محطة المغادرة… الألم والابتلاء العظيم

محطة المغادرة… الألم والابتلاء العظيم
  • 01 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

محجوب إبراهيم الخليفة


 ▪️محطاتُ المغادرة ليست مجرد أماكن تعبرها الأقدام، بل مفاصلُ وجودٍ يتبدّل عندها معنى الحياة. هناك، يقف الإنسان عاريًا من عاداته، مجرّدًا من طمأنينته السابقة، محاطًا بأسئلة لا تُقال، وأحمالٍ لا تُرى. المغادرة ابتلاءٌ صامت، لا يصرخ ولا يشتكي، لكنه يضغط على الروح ضغطًا بطيئًا وعميقًا، حتى يعيد تشكيلها من الداخل.
▪️الابتلاء بالسفر بعيدًا لا يقتصر على مفارقة الجغرافيا، بل يتجاوزها إلى فراق المألوف كله. يغادر المرء المكان الذي حفظ خطاه، والمواقف التي شكّلته، والوضع النفسي المستقر الذي كان يمنحه شعورًا خفيًا بالأمان. كل ما كان ثابتًا يصبح سؤالًا، وكل ما كان بسيطًا يتحول إلى عبء من الحنين والقلق والتوقع.
الصبر المطلوب عند هذا النوع من الابتلاء ليس صبر التحمل السلبي، بل صبر الوعي والبصيرة. صبرُ من يدرك أن الألم ليس عدوًا، بل رسالة. السفر القسري أو الاختياري يكشف هشاشة التعلّق، ويضع الإنسان أمام حقيقة نفسه: ماذا يبقى منه بعد أن تُنزع عنه الأمكنة والأدوار والعلاقات اليومية؟ هذا السؤال لا يطرحه العقل وحده، بل تهمس به الروح كلما اقترب موعد الرحيل.
▪️المغادرة تُربك التوازن النفسي، لأن الاستقرار حالة نفسية قبل أن يكون وضعًا خارجيًا. الانفصال عن الإطار المألوف يخلق فراغًا داخليًا، وهذا الفراغ هو ساحة الابتلاء الحقيقية. الصبر هنا يعني القدرة على الجلوس مع هذا الفراغ دون هلع، والإنصات لما يحمله من معانٍ، دون الهروب إلى التبرير أو التجلّد المصطنع.
▪️التأمل في محطات المغادرة يكشف مفارقة عميقة وهي أن الألم لا يأتي من الفقد وحده، بل من إدراك هشاشة ما كنا نظنه دائمًا. الوجوه التي اعتدناها، التفاصيل الصغيرة، الروتين الذي كان يبدو مملًا، يتحول فجأة إلى كنزٍ مفقود. الصبر في هذه اللحظة يتجلّى كقدرة على الاعتراف بقيمة ما مضى دون الارتهان له، والامتنان له دون الوقوف عند بابه.
▪️مغادرة المواقف أصعب من مغادرة الأماكن. المواقف تختزن المعاني، والانتصارات الصغيرة، والخذلان، والذكريات التي صنعت ملامح الشخصية. تركها يعني مواجهة نسخة جديدة من الذات، أقل يقينًا وأكثر حاجة إلى الترميم. الصبر هنا ليس انتظار الفرج فقط، بل بناء داخلي بطيء، يعيد ترتيب الأولويات، ويعلّم القلب كيف يعيش دون الاعتماد الكامل على الظروف.
الوضع النفسي المستقر، عندما يُنتزع فجأة، يكشف مقدار اعتماد الإنسان عليه. الابتلاء الحقيقي يظهر عند زعزعة هذا الاستقرار، لأن النفس بطبيعتها تميل إلى الثبات. الصبر المطلوب يتطلب شجاعة الاعتراف بالضعف، والتصالح مع الارتباك، وقبول أن الطمأنينة قد تتأخر، لكنها لا تضيع. هذا النوع من الصبر يُنقّي الإيمان، ويهذّب التعلّق، ويعيد تعريف معنى السكينة.
▪️السفر بعيدًا يحمل امتحان الثقة بالله قبل أي شيء. الابتلاء لا يُقاس بقسوته الظاهرة، بل بما يتركه من أثر تربوي داخلي. الصبر عند المغادرة يعني التسليم بأن التدبير الإلهي أوسع من الرؤية المحدودة، وأن ما يُنتزع قد يكون تمهيدًا لما هو أنضج وأعمق. هذه القناعة لا تولد دفعة واحدة، بل تنمو عبر مجاهدة النفس، ومحاسبتها، وتذكيرها بأن الأقدار لا تأتي عبثًا.
محطة المغادرة تدرّب الإنسان على الفقد المؤقت، وتؤهله لفهم أوسع للحياة. الصبر فيها ليس انكسارًا، بل ترقّيًا خفيًا. كل خطوة مبتعدة عن المكان القديم هي خطوة أقرب إلى معرفة الذات. الألم المصاحب لهذا الابتلاء العظيم ليس علامة هزيمة، بل دليل حياة، ودليل أن القلب ما زال قادرًا على الشعور، والتعلّق، والتجاوز.
▪️ تتحول المغادرة من جرحٍ مفتوح إلى مدرسة صامتة. مدرسة تعلّم الإنسان أن الصبر ليس غياب الألم، بل القدرة على حمله بكرامة، وتحويله إلى وعي، ثم إلى حكمة. ومن اجتاز هذه المحطة بصدق، خرج منها أخفّ تعلقًا، أعمق إيمانًا، وأكثر استعدادًا لاستقبال ما ينتظره في الطريق القادم.
     mhgoub33@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*