إيران وإسرائيل وخيار شمشون … كيف يمكن لإيران تدمير أمريكا اقتصادياً الجزء 1: إسرائيل وخيار شمشون ما هو خيار شمشون .. الجذور التوراتية لقصة شمشون بن منواح الداني ..؟
أرى أن هناك مجموعة خطوات مهمة على إيران وإسرائيل أن تكملانها، وعدة فرص أن تستنفدانها، حتى تجدا نفسيهما أمام تبني خيار شمشون، والذي يعني في محصلته النهائية عليّ وعلى أعدائي، وذلك بهدم المعبد بمن فيه كما جاء في قصته التوراتية..
ويرجع الفضل في بعث مصطلح خيار شمشون، وإدخاله إلى ميدان الفكر السياسي العسكري المعاصر، وجعله خياراً متقبلاً، إلى الكاتب الأمريكي سيمور هيرش، عندما أصدر كتابه (خيار شمشون: أسرار وخفايا الترسانة النووية الإسرائيلية) في العام ١٩٩٠..
وخيار شمشون في تعريفه العام يشير إلى الخيار صفر، وهدم المعبد على من فيه، وهو تصرف أشبه بالانتحار الجماعي، الذي يشمل الكل، فلا رابح، فقط خاسر/خاسر..
ولكن يجب إدراك أن خيار شمشون يختلف في أهدافه وتعريفه في حالة تبنيه بين الحالة الإسرائيلية والحالة الإيرانية..
فبالنسبة لإسرائيل نجده متدرج الفعل والأثر، ويبدأ بما يمكن تسميته بخيار حافة الهاوية، الذي يأتي ضمن سياسة الردع الإسرائيلية، الموجهة ضد أعدائها من الدول أو الجماعات المحاربة لها، إنه الخيار النووي الأخير ضمن صراعها الوجودي من أجل البقاء، الذي سوف تلجأ إليه إسرائيل ضد أعدائها ضمن ثلاثة خيارات أخرى..
الأول.. كخيار ردع نووي يهدف إلى أن لا يهاجمها أحد بسلاح إبادة شاملة، مما يُبقي صراعها مع أعدائها ضمن حدود الحرب التقليدية، أي توازن رعب، ويجعل أي حرب عليها، حتى وإن خسرتها، تكون خسارة معركة ضمن إطار جولات الحرب، أي عدم إعطاء العدو نصراً حاسماً كلياً، وهذا يعني أن الخسارة هنا جزئية، ولا تأثير عليها كوجود مادي، أي تظل باقية ضمن الجغرافيا الطبيعية…
الثاني.. من أجل أن تُفني أعداءها إذا قامت حرب، وتنجو وتعيش هي كخيار كسب حرب وليس معركة فقط، متمددة ضمن الجغرافيا الطبيعية التي تريدها مع تأمينها وحراستها (دولة الوعد الإلهي التوراتية)..
الثالث.. في حالة دخولها حرب، وتأكيد خسرانها لها، وصارت مهددة وجودياً فلا خيار أمامها غير الخيار الصفري، وهو خيار شمشون الجبار، واتخاذ خطوة هدم المعبد على الجميع..
رغم أن إسرائيل تهدف إلى البقاء، فإنها لا تستبعد أن تتكرر حوادث الإبادة النازية تجاه اليهود، لهذا فخيار هدم المعبد على الجميع، هو آخر سيناريو ممارس، ويمثل نهاية خياراتها المتاحة، خاصة لدى من يحبذون امتلاك السلاح النووي، هؤلاء الذين يؤيدون فكرة الانتحار الجماعي كحل متجاوز للردع، ضمن إطار الإبادة المتبادلة، من منطلق أنه إذا كُتب الفناء لإسرائيل، فيجب أن يشمل هذا الفناء أعداءها أيضاً، أي يتحول السلاح من مصدر ردع إلى سم يجب على الجميع تجرعه…
وأنا أعتقد أن إسرائيل إذا وصلت إلى مرحلة تبني خيار شمشون، واتخاذ قرار الانتحار الجماعي، فإن هذا الخيار وامتداده وضرره لن يشمل فقط العرب والمسلمين الذين تخطط لإبادتهم، وإنما سوف يتجاوز ذلك إلى كل من ساهم في اضطهاد اليهود بزعمهم على مر التاريخ، وستشمل الضربة النووية الإسرائيلية العديد من الدول الأوروبية، وعلى رأسها ألمانيا وإسبانيا وروسيا والفاتيكان، وربما فرنسا الدولة التي أنشأت لهم البرنامج النووي، ومكنتهم من الحصول على السلاح النووي..
