السبت - 4 رمضان 1447 هـ , 21 فبراير 2026 م

” حميدتي”: لا أرغب في رئاسة السودان وهدفنا اقتلاع الإسلاميين

عباداتنا تخطيطٌ استراتيجيٌّ مدهش

عباداتنا تخطيطٌ استراتيجيٌّ مدهش
محجوب إبراهيم الخليفة

▪️ العبادات في الإسلام ليست طقوسًا معزولةً عن حركة الحياة، ولا شعائرَ مؤقتةً تُؤدَّى ثم تُطوى صفحتها، بل هي منظومةٌ ربّانيةٌ محكمة، تقوم على رؤيةٍ بعيدة المدى، وتبني الإنسان بناءً تراكميًا متدرّجًا، يُشبه في أدقّ تفاصيله التخطيطَ الاستراتيجيَّ الذي تُدار به الدول الكبرى وتُنهض به الحضارات. غير أنّ الفرق جوهري؛ فالتخطيط البشري يعتريه النقص، أما التخطيط الإلهي للإنسان فمبنيٌّ على علمٍ مطلق، وحكمةٍ لا تحدّها حدود.
▪️القرآن الكريم يضع الأساس النظري لهذه الرؤية الكبرى بقوله تعالى:- (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ) [العنكبوت: 45].
فالغاية ليست أداء الحركات، بل صناعةُ أثرٍ أخلاقيٍّ ممتد. هنا تتجلّى الاستراتيجية كهدفٌ واضح (النهي عن الفحشاء والمنكر)، وسيلةٌ يوميةٌ متكرّرة (الصلاة)، ونتيجةٌ تراكميةٌ تُبنى مع الزمن. إنّها عملية إعادة تشكيلٍ للسلوك عبر جرعاتٍ روحيةٍ موزَّعةٍ على مدار اليوم، خمس مرات، بما يشبه المراجعة الدورية في الخطط المؤسسية.
▪️وفي الصيام يتجلى البُعد الاستراتيجي بوضوح أشدّ، إذ يقول تعالى:- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ… لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 183].
التقوى هدفٌ بعيد المدى، والصيام أداةُ تدريبٍ سنويٍّ مكثّف يعيد برمجة الإرادة، ويؤسس لثقافة الانضباط الذاتي. أليست المؤسسات الناجحة تُخضع كوادرها لدوراتٍ مكثّفة لإعادة بناء الكفاءة؟ فكيف بالصيام، وهو دورةٌ ربانيةٌ شاملة، تضبط الجسد والنفس واللسان والفكر؟
▪️أما الزكاة، فتمثّل بعدًا اقتصاديًا واجتماعيًا في التخطيط الحضاري للأمة. (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة: 103]…الزكاة ليست  إحسانًا عابرًا، بل نظامُ إعادة توزيعٍ دوريٍّ للثروة، يطهر النفوس من الشح، ويحمي المجتمع من الانفجار الطبقي، ويصنع شبكة أمانٍ مستدامة. إنّها سياسة مالية ربانية تسبق نظريات الاقتصاد الحديث بقرون طويلة.
▪️ويبلغ التخطيط ذروته في الحج؛ مؤتمرٌ سنويٌّ عالميٌّ يتكرر عبر القرون، يلتقي فيه المسلمون على اختلاف أعراقهم وألسنتهم، في مشهدٍ يعيد تعريف الهوية الجامعة. قال تعالى:- (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ) [الحج: 28].
منافعُ روحيةٌ، ومنافعُ معرفيةٌ، ومنافعُ اقتصاديةٌ، ومنافعُ سياسيةٌ أيضًا. أليست المؤتمرات الدولية اليوم إحدى أدوات التخطيط الاستراتيجي للدول؟ لقد سبق الإسلام إلى تأسيس مؤتمرٍ سنويٍّ دائم، بلا انقطاع منذ أربعة عشر قرنًا.
▪️النبي ﷺ أكّد هذا البناء المرحلي بقوله:- (أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ) (رواه البخاري ومسلم).
