الوطن والمهجر: تفكيك أذرع الدولة الخفية الممتدة لخارج الوطن

  • 06 أكتوبر 2019
  • تعليق واحد

المستشار البشرى عبد الحميد

تنامت نسبة المهاجرين إلى خارج البلاد خلال الثلاثين عاماً الماضية؛ نتيجة للظروف الطاردة التي فرضتها حكومة الإنقاذ البائدة حتى بلغت نسبة المهاجرين ما يقارب ثلث سكان البلاد، وفق إحصائيات الأمم المتحدة، وأصبح هذا الوجود الخارجي يشكل “سوداناً بلا حدود”.

تحمل هذا الوجود السوداني الخارجي جزءاً كبيراً من أوزار الحكومة البائدة في الصرف على الأسر الممتدة؛ نتيجة رفع الحكومة يدها عن معاش الناس بتحويل الدولة من دولة رعاية الي دولة جباية.

 شكّل المهجّريون معارضة إيجابية مدنية فاعلة في الدول المضيفة ضد الحكومة، وكانوا بذلك محوراً أساسياً في كشف عورات النظام وجرائمه التي ظل يرتكبها من تعدٍ على حقوق مواطنيه، ومن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

 توّج المهجّريون دورهم بمساهمتهم المقدرة في الثورة من خلال الدعم الفكري والتنظيمي والإعلامي والمادي والتعبئة السياسية، إذ انتظمت الوقفات الاحتجاجية والتظاهرات في عدد من مقدر من دول حول العالم امتدت من ألاسكا إلى اليابان.

 لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل سارع المهجّريون فرادى وجماعات مشاركين في التظاهرات والاعتصامات والوقفات الاحتجاجية داخل السودان، ونصبوا خيامهم في ميدان الاعتصام أمام القيادة العامة.

إن الدور الذي أداه المقيمون خارج الوطن وما ظلوا يعانونه خلال الثلاثين عاماً الماضية أمر يجب على الحكومة تقديره بمخاطبة قضاياهم بشكل عاجل، والمدخل الأساسي لذلك هو إعطاء الأولوية لتفكيك أجهزة الدولة الخفية في الخارج ممثلة في السفارات التي حشد لها النظام كوادرها الأمنية بدءاً من السفراء، وانتهاءً بالعمالة العادية، ففي الوقت الذي فصلت فيه حكومة الانقاذ في العام 1989م اثنين وأربعين سفيراً وثلاثة وخمسين دبلوماسياً قامت من بداية وصولها للحكم حتى العام 2013م بتعيين مائة وأثنتي عشرة  سفيراً، هم سفراء الإنقاذ الرساليين الذين تم توزيعهم على البعثات الدبلوماسية في الخارج، وتسليمهم الإدارات المفصلية بالوزارة .

لقد انعكس هذا الوضع غير المهني على أداء الخارجية والبعثات الدبلوماسية، وشكّلت مخاطر أمنية ضد الدولة في الخارج أدخلتها في دائرة الدول الراعية للإرهاب، وأساءت للعلاقات الدبلوماسية مع كثير من الدول، إضافة إلى ما ظلت تشكله من مضايقات على المواطنين الشرفاء، وتسخير أموال الدولة من العملات الصعبة لمصلحة النظام.

الأمر الآخر والعاجل هو ضرورة حلّ ما يسمي بالمجلس الأعلى للجاليات وفروعه التي قامت باختطاف لجان الجاليات، وشكّلت بالتضامن مع أعضاء جهاز الامن والمخابرات ولجان المؤتمر الوطني العاملين تحت مظلات السفارات الذين مثّلوا أكبر مهدد أمني، وظلوا من خلال الترهيب والترغيب يمارسون كل انواع الخداع والخذلان لتعطيل مسيرة الثورة، وإجهاضها من خلال التواصل والتعاون مع أجهزة الأمن والاستخبارات في بعض البلدان المضيفة، تم بموجبها إبعاد عدد من المعارضين الوطنيين من تلك البلدان.

ومن المعلوم أن ممارسات القمع من خلال السفارات لم تنقطع متابعة وملاحقة للمعارضين ومصادرة جوازاتهم، مع ممارسة كل أنواع التخريب والفساد، من بينها العمل على تقسيم وتشظي الروابط الإقليمية ومؤسسات المجتمع المدني، وفرض الجبايات والإتاوات، واستنزاف موارد المهجرين، والتصرف فيها في إطار الفساد المالي المستشري في أجهزة الدولة؛ لذا يصبح من الأهمية بمكان إصدار قرار عاجل بحلّ المجلس العام للجاليات لفتح الطريق أمام تكوين لجان قومية غير مسيسة للجاليات.  

إن الحاضن الأساسي للفساد وما يواجه السودانيون في الخارج من معاناة هو جهاز السودانيين العاملين بالخارج، وهذا يتطلب اتخاذ قرارات عاجلة بشأن إبعاد التمكينيين من إدارة الجهاز، مع مراجعة ادائه خلال الأعوام الماضية لكشف ما صاحب ذلك من فساد ومحاكمة المفسدين.

كما يتطلب الوضع إعادة هيكلة وتنظيم الجهاز بإنشاء المفوضية القومية للهجرة لتقوم بالدور الريادي المطلوب والمساهمة في بناء الوطن. ومن الضرورة أن تشمل المراجعة تشكيل وأداء المؤسسات والشركات التابعة لجهاز السودانيين العاملين بالخارج وكشف المستور عن أوضاعها المالية ومحاسبة المفسدين والعمل على اصلاحها بما يدعم الاقتصاد الوطني.

إن هجرة الكفاءات والخبرات من الجنسين، رغم ما اتسمت بها من مرارات أكسبتهم خبرات واسعة في مجالاتهم المهنية ليشكّلوا بذلك جزءاً أساسياً في رصيد رأس المال البشري الوطني المطلوب لبناء وإعمار الوطن؛ لذا يصبح من الأهمية بمكان معرفة رؤيتهم حول القضايا الوطنية، ومخاطبة قضاياهم وتطلعاتهم للقيام بدورهم الطليعي في الاستجابة لنداء بناء الوطن.

إن أفضل الطرق لتحقيق كل ذلك بشكل علمي وعملي هو عقد مؤتمر عام للخبرات والكفاءات المهنية في الخارج تحت رعاية رئاسة مجلس الوزراء، وبمشاركة كل من وزارة المالية والتخطيط ووزارة الخارجية وأي وزارات ذات صلة للخروج برؤية واضحة للإصلاح ولمشاركة الفاعلة للمهجريين في البناء والتنمية والله المستعان


5 أكتوبر 2019م

رد واحد على “الوطن والمهجر: تفكيك أذرع الدولة الخفية الممتدة لخارج الوطن”

  1. يقول نصر الدين وقيع الله:

    مقال شامل وكامل لكل ما نواجه في الخارج من قبل ممثلي التمكين في الخارج

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*