الحرب الإيرانية الصهيوأمريكية.. (1) مشروع الشرق الأوسط الكبير، وخطط بيوتات المال العالمية السرية المشبوهة للسيطرة على منابع النفط هو هدف أمريكا الأول من الحرب…
عند دخول القوات الأمريكية إلى بغداد، وقف كولن باول، وزير الخارجية الأمريكي، أمام أجهزة الإعلام مصرحاً بكل وقاحة:
إن هدفنا من هذه الحرب هو تصحيح خطأ الرب الذي جعل البترول في أرض العرب.
إنها كلمات تعني بلا مواربة أننا جئنا إلى هنا للسيطرة على بترولكم الذي لا تستحقونه…
وهم اليوم يستفيدون منه أكثر من العرب، إذ إنه عماد قوة الدولار، بسيادة مبدأ البترودولار، إضافة إلى توريد كل عائداته في المصارف الأمريكية، ودفع نسبة الحصة السنوية من السلاح المعطوب التي على دول الخليج اقتطاعها من عائدات البترول لصالح شركات السلاح الأمريكية، ودفع تكاليف منصرفات القواعد الأمريكية في الخليج، إضافة إلى شراء سندات الخزانة الأمريكية طويلة الأمد، وهي الأكثر مخاطرة..
قبل حوالي ثلاثة أعوام نشرت مقالاً أوضحت فيه أن من ضمن مخططات مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي أعدته الشمطاء كونداليزا رايس، هي مساعدة النخب المالية الأمريكية على وضع يدها على منابع النفط الخليجية بافتعال حرب مع إيران، وقد استبعد الكثيرون هذا الأمر..
وقد وضح أن ترامب، وهو خادم بيوتات المال العالمية التي أتت به إلى رئاسة أمريكا بعد أن كبلته بكل فعلٍ مشين، وسجلته له صوتاً وصورة، حتى أصبح عجينة طيعة في أيديهم، تم استخدامه بكفاءة عالية لتنفيذ أهداف مشروع الشرق الأوسط الكبير، والذي تقف وراءه ثلاثة من أكبر المنظمات السرية نفوذاً وتأثيراً في عالم المال والأعمال والإعلام والسياسة، وتسعى حديثاً للسيطرة على الرياضة، وكلها لها ارتباط وثيق بالصهيونية والصليبية والماسونية والمتنورين الجدد (الشيطانية الجديدة)..
وأخطر هذه المنظمات هي منظمة بيلدربيرج، لتحكمها في مفاصل حلف الناتو بالكامل، ويليها منظمة (اللجنة الثلاثية) التي أسسها الصهيوني اليهودي قطب المال الأكبر في العالم الصهيوني اليهودي ديفيد روكفلر، ثم مجموعة العمل في مجال الطاقة، أو المنظمة الشبح، حيث لا يُعرف عنها شيئاً، فهي منظمة لا يُعلم لها مقر أو عنوان أو بريد إلكتروني..
لهذا لا يجب قراءة الأحداث بما هو ظاهر أو مشاع في الإعلام الموجه، وإنما يجب الغوص عميقاً في الحدث تحليلاً وتنقيباً، فمعظم ما تتناوله أجهزة الإعلام اليوم عن الحرب الحالية ومفاوضات السلام عبارة عن تعتيم متعمد للحقائق المخفية..
وعلى مر التاريخ كانت منابع النفط ومراكز الثروات المعدنية محط أنظار هذه المنظمات السرية التي تتحكم من وراء ستار في معظم سياسات العالم المالية والاقتصادية والإعلام، ولها يد في إشعال العديد من الحروب في العالم، ولكن رغم تبايناتها إلا أنها تتوحد في شيء واحد، وهو العبادة الشيطانية أو اللوسيفرية، وممارسة طقوسها السرية الدموية التي تعتمد على القرابين البشرية والتضحية بالأطفال، وهو أمر قد يستبعده الكثيرون، ولكن مع الثورة المعلوماتية الجارفة، فقد نُشرت وكُشفت العديد من أسرارها صوتاً وصورة، بعد أن فضحها بعض المنشقين عنها، وباحوا بأسرارها..