وإسرائيل قد تصل إلى هذا الخيار، إذا سارت الحرب الحالية في غير صالحها، نتيجة لانكشاف سمائها وانهيار منظومتها الدفاعية الجوية، مع عجز أمريكا عن نجدتها وتلافي هذا الانهيار، أو إعلان ترامب انتصاره في المعركة وانسحابه، وتركه نتنياهو وإسرائيل لمواجهة مصيرهما، ومصحوباً هذا بتدخل قوي من روسيا والصين نصرةً لإيران، الأمر الذي يجعل هزيمة إسرائيل الوجودية أمراً حتمياً، مع تبدي ذلك في انهيار الجبهة الداخلية، وبروز موجات هروب جماعي من إسرائيل عن طريق البحر، وقد يبلغ هذا الأمر قمته إذا رأينا كتائب المجاهدين الإسلاميين والعرب وهي تعبر الحدود إلى داخل إسرائيل، فهنا تفعيل خيار شمشون سوف يكون، ليس خياراً فقط، ولكنه واجب مقدس..
ولفهم خيار شمشون، يجب فهم الجذور التاريخية لخيار شمشون وأحداث قصته..
أولاً، هي من القصص الدينية في الإرث اليهودي، وهي تعبر عن إحدى مراحل الصراع الفلسطيني اليهودي على أرض فلسطين، وعن تجذر الأسطورة المكونة لهذا الإرث القصصي، والذي بُنيت عليه أكذوبة الشعب اليهودي وأرض الميعاد والوعد الإلهي المزعوم، وعودة مخلص بني إسرائيل “المسيا”، والتي انتقلت إلى الفكر المسيحي الإنجيلي، ممثلة في المجيء الثاني للمسيح، وللفكر الإسلامي ممثلاً ذلك في المهدي المنتظر أو صاحب الزمان، وهو قائم آل البيت في الفكر الشيعي، أو في الفكر السني الذي حاول الجمع بين الشخصيتين (مهدي آل البيت الشيعي بعد أن تم تسنينه، ومسيح الإنجيليين المخلص، بعد أن تم بشرنته، بوصفهما شخصيتين خيرتين، ترمزان إلى الخير) مع شيطنة مسيا ومخلص بني إسرائيل، ومسخه إلى دجال كذوب، بدلاً عن مسحه إلى منتظر صدوق، وصار مسيحاً دجالاً كاذباً مبشراً بكلمة مولاه الشيطان..
وشمشون وعلى حسب الروايات التوراتية (سفر القضاة الأسفار ١٣-١٦) هو شمشون بن منوح الداني، من سبط دان الإسرائيلي، ويُعتبر شمشون الذي يُلقب بالجبار لقوته، أحد قضاة بني إسرائيل (حكامهم)، الذين حكموا إسرائيل في الفترة التي تلت موت النبي موسى، وقد أحب امرأة فلسطينية اسمها دليلة وتزوجها مخالفاً لشرائع قومه، ومتحدياً لرغبة والديه..
وقد حباه الله بقوة عظيمة وجعل سرها في شعره، وهو سر لم يخبر به أحد غير زوجته دليلة…
وتحكي الأسطورة أنه قتل أسداً بيديه، كما استطاع قتل ألف من الفلسطينيين مستعملاً عظم فك حمار فقط..
ولم يستطع أعداؤه النيل منه إلا بعد أن احتالت عليه زوجته دليلة الفلسطينية، وقصت شعره وقيدته به، باتفاق مع أهلها الفلسطينيين، فقبضوا عليه بعد أن زالت قوته، وقلعوا عينيه وربطوه على عربة، وأتوا به إلى معبد داجون إله الزرع عند الفلسطينيين، حيث كان يقام احتفال ديني، أمّه خلق كثير، فسأل شمشون إلهه يهوه أن يهبه القوة، وقد كان، فأمسك بعمودين في المعبد، وصاح (دعني أموت مع الفلسطينيين)..
وتذهب الرواية أنه قد مات وقتل معه ثلاثة آلاف فرد من أعدائه الفلسطينيين، وقد اعتبره الفكر الديني اليهودي أحد أبطال بني إسرائيل الأقوياء، الذي ضحى من أجل شعبه..
ومن قصة حياته التي اختار نهايتها بأن يموت ويموت معه أعداؤه جاء مصطلح خيار شمشون..
يتبع الجزء الثاني عن إيران وخيار شمشون
حيدر التوم خليفة
٢٢ مارس ٢٠٢٦ السودان


