية.

من جهة أخرى، فإن أول توقع هو أن يرفض المجلس العسكري هي هيمنة المدنيين على المجلس الانتقالي، على الرغم من أن ذلك يمثل المخرج الوحيد للسودان من وطأة المقاطعات من هنا وهناك. أشد هذه العقوبات عبئاً على الاقتصاد السوداني، كما خبرنا ذلك في غضون السنوات الأخيرة للإنقاذ، هي العقوبات الأمريكية وما يستتبعها من حظر مصرفي عالمي واسع وكذلك صعوبة الحصول على قروض من المؤسسات الدولية المانحة وصعوبة الحصول على قطع الغيار اللازمة لإعادة إحياء مشروع الجزيرة والسكك الحديدية والنقلين البحري والنهري، وما إلى ذلك. وينضاف إلى الولايات المتحدة كل من الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، ويهدد كلاهما بفرض عقوبات إذا لم يسلم الحكم للمدنيين.

في خطوة استباقية لهذا الرفض من المجلس العسكري، فإن لجنة الوساطة بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير كانت قد اقترحت تشكيل مجلس ثالث يناط به مهام الأمن والدفاع. وقد يحظى هذا المقترح بقبول المجلس العسكري إذ سيكفل له استمرار مشاركة السودان في اتجاهين: حرب اليمن ومكافحة الهجرة غير المشروعة إلى أوروبا. وهذا هو مربط الفرس! فالمجلس العسكري يستغل هذين الكرتين ويعتبرهما مصدرين رئيسين لخزانته وتسليحه وصيرورة تحالفاته الإقليمية وتثبيت أقدامه كحاكم للبلاد من بعد رئيسها المخلوع.

ومن المتوقع أيضاً أن يرفض المجلس العسكري مباديء الحكم الانتقالي التي اقترحها تجمع المهنيين السودانيين. وسوف ينصب رفضه على كون الشعب مصدراً للسلطات ومرجعاً لشرعيتها. وإذا صدق هذا التوقع، فإن المجلس العسكري يكون قد برهن على تبعيته الصريحة لنظام الإنقاذ المباد، فضلاً عن مغازلته لمجموعة عبد الحي يوسف ومن لف لفها.

خطورة هذا الرفض أنه ينطوي على زعم استبطنته جماعة الإسلام السياسي فحواه أن: «البلد وقعت ليهم في كرتلة!» منذ استيلائهم على السلطة في 1989م. لقد طالما جربنا تسييس الدين وتدجيل السياسة طوال عهد الرئيس المخلوع، إذ ملئت حياتنا بالشعارات الزائفة، وبالتهليل والتكبير والحوقلة في مناسبة وفي غير مناسبة. بهذه الشعارات الرعناء ارتكبوا أكبر المجازر في حق أهلنا الطيبين في دارفور، وفصلوا جنوبنا الحبيب، وأفسدوا في الأرض فساداً وضع السودان في أسفل قائمة دول العالم. فبحسب تقرير الشفافية الدولية لسنة 2018م، كان السودان في المرتبة 172 من 180 دولة، وليس بعده في الترتيب من الدول الأفريقية سوى جنوب السودان والصومال. ذلك هو حصاد المشروع الحضاري الذي صدّعوا به رؤوسنا طوال التسعينات من القرن المنصرم.

وعقب كل هذه الأباطيل التي نسجوها عن تطبيقهم للشريعة الإسلامية، جاءنا رئيسهم في 2011م بعد انفصال الجنوب ليقول إن ما طبقوه على امتداد 22 سنة لم يكن إلاّ شريعة مدغمسة!

أمام كل هذه الهواجس، يظل التفاؤل باقياً وقوياً بأن ينزل المجلس العسكري عند رغبة الشعب وإجماعه منقطع النظير . ذلك أن هذا الشعب قد وصل حداً لا تراجع منه في بغضه للحكم المستبد سواء التحف برداء الدين أم استند على القبلية والجهوية وواصل سياسة المحاور الإقليمية التي أوردتنا موارد الهلاك طوال فترة الإنقاذ البائد.

النقطة الأخيرة ولا تقل أهمية عن سابقاتها فهي أن الإجماع منعقد على تشكيل مجلس وزارء من الكفاءات المتخصصة التي يزخر بها السودان وتشهد بجدارتها دول الغرب المتقدمة والمحافل الدولية العديدة. إن من شأن هذه الوزارة أن تعكف على صياغة برنامج إسعافي وتستنفر له الموارد وتعمل على تنفيذه خلال أربع سنوات هي الفترة الانتقالية. وسيؤدي هذا البرنامج، إذا ما نفذ بصدق وإخلاص، إلى إخراج البلد من أزمات تتخطفه من كل حدب وصوب.

ولكي ينجح الوزارء الأكفاء، رفيعو التحصيل العلمي بطبيعة الحال، من أداء مهامهم على أكمل وجه، ليس معقولاً أن يتولى قيادتهم شخص مثل حميدتي الذي يتواضع تحصيله العلمي تواضعاً مذهلاً!

yassin@consultant.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*