ومشروع الشرق الأوسط يمثل أحد أهم مشاريع هذه النخب والبيوتات المالية التي تستغل أمريكا لتنفيذ أهدافها، لأنها تسيطر على المنظومة السياسية بالكامل، خاصة التشريعية..
والحرب الحالية على إيران تمثل إحدى فصول هذا المشروع (وهي حرب تمثل خليطاً من اللاهوت والمصالح الاقتصادية)، وقد بدأت مباشرة بعد إكمال ترامب الاستيلاء على نفط فنزويلا بكل سهولة وبلا حتى مجرد احتجاج من الصين وروسيا، الأمر الذي شجعهم على تنفيذ خطوتهم التالية، وإشعال حرب مع إيران تم التمهيد لها، منذ إكمال تسوير منطقة الخليج وإغراقها بالقواعد العسكرية الأمريكية الثابتة والعائمة..
وهي حرب خُطط أن تكون مساراتها كالآتي:
… تفتيت وحدة دول الخليج بزرع دولة وظيفية تطبيعية في قلب المنطقة، وقد تم لهم ذلك بقيام نظام بن زايد المفارق، ولكن مع قيام الحرب الحالية قامت إيران بإضعاف دور الإمارات وتحييد فاعليتها، مستغلة كفاءة القوة العسكرية والاستخبارية الإيرانية، ساعدها في ذلك إدراك القيادة في إيران لأبعاد هذا المخطط..
وقد تم إضعاف هذه الورقة أكثر (من غير أن يتحسبوا لذلك)، مع ظهور مخاطر مفاعل براكة الإماراتي أخيراً، والذي يمكن أن يكتب نهاية لوجودها كدولة.
.. إسقاط النظام الإيراني عبر الاضطرابات والاحتجاجات الشعبية، وتنصيب نظام عميل ينفذ ما يطلبون، وأهمها جر إيران وإغراقها في حرب مع دول المنطقة، وهو ما لم يحدث..
.. إذا فشلت خطة إسقاط نظام الملالي عن طريق الثورة الشعبية، يتم إسقاطه عبر العمل العسكري، والذي يبدأ بتصفية القيادة الإيرانية، وتوجيه ضربات ساحقة للقدرات العسكرية الإيرانية لإضعافها، وتمهيد الطريق لإكمال الثورة الشعبية لاقتلاع النظام، ولكن كانت النتيجة وبالاً عليهم، إذ خرج النظام أكثر قوة وشعبية، خاصة بعد خطابات ترامب التي استفزت الشعب الإيراني برمته..
بل مهدت الحرب الطريق لنظام طهران للمضي قدماً في تصفية كل المجموعات المعارضة، خاصة تلك التي زرعتها أمريكا وإسرائيل وأنظمة استخبارات دول المنطقة داخل إيران عبر عقود..
… أمريكا لم تسعَ للدخول في حرب شاملة مع إيران لتعقيدات دستورية داخلية، ولكنها شنت حرباً أسمتها عمليات عسكرية تهدف إلى استهلاك وإضعاف قوة إيران، ومن ثم وضع الطرفين الإيراني والخليجي في مسار تصادمي مميت ومدمر لهما معاً، يقود إلى خلق الظروف وتهيئة المسرح إلى تدخل أمريكي بأي حجج مصنوعة، تضع مناطق النفط تحت الحماية والإدارة المباشرة للبيت الأبيض، ومن ورائه المنظمات السرية المخططة..
ولكن هناك العديد من العوامل التي أضعفت هذا المشروع، ولكنها لم تنهه، وأهمها:
… مقاومة دول الخليج لكل الضغوط الأمريكية بدفعهم لخوض حرب مدمرة مع إيران، خاصة بعد أن قامت استخبارات دول غربية والصين وروسيا بتمليكهم معلومات كافية عن المخطط، لهذا امتنعت كل الدول الخليجية عن توجيه طلقة واحدة نحو إيران، فيما عدا الإمارات، الدولة الشريك في المخطط، إذ شاركت طائراتها بكثافة في ضرب أهداف إيرانية مدنية واقتصادية لاستفزاز إيران وجرها لضرب الأهداف المدنية في الدول الخليجية، ولكن لأن إيران مُخترِقة أيضاً النظام الإماراتي من رأسه إلى ساسه، فقد اقتصر ردها على ضرب أهداف منتقاة بعناية تمثل المصالح الأمريكية والصهيونية داخل مشيخة بن زايد..
