خطر الاحزاب السياسية الممتدة خارج الحدود

  • 04 يونيو 2020
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

يتعرض رئيس البرلمان التونسي راشد الغنوشي لحملة عنيفة من نواب تونسيين يتهمونه بالعمالة لتركيا وقطر ، وهي تهمة مصدرها العلاقة التاريخية التي لا تخفى على احد بين مكونات التنظيم العالمي للحركات الإسلامية المنتشر كالسرطان في جسد الأمة المسلمة ، وبلادنا لم تسلم من هذا الداء ، فيها أكثر من حركة إسلامية ، كلفنا وجودها ٣٠ سنة غالية من عمر الوطن ، أضاعت على بلادنا آلاف الفرص الحقيقية للتنمية والديمقراطية .

ما يميز الاحزاب السياسية التابعة للتنظيم العالمي للإسلاميين انها احزاب ممتدة لا تعترف بحدود الدول ، هذا الامتداد يجبرها في كثير من الأحيان على اتخاذ اسلوب السرية لتفادي اتهامات العمالة وعدم الوطنية ، وهو ما يجعل افعالها في السر اخطر وأكبر مما تفعله في الجهر . التسجيلات التي بثتها قناة العربية عن لقاءات سرية بين قيادات جماعات التنظيم العالمي للحركات الاسلامية في قلب الخرطوم ، مع الحزب الحاكم ومع قيادات الإنقاذ ، تؤكد هذا ، وتدعم اتهامات النواب التونسيين للغنوشي .

اتهام الغنوشي لا يفتح فقط ملف احزاب الحركة الإسلامية ، وإنما يفتح الباب ايضا لأسئلة وطنية حول جميع الأحزاب السياسية الممتدة خارج الدول ، الاحزاب التي تشترك مع أحزاب سياسية اخرى حول العالم في فكرة واحدة ، فوحدة الأيديولوجيا سواء كانت دينية أو فكرية هي الحبل الذي يشدها لبعضها البعض ، هي المصدر الذي يجعل علاقاتها المتداخلة عابرة للحدود ، ويجعل العدو لديها واحد في اي مكان كانت ، وهذه هي النقطة التي تتضاءل عندها الثوابت الوطنية ، يتناقص فيها الشعور بالانتماء القطري ، يستهان عندها بالرابطة الجامعة للامة القطرية ، مما يجعل الفكرة العالمية اهم من فكرة الوطن ، وهذا ما يقود بسهولة إلى مشاركة ادق أسرار الوطن مع التنظيمات الدولية الشبيهة.

اتهام الغنوشي يفتح الباب للتساؤل في بلادنا عن الاثار الوطنية التي تترتب عليها العلاقات الممتدة عبر الحدود بين أحزاب سياسية مشتركة في الايدولوجيا ، وفي هذا لن تكون الحركة الاسلامية هي المتهمة لوحدها ، بل ستكون معها الأحزاب القومية والاحزاب الشيوعية . أحزاب البعث العربي ممتدة في المنطقة العربية ، تؤمن بمباديء مشتركة ، كذلك الأحزاب الشيوعية على مستوى العالم تؤمن بالايدولوجيا ذاتها وتتشابه مواقفها من القضايا العالمية ، فهل تشكل هذه العلاقات الممتدة بين هذه الأحزاب ورصفائها في الخارج خطرا على الاسرار الوطنية ؟؟

على الصفحة الرسمية للحزب الشيوعي السوداني بالفيس بوك يعرض الحزب ، بكل فخر كما يبدو ، بيانا مشتركا لأحزاب المبادرة المشتركة الشيوعية الأوربية، كما يعرض بيانا للحزب الشيوعي الأمريكي حول مقتل جورج فلويد – مع إيماننا بالأفكار وعالميتها – ولكن هذا الأمر حساس للغاية حين يتداخل مع الأمن القومي ، في وجود عالم المبني على القطرية ، لا يمكن النظر إلى نشاط كهذا باعتباره دعم لرصيد العمل الوطني بل خصما عليه ، وهذا ما يفتح الباب للتساؤل عن ماهو الحزب الوطني ؟! وهل الأحزاب الممتدة أحزاب وطنية ؟

اذا كان التقييد مفروضا على إنشاء أحزاب ذات صبغة دينية، فالمطلوب ان يمدد هذا التقييد ليشمل جميع الأحزاب ذات الفكرة العالمية والاقليمية المشتركة ، فالخوف من الصبغة الدينية لا ينشأ من كون الدين في حد ذاته عامل تفرقة ، وإنما من كون الأحزاب الدينية ذات توجه أحادي جامد غير متحرك ، يتقاطع داخليا وعالميا مع أفكار وأحزاب وتنظيمات مشابهة خارج الحدود ، وهو ما يعرض الوحدة الوطنية والروح القطرية للتفكك والانهيار ، وهو نفسه ما ينطبق على الأحزاب ذات الايدولوجيا الممتدة ، التي تتشارك مع أحزاب شبيهة لها مباديء وأفكار ممتدة وعابرة للحدود ، مما يجعلها مصدرا للخلاف والاختلاف وعاملا مهددا للروح الوطنية .


sondy25@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*