محمد شريف علي: فارس ومسرح

  • 04 نوفمبر 2019
  • لا توجد تعليقات

الطيب الكامل قنات

إنجاز جديد للدراما السودانية والحركة الفنية والثقافية بصدور الكتاب التوثيقي:(مسرح للوطن) لمؤلفه الفنان والدرامي القدير محمد شريف علي.


محمد شريف نجم درامي مخضرم جمع بين التأليف والإخراج والتمثيل بموهبة متفردة تفتقت منذ الصبا الباكر وتشكلت بمدرسة وادي سيدنا الثانوية وصقلتها الدراسة الأكاديمية بكلية الدراما والمسرح، وتوجت بمسيرة حافلة بالأعمال الناجحة والمتميزة داخل مملكة الحيشان الثلاثة (الاذاعة-التلفزيون-المسرح)،ومن ثم محاضراً للموسيقي والدراما بجامعة الأحفاد.


محمد شريف الإنسان هو مزيج أعراق كما مقرن النيلين تلاقحت في جيناته بسالة البني عامر شرقا بحكمة أهل لبب شمالا ممتطية صهوات جياد عز الغرب بإباء وشمم السيدة مقبولة بت السلطان.


لذلك خرج للوجود بشرا سويا قوميا متحررا من العصبيات ومنحازا فقط لقبيلة “كونوا سودانيين”؛ فالإبداع لا ينمو في ذهن تنمطه النعرات.


أما محمد شريف الفنان فقد قامت ملكاته الإبداعية علي صدق تعبير وجرأة طرح نشأ عليهما في بيئته الأنصارية بودنوباوي كثفتهما حياة سردية لوقائع أقرب للأساطير عن أمجاد المهدية التي لاتضاهي، مشحونة بكبرياء الجرح المخبوء منذ بسالة كرري.

لم يكن أمام محمد شريف وجيله من سبيل للثار، فالعدو ولي إلي غير رجعة؛ لذلك حولوا المعركة إلي تحدٍ مع الذات بمثل همة الأجداد.

لقد أضاف محمد شريف لكل ذلك المحمول التاريخي والوجداني العظيم منظاراً نقدياً يتفحص ما وراء الكلمات والمشاهد بعقل لا تلجمه المسلمات.

وهو رغم خياله الخصب منذ الصبا إلا أنه شديد الارتباط بالمدرسة الواقعية غير ميال للفانتازيا وتهويماتها.انظر-مثلا-لإنتاجه المتفرد،الدراما الإذاعية :(يوميات سائق تاكسي) انها مدرسة شفهية متعمقة في التحليل النفسي لظواهر مجتمعية مثل: التداعي الحر (الفضفضة) بحضرة الغرباء، وحاتمية السودانيين في بث المعلومات والأسرار داخل التكاسي والمركبات العامة، وفيها تنبيه لطيف لمراعاة حقوق(البتاعين)؛ بتاع التاكسي، بتاع اللبن…الخ.

أما التاكسي فقد كان حقيقياً، وهو مصدر دخله الأساسي، وهو شاهد آخر علي عصاميته وعفته، وعدم ركونه فقط للعدادات.

محمد شريف وبتقمصه للنص واحترافيته ورؤيته الإخراجية ظل يمكن المستمع من متعة المشاهدة عبر الاذن..!

محمد شريف فنان واسع الثقافة فطن، ألمح في أحد لقاءاته إلي أن المسرح السياسي في العهود الديكتاتورية رغم دوره في بث الوعي الثوري إلا أنه غالبا ما يتحول إلي أداة تنفيسية يوظفها خدام الديكتاتور لتفريغ شحنات الغضب الشعبي.

وهو وبحسه الوطني وتربيته القومية انتقد بشدة النكات العنصرية، وقال إنها أبكت السودانيين يوم انفصال الجنوب، محذراً من دورها مع عوامل أخري في إثارة الغبن، وبالتالي تمزيق النسيج الاجتماعي، فأسمي غايات الفن توحيد الوجدان الشعبي والإنساني لا تمزيقه.

وهو فنان ملتزم تجاه دينه ومجتمعه ووطنه وهو مرافعة تسعي بقدمين برهانا علي أن الفن رسالة حياة وليس ملهاة كما يشيع أهل الإنكفاء.

أخيراً نأمل أن يبادر صالون الإبداع وغيره من المؤسسات ذات الصلة بعمل تدشين لكتاب(مسرح للوطن) يليق بأستاذ الأجيال والذي ألف سفره التوثيقي، وهو يعاني من مرض الفشل الكلوي، وتلك قصة بسالة استلهمها من إرث الأجداد الخالد: المزايا في طي البلايا، والمنن في طي المحن.


نوفمبر 2019م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*