إقصاء الإسلاميين والديمقراطية

  • 13 أكتوبر 2019
  • لا توجد تعليقات

عثمان ميرغني

في ضوء ما حدث في السودان خلال ثلاثين عاماً من حكم عمر البشير والإسلامويين الاستبدادي، وما شهدته تلك الفترة من فشل ذريع، ودمار مريع للبلد ومقدراته، ونهب وتبديد لثرواته، كان من الطبيعي أن ترتفع بعد الثورة أصوات مطالبة بإقصاء الإسلامويين من المشهد السياسي، تتصدى لها أصوات أخرى محذرة من الوقوع في مطب الاستبدال بذلك النظام نظاما يسير أيضا في طريق الإقصاء ويفتح الباب أمام عمليات التطهير والعزل من الوظائف بناء على التوجهات الفكرية. واستغل بعض الإسلامويين هذا الجدل ليقدموا أنفسهم ضحايا ولكي يحاولوا إيهام الناس بأن هذه المطالبة موجهة ضد الدين وأنها تستهدف كل ما هو إسلامي، بل وهوية الدولة أيضا.

الإسلامويون يحاولون في الواقع التستر بالدين واستخدامه لحرف النقاش عن مساره، وحماية أنفسهم من تبعات انقلابهم عام 1989 على الديمقراطية، وفشلهم المريع في الحكم وما صاحبه من ممارسات وانحرافات وفساد على أوسع نطاق. فالمطالبة بالإقصاء كانت ستحدث بحق أي حزب بغض النظر عن هويته أو توجهاته لو كان مسؤولا عن ذلك الانقلاب وحصاد الثلاثين عاما من الفشل المدمر. في تونس مثلا تم حل حزب التجمع الدستوري الديمقراطي، حزب الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي، بعد الثورة في 2011. كما أن الحكومة الانتقالية التي قادها راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة تبنت بعد الثورة مباشرة مصادرة «الممتلكات المنقولة وغير المنقولة» لحزب التجمع. واليوم أيضا يقف الإسلامويون هناك وراء تعديلات في قانون الانتخابات تهدف لإقصاء «التجمعيين» والمحسوبين على النظام السابق.

المقصود هنا أن الإقصاء يحدث بغض النظر عما إذا كان النظام المخلوع إسلامويا أو اشتراكيا أو ليبراليا، وهو يتم في إطار المحاسبة على الانتهاكات والممارسات التي حدثت في ظل أنظمة استبدادية. كما أن الإسلامويين ليسوا مبرئين من الإقصاء، بل يمارسونه بتطرف ولغايات سياسية تستهدف خصومهم ومنافسيهم. وفي السودان مارسوه على أوسع نطاق في إطار سياسات التمكين لعناصرهم ونظامهم، وعزلوا مئات الآلاف من الموظفين تحت لافتة «الصالح العام».

هذا لا يعني – ولا يمكن أن يتخذ ذريعة اليوم – ممارسة إقصاء «انتقامي» يستهدف كل من انتمى إلى هذا التيار ولم يرتكب جرما، أو يربط كل ما هو إسلامي بالممارسات المنحرفة لجماعة النظام الساقط.

المقصود بالإقصاء ليس الحجر على حرية العقيدة والتفكير، بل حماية الثورة والديمقراطية. وفي الحالة السودانية فإن الإقصاء لأسباب تتعلق بالتورط في انقلابات أو جرائم جنائية أو قضايا فساد، أمر لا بد منه لمحاسبة المتورطين وردع آخرين مستقبلا، كما أنه ضروري لتنظيم العمل السياسي وتنقيته من الشوائب. فإذا لم نحاسب بالإقصاء الذين تورطوا في جريمة الانقلاب على الديمقراطية، فإننا نعطي الضوء الأخضر لآخرين لكي يفكروا في تغيير النظام بالانقلاب، بدلا من صناديق الاقتراع إذا خذلتهم.

انطلاقاً من هذا، فإن كل من شارك في تخطيط وتنفيذ انقلاب الجبهة الإسلاموية في عام 1989، وفي التمكين له بعد ذلك، يستحق أن يقصى من الحياة السياسية جزاء له على وأد الديمقراطية التي كان الإسلامويون جزءا منها بل كانوا يشكلون ثالث أكبر كتلة برلمانية. هناك من سيجادل باستثناء بعض الحركات الإسلاموية التي انشقت عن نظام البشير لاحقاً وانخرطت في معارضته، وبذلك أعلنت «توبتها». الرد على ذلك أن قادة هذه الحركات المنسلخة عن النظام كانوا طرفا أساسيا في انقلاب 1989 وفي التمكين له، إذ شغلوا مناصب مهمة فيه واستفادوا منه، وبالتالي لا يمكن إعطاؤهم صك براءة من المحاسبة على الانقلاب على الديمقراطية.