… امتناع إيران عن مهاجمة أي هدف مدني في دول الخليج، واقتصار نشاطها على ضرب الأهداف والقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، جنب المنطقة مخاطر الانزلاق في حرب خليجية إيرانية..
… إدراك دول العالم، خاصة الدول الأوروبية، لنوايا ترامب ومقاصده الخفية من هذه الحرب غير الشرعية وغير الأخلاقية، جعلها تنأى عن هذه الحرب، خاصة وأن مساعدة أمريكا تعني الإضرار بمصالحهم القومية، إضافة إلى تنامي رأي عام شعبي أوروبي رافض لها، ويعتبرها عملاً إجرامياً، ونجد أن الرئيس الأوروبي الوحيد الذي كان داعماً للحرب في الخفاء هو رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، والذي دفع ثمناً باهظاً لموقفه هذا، ولدعمه حرب الإبادة الإسرائيلية على أهل غزة، تمثل في تدهور شعبيته لأدنى مستوى حدث لرئيس وزراء في تاريخ بريطانيا، الأمر الذي دفعه إلى تقديم استقالته، ولكن الأمر لن يقف عند هذا الحد، فمن المتوقع أن يخسر حزبه بصورة لا يمكن تصورها في الانتخابات القادمة..
… القدرات العسكرية الإيرانية المتطورة، والحنكة التي أدارت بها إيران الحرب، والتي أدهشت كل العالم، وشلت الخطط العسكرية الأمريكية، وحطت من فاعليتها، وقفلت أمامها العديد من الخيارات المتاحة، جعلت إيران عند الحصاد الأخير في موقف المنتصر، وأمريكا وإسرائيل في موقف المهزوم، خاصة بعد فشلهما في تحقيق أي من أهدافهما، بل بروز تعقيدات جديدة ألقت بظلالها القاتمة على المشهد الاقتصادي العالمي برمته، وهو امتلاك إيران لورقة مضيق هرمز..
… وقوف الجغرافيا مع إيران في حربها ضد أمريكا، إذ كاد مضيق هرمز أن يعصف بالاقتصاد العالمي، فهو أقوى أوراق إيران التي تعتمد عليها لإفشال المخطط الخفي، ونتيجة لإفرازاته فقد حدث لترامب نفس ما حدث لستارمر من تدني شعبيته وفقدانه لحاضنته السياسية وهي مجموعة الماغا، وقد يعاقب الشعب الأمريكي الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفية في نوفمبر القادم..
… انقلاب الرأي العام الأمريكي على المخطط برمته، وفقدان اللوبي اليهودي لقوته داخل مجال التأثير الأمريكي لدى المشرعين الأمريكيين، وليس أدلّ على ذلك من تصويت حوالي 107 نواب برلمانيين من الديمقراطيين بالأمس، تأييداً لقرار وقف الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، وهو بمثابة قنبلة انفجرت في وجه إسرائيل برمتها، الأمر الذي يشير إلى بداية أفول حقبة هيمنة الصهيونية على القرار الأمريكي، وأنا هنا لا أستبعد أن ينقلب ترامب بشدة وبدرجة حادة على إسرائيل، خاصة إذا تصاعدت الضغوط عليه، أو شعر أنه في طريقه إلى الغرق..
ولكن هل هذا يعني فشل المشروع الأمريكي الساعي للسيطرة على منابع النفط الخليجية، والتحكم في سياسات الطاقة في كل جوانبها؟
من المهم هنا أن نستصحب معنا هدف الإضرار بالصين والضغط عليها من خلال ورقة النفط..
والإجابة بالتأكيد لا، خاصة بعد أن استبانت أمريكا أنها وقعت على مذكرة استسلام، وليس مذكرة تفاهم سلام، مع إيران، والتي نعتها وانسحبت منها أخيراً، موحية أنها تريد إعادة التفاوض حولها، بينما السبب الرئيس هو ضغط الأطراف الخفية المالكة للعبة برمتها على ترامب بالانتقال إلى الخطة الأخرى، والتي تشمل:
… شن حرب استنزاف ضد إيران تمولها دول الخليج قهراً، لإضعاف إيران عسكرياً بتوجيه ضربات متتالية لأهداف مختارة، تسعى لإرخاء قبضتها على مضيق هرمز وسحبه كورقة رابحة من يدها، ولكنه أسلوب تم تجريبه من قبل، لأن تهديد السفن العابرة للخليج يأتي من الصواريخ والمسيرات، وهي منتشرة بطول وعرض الجغرافيا الإيرانية، فإن إغراق حاملتي نفط عملاقتين وإشعال النار فيهما قادر على إحداث كارثة لا يمكن تصورها، قد تعطل الملاحة لعدة سنوات..