الدوام هنا هو جوهر الاستراتيجية؛ الاستمرارية أهم من الاندفاع المؤقت، والتراكم أهم من الطفرة العاطفية. هكذا تُبنى الشخصيات العظيمة، وهكذا تُبنى الحضارات.
▪️وقد أدرك كبار العلماء هذه الحقيقة وعاشوها واقعًا. الإمام أبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين لم يتناول العبادات بوصفها أعمالًا ظاهرية، بل عدّها وسائل لإعادة تشكيل القلب والعقل، معتبرًا أنّ الصلاة (معراج المؤمن) الذي يرتقي به من عالم الحس إلى عالم المعنى، وأنّ الصوم «كسرٌ للشهوة» يعيد ترتيب أولويات النفس. إنّه تحليلٌ تربويٌّ عميق يوازي أدقّ النظريات النفسية الحديثة.
▪️ويأتي الإمام ابن تيمية ليؤكد أنّ (العبادات مبناها على المصالح المحضة أو الراجحة) وأنّها ليست تكاليف عشوائية، بل أوامر قائمة على حكمٍ دقيقةٍ تُصلح العبد ظاهرًا وباطنًا. هذا التصور يجعل العبادة مشروع إصلاحٍ شامل، لا عبئًا شكليًا.
▪️أما ابن القيم فقد أفاض في بيان أسرار الصلاة والصيام والحج، وبيّن في مدارج السالكين أنّ العبادات درجاتٌ في سلّم الارتقاء الإيماني، وأنّها انتقالٌ من مجاهدة النفس إلى طمأنينة الروح. كان يرى أنّ الشريعة كلّها (حكمةٌ وعدلٌ ورحمةٌ)، وأنّ أي فهمٍ يُخرجها عن هذه المقاصد فليس من روحها في شيء.
والتاريخ يشهد أنّ الأجيال التي فهمت العبادة بهذا المعنى الاستراتيجي هي التي صنعت الحضارة. لم يكن العلماء الأوائل يرون تعارضًا بين المحراب والمختبر، ولا بين السجادة ومجالس العلم. العبادة عندهم كانت وقودَ الفعل، ومصدرَ التركيز، ومنبعَ الانضباط. ولهذا شهد الغرب المنصف بشهاداتٍ موثقة أنّ ازدهار الحضارة الإسلامية كان قائمًا على روحٍ دينيةٍ منضبطة، لا على فوضى عاطفية.
▪️توزيع العبادات على اليوم (الصلوات)، وعلى الأسبوع (الجمعة)، وعلى العام (رمضان والحج)، وعلى العمر (الزكاة والحج لمن استطاع)، يكشف عن شبكةٍ زمنيةٍ محكمة تُحاصر الغفلة، وتعيد الإنسان إلى مركزه كلما ابتعد. أيّ تخطيطٍ هذا الذي يضبط الزمن بهذه الدقة؟ إنّه تخطيطٌ يصنع الإنسان الرسالي، المتوازن بين الروح والمادة، بين الفرد والمجتمع، بين الدنيا والآخرة.
▪️ العبادات إذن ليست عزلةً عن الحياة، بل هي إدارةٌ عليا لها. وليست انقطاعًا عن الواقع، بل هي إعادةُ توجيهٍ مستمرٍّ لمساره. ومن فهمها كذلك أدرك أنّ الإسلام لا يكتفي بإصلاح لحظةٍ عابرة، بل يبني مشروع عمرٍ كامل، ويصوغ رؤية أمةٍ تمتدّ عبر القرون.
▪️عباداتنا تخطيطٌ استراتيجيٌّ مدهش؛ لأنّ واضعها هو العليم الخبير، ولأنّ غايتها صناعة إنسانٍ متكامل، قادرٍ على حمل الأمانة، وإعمار الأرض، وتحقيق العبودية بمعناها الواسع الشامل. ومن تأمّلها بعين البصيرة أيقن أنّها ليست مجرد تكليف، بل أعظم مشروع بناءٍ عرفته البشرية.

لا توجد تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
دخول سجل اسمك المستعار
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور
حجز اسمكم المستعار سيحفظ لكم شخصيتكم الاعتبارية ويمنع الآخرين من انتحاله في التعليقات
التعليق كزائر سجل اسمك المستعار نسيت كلمة المرور