الأمر الآخر أن هذه الانشقاقات، أو فلنقل بعضها، كانت مناورات من الإسلامويين لكي تكون لهم قدم في الحكم وأخرى في المعارضة، حتى يحموا حركتهم من تبعات ما ارتكبته، على غرار ما حدث في الانقلاب العسكري عام 1989؛ عندما ذهب الترابي إلى السجن حبيساً وذهب البشير إلى القصر رئيساً، وكانت تلك الخطة التي دبروها لخداع الناس وإخفاء هوية الانقلاب ولحماية الجبهة الإسلاموية من التبعات في حال فشله.

محاسبة وردع كل من شارك في ذلك الانقلاب أمر ضروري لحماية الديمقراطية مستقبلا، ولإنهاء متتالية الديمقراطيات قصيرة العمر، والأنظمة العسكرية طويلة الآجال. فمنذ استقلال السودان عام 1956 كان نصيب الديمقراطيات 11 سنة متقطعة، والأنظمة العسكرية 52 سنة، منها 30 سنة لحكم البشير والإسلامويين. إلى جانب مخططي ومنفذي الانقلاب، هناك أيضا من شاركوا في عمليات الفساد ونهب وتدمير موارد الدولة، أو تورطوا في القمع والتعذيب والقتل، وهؤلاء لا بد من محاسبتهم على جرمهم وإقصائهم من المشاركة في الحياة السياسية والأنشطة الاقتصادية.

فيما عدا ذلك فإن الإسلامويين الذين لم يتورطوا في النظام الساقط وفساده، لا يمكن شملهم بالإقصاء لمجرد اعتناقهم فكرا معينا. لكن عودتهم أيضا لا يمكن أن تتم من خلال استغلال شعار الإسلام لافتة لهم، فهذا الباب لا بد أن يوصد بأن يضمن قانون الأحزاب المتوقع لاحقاً نصوصاً تمنع قيام الأحزاب على أساس ديني أو جهوي أو عنصري أو إذا كانت ترتبط مالياً بحركات خارجية أو أنظمة، وأن يمنع قانون الانتخابات ترشح من لا يحترم الدستور ويعمل على تقويض النظام الديمقراطي، أو من يدعو إلى العنف والكراهية والإرهاب. الدين لا ينبغي توظيفه في معارك السياسة وأوحالها، وإسلاميو السودان لو كانوا صادقين مع أنفسهم فسيعترفون بالضرر الذي سببته تجربتهم الفظة، والتشويه الذي ألحقته ممارساتهم بصورة الدين في بلد عرف شعبه بالتدين والتسامح.

ويمكن لإسلاميي السودان التفكر في خطوة إخوانهم في حركة النهضة التونسية التي قررت الفصل بين العمل الدعوي والسياسي، أو تجربة حزب العدالة والتنمية في المغرب. الابتعاد عن استغلال الدين في السياسة يعني أن تتجه الأحزاب للتنافس الانتخابي على أساس البرامج الاقتصادية، والخطط الاستراتيجية، ومشاريع التنمية والنهوض بالتعليم والصحة وكل ما يهم المواطن ويتعلق بمشاغل الحكومات.

السودان لن يسمح بتكرار تجربة الثلاثين عاما الماضية بعد أن ذاق ويلاتها ودفع ثمنها غاليا. لذلك فإن الإقصاء سيكون فيه فائدة للديمقراطية المنتظرة بعد الفترة الانتقالية، بل وأزعم أن فيه فائدة للإسلامويين أنفسهم، لأنه سيبعد من صفوفهم كل من تلوثوا بالنظام الساقط وشاركوا في جريمة الانقلاب، وفي الفساد، والتعذيب والقتل والنهب. فالإقصاء هنا لا يعني التأسيس لديكتاتورية تشبه النظام الذي ثار الناس ضده، ولا السير في طريق التمكين الذي اختطه، بل سيكون الهدف حماية الثورة وحكومتها، وردع من يفكر مستقبلا في التآمر ومحاولة وأد الديمقراطية.

مساعد رئيس تحرير “الشرق الأوسط”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*