… فرض وتشديد الحصار الاقتصادي على الموانئ الإيرانية، ولكنه فعل قد يثير غضب العديد من الدول المتضررة جراء توقف نفط وغاز الخليج بالكامل، خاصة الصين والهند والدول الآسيوية، لأن إيران سوف تضطر في النهاية إلى إغلاق المضيق بالكامل (وربما تطبق خيار شمشون، والذي يعني نهاية الحياة بالكامل في الخليج)، مع الإيعاز للحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب، أو ضرب خزانات وأرصفة تحميل البترول على موانئ السعودية على البحر الأحمر، وهذا له تداعيات خطيرة على كل دول العالم، وبالتأكيد لن يسلم منه الداخل الأمريكي..
لهذا سوف تعمد أمريكا إلى اتباع خطة التصادم الخليجي الإيراني والعمل على تفعيلها مهما كلف الأمر..
وسوف تعمل على مواصلة تدمير البنية التحتية الإيرانية، لخلق حالة انتقامية لدى إيران ودفعها لمهاجمة منشآت الطاقة والبترول والبنية التحتية، ومنشآت تحلية المياه في الدول الخليجية..
وفي الأيام المقبلة سوف تكثف أمريكا من ضرب البنية التحتية الإيرانية، شاملاً ذلك محطات الكهرباء وتحلية المياه والسكك الحديد والطرق والجسور، وذلك كما قلت لدفع إيران لتبني فعل انتقامي ضد هذه الدول، وتوجيه ضربات ساحقة عليها، الأمر الذي يعني مواجهة شاملة تدمر الطرفين، مما يتيح الفرصة لأمريكا السيطرة على منابع النفط بصورة فعلية، وهو أمر تحدث عنه ترامب قبل حوالي أربعين عاماً…
فهل بدأت أمريكا تنفيذ خطتها بضرب محطات السكك الحديدية، وتدمير الجسور المهمة في غرب وجنوب إيران، والتي نفذتها بالأمس، والتي طالت ستة جسور مهمة؟
وتحديداً هل بدأت حرب الجسور فعلياً؟ والتي إن ردت إيران عليها فعلى أهل البحرين توديع جسر الملك فهد، وليستعدوا لاضطرابات داخلية مدمرة، وهذا بالضبط ما تهدف إليه أمريكا..
أم تتبع إيران خط ضبط النفس، وتفتح قنوات سرية مع دول الخليج، تنتهي بتوقيع تعهدات بتحملها كل الأضرار الناتجة عن القصف الأمريكي لمنشآت بنيتها التحتية مقابل عدم الرد الإيراني على البنية التحتية الخليجية، مع سعي هذه الدول لتكثيف العمل السياسي والإعلامي والدبلوماسي لإيقاف آلة الحرب الأمريكية عن تدمير بلادهم، والعمل الجاد للتخلص من الوجود العسكري الاحتلالي الأمريكي الذي يستهدف ثرواتهم من جانب أمريكا، وأرضهم من جانب إسرائيل، وهنا يمكن الرجوع إلى مقابلة السفير الأمريكي لدى إسرائيل مع الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون، بل أخذ خطوة أكثر جرأة تتمثل في مساعدة إيران في الخفاء لاستهداف هذا الوجود، والذي هو خطر ماثل أكبر من أي خطر إيراني مختلق يتهددهم..
ما أستطيع أن أؤكده هنا أن إيران لن تلجأ لهذا الخيار، رغم تهديدها به، إلا بعد أن تستنفذ كل الخيارات الأخرى المتاحة، وهذا ما سوف نناقشه في الجزء الثاني.
حيدر التوم خليفة
الخرطوم
١٧ يوليو ٢٠٢٦


