أزمة دلقو: بين الحق في المواطنة ومخاطر الفتنة الجهوية

أزمة دلقو: بين الحق في المواطنة ومخاطر الفتنة الجهوية
  • 12 أبريل 2026
  • لا توجد تعليقات

عبدالماجد كبر

أجد نفسي متفهماً لمطالب أهل المنطقة؛ إذ إن توطين النازحين قد ينعكس سلباً على الخدمات العامة التي تعاني أصلاً من التدهور. كما أنني لا أرى مبرراً لقرار الحكومة المحلية بوضع خطة لتوطينهم؛ فنزوح المواطنين من دارفور يجب أن يظل أمراً مؤقتاً إلى حين استعادة الدولة للأمن هناك، وتمكينهم من العودة إلى ديارهم.

إن الحقيقة الماثلة هي أن وضع خطة سكنية بديلة للنازحين يعد في حد ذاته هضماً لحقوقهم من قبل الدولة، التي يقع على عاتقها واجب إعادتهم إلى قراهم، لا تشريع تهجيرهم قسراً لصالح ميليشيا “الجنجويد”.

إن تجربة “الكنابي” كانت تجربة مريرة وقاسية على أهل المنطقة وسكان الكنابي معاً، ولا ينبغي تكرارها بأي حال. فعلى الحكومة إما أن توفر الخدمات الكافية لجميع السكان بلا استثناء، أو ألا تسمح بقيام مجمعات سكنية شبه عشوائية تمثل إهانة لساكنيها، وتُعد مصدراً للفرقة بين أبناء الوطن الواحد.

ولنكن واضحين: لأي سوداني الحق الكامل في السكن ـ بصورة فردية ـ في أي بقعة من بقاع السودان دون استثناء. ونحن نرفض بشدة أي مطالب عنصرية تدعي عدم أحقية سكان إقليم معين في السكن بمنطقة أخرى ما داموا جزءاً من هذا الوطن؛ فهذه هي “العنصرية” بعينها. وفي الوقت ذاته، نرفض قيام الحكومة بتوزيع أراضٍ سكنية لمجموعات من منطقة معينة وبصورة جماعية في مناطق أخرى.

ما حدث في “دلقو” كان برعاية حكومية، والغرض منه زرع الفتنة القبلية بين مكونات الشعب السوداني بمنطق “فرّق تسد”. فلو كانت الحكومة حريصة حقاً على أوضاع النازحين، لكان الأجدر بها تحريك الجيوش لتحرير دارفور وإعادتهم إلى مساكنهم. وحتى قبل اندلاع الحرب الحالية، لم تبالِ الحكومات المتعاقبة بالنازحين في معسكرات “كلمة” و”نيفاشا”، ولم تضع لهم خططاً سكنية طوال عشرين عاماً، فلماذا تشرع في ذلك الآن في الولاية الشمالية؟

للأسف، هناك من يقتات على العنصرية ويسعى لاستغلال هذه الأزمة لتمرير أجندات ومصالح شخصية. وكما استُخدم الدين سابقاً لتحقيق مكاسب سياسية (كما فعل الكيزان)، نجد اليوم من يوظّف القبلية والجهوية للغرض ذاته.

إن أهل الشمالية في مجملهم يتسمون بالطيبة وإكرام الضيف، وبالرغم من وجود جيوب عنصرية (وهي ظاهرة للأسف تشمل كل أقاليم السودان)، إلا أنهم استقبلوا ورحبوا بأهل دارفور في “العفاص”، ولم يعترضوا على مشاركة الجميع في تعدين الذهب، بل جعلوه متاحاً للكل بلا تمييز.

ختاماً، إن موقف البرهان وحكومته يتسم بالسلبية الشديدة. وما إيقاف قناة “سودانية 24” لعرضها الخبر إلا محاولة للتنصل من المسؤولية حيال هذا الاحتقان، وسياسة لـ “دفن الرؤوس في الرمال”. نطالب الحكومة بإلغاء هذا القرار فوراً، والتشديد على أن العنصرية ومحاولات زرع الفتنة القبلية هي سلوكيات مرفوضة لا مكان لها في مستقبل السودان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*