نحو بوصلة وطنية جامعة تقودها القوى الوطنية الراسخة
لم يكن الصراع في السودان وليد اللحظة، بل هو امتداد متصاعد لتراكمات تاريخية معقدة تداخلت فيها الانقسامات الاجتماعية والمظالم والموروثات الثقافية مع تنافس سياسي حاد على السلطة والموارد وتدخلات سياسية خبيثة تغذيها أطماع حزبية وفردية ضيقة. وقد أسهمت بعض النخب غير المنتمية سياسياً أيضاً في ذلك، وفق أجندة فردية، في توظيف التباينات وتحويلها إلى أدوات تعبئة وصراع تاجرت بها لدى الفاعلين بالمشهد في كل المراحل، معززة لبعض الوقائع التاريخية، وأحياناً أخرى مستحدثة لروايات مشحونة بالألغام، أعادت فيها إنتاج الروايات المضللة من أجل تعزيز الانقسام وفق منطلقات للأسف بعضها عنصري لا يراعي خطورة تأثير ذلك على الدولة التي ما زالت تتحسس فرص الوحدة وإرساء دعائمها عبر إعلاء أهم المشتركات بين المكونات الوطنية وبعضها مادي استرزاقي بحت.
ومع دخول الجيش كفاعل سياسي حديثاً خلال المائة عام الماضية، وما صاحب ذلك من استدعاء للتدخلات الإقليمية والدولية، في إقليم ما زالت دوله وشعوبه ترزح تحت سيطرة نخب لا تؤمن بمشروع الدولة الحديثة، تعقّد المشهد أكثر في السودان، لاختلاف درجات التجانس الاجتماعي بين السودانيين مقارنة بما حوله من الدول في الإقليم. هذا الوضع الخاص في السودان جعله أكثر تأثراً وأقل قدرة على صيانة وحدته الوطنية وأحاله بكل أسف إلى بؤرة للصراع المفتوح المهدد لكيان الدولة السودانية.
ولذلك فإن إدارة هذا الواقع الوطني المعقد وما نتج عنه من صراع مدمر يتطلب الحكمة وكمال الرؤية قبل الانطلاق في التعامل معه. وبناءً على ذلك فإن الحل الأوفق لا يبدأ فقط بإطفاء حرائقه الظاهرة، بل بإعادة تعريف جوهره وكتابة رؤية وطنية جامعة تحيله من صراع على السلطة إلى مشروع وطني جامع. فالمعضلة الأساسية ليست في تعدد التيارات، بل في غياب القيادة الموثوقة المؤهلة لإطلاق إطار وطني يستند على رؤية وطنية مرضية يحتكم إليها الجميع.
هنا تبرز الحاجة أولاً إلى “بوصلة وطنية” واضحة، تقوم على مبادئ لا خلاف حولها أساسها: وحدة الدولة، مدنية الحكم، سيادة القانون، والعدالة في توزيع السلطة والثروة. وأن تتحول هذه البوصلة الوطنية الجامعة إلى مرجعية أخلاقية وسياسية تضبط حركة الفاعلين كافة، وتعيد توجيه الصراع من مسار التدمير إلى مسار يميزه التنافس المشروع. وتوفر لهذا المشروع عوامل التحفيز والردع الكافية حتى يضبط السلوك الفردي والجماعي ويمنع الخروج على الإجماع.
إذن تتمثل البداية العملية الأوفق، في إطلاق عملية سياسية تأسيسية يقودها المجتمع والأحزاب السياسية الكبيرة، وليس أي من أطراف الصراع والسلطة. عملية لا تستثني أحداً من القوى الوطنية الفاعلة، تنتهي إلى تشكيل تحالف وطني عريض، من كل المؤمنين بوحدة السودان وسلامته، وتستبعد فقط من يصر على العنف كوسيلة للهيمنة. هذه العملية تحتاج إلى ثلاث ركائز أساسية: أولاً، وقف شامل لإطلاق النار يضمنه توافق داخلي متين وعريض ومدعوم بإرادة إقليمية ودولية؛ ثانياً، منصة حوار وطني حقيقية تُبنى على تمثيل عادل للقوى السياسية والثورية والمجتمعية تقودها قوى وطنية تحظى بالثقة؛ وثالثاً، خارطة طريق انتقالية واضحة المعالم، تفضي إلى نظام ديمقراطي مستقر. وفي هذا السياق، يمكن استثمار المناخ الدولي والإقليمي الراهن، الذي بات أكثر استعداداً لدعم استقرار السودان، شريطة وجود شريك وطني موحد الرؤية.
ومن أهم القوى المؤهلة لقيادة هذا التحول بالقطع ليس تلك التي تمتلك السلاح ولا ذات النفوذ اللحظي، ولا القوى الإسلامية التي فجّرت الوطن خلال حكمها الانفرادي بتدخلاتها الحادة وتلاعبها بالوطن وتدويل قضاياه، ولا القوى الجديدة التي فشلت في إدارة الانتقال، برغم ما احتشد لها من مقومات النجاح.
ما زال الوطن يستصرخ النجدة وسط صراخات عدد من مجموعات لا يتجاوز تأثيرها الحناجر الواسعة وادعاءات الإسلاميين وغيرهم من قوى جديدة معارضة لهم عالية الأصوات. ما زال الوطن ينتظر عودة قوية للقوى الوطنية الراسخة ذات الحضور الجماهيري الواسع في الجغرافيا الوطنية وذات الإرث السياسي والتاريخي المجرب، والتي تحظى بالثقة الإقليمية والدولية، لتقود المشهد بالحكمة والمسؤولية نحو التحرر من سطوة السلاح والقوى الشعاراتية المنفلتة. وقد أثبتت التجارب عبر فترات الانتقال السابقة أن القوى الوطنية التاريخية هي الأقدر على بناء التوافق الوطني بما توفر لها خبرة تاريخية.
هنا تبرز أهمية الكيانات الوطنية ذات الجذور العميقة في الواقع والتاريخ السوداني، وفي مقدمتها يأتي حزب الأمة القومي، والحزب الاتحادي الديمقراطي. بالإضافة إلى ما يتوفر لهما من تأثير مباشر على قادة المجتمعات المحلية القبلية والدينية، وما يحظيان به من حضور داخل القوى الحديثة وثقة دولية وإقليمية عبر تاريخ السودان الحديث. مع ضرورة الانفتاح على القوى المدنية الحديثة والثورية والمجموعات المسلحة في إطار تحالف وطني واسع، يعيد تعريف السياسة كمساحة مشتركة لا كأداة للإقصاء.
بكل أمانة كانت تجربة قوى إعلان الحرية والتغيير (قحت) وأحزابها وقياداتها حديثة التكوين السياسي وغير المسنودة بالامتداد المجتمعي والسياسي، تجربة كارثية على الوطن وشاذة عن الموروث السياسي الوطني. فقد غيّبت عن قصد الأحزاب الوطنية ذات التأثير وغيّبت القوى المجتمعية. وتدابرت مع الجماهير وجعلتها نهباً للاستغلال الخبيث في تفجير الانتقال والتوظيف فيما بعد كوقود لاستمرار الحرب من قبل قوى الردة والانفراد ومن يدعمها في الداخل والخارج.
إن تجاوز هذه المرحلة يتطلب أولاً وحدة الكيانات السياسية الكبيرة كمسؤولية وطنية تاريخية قبل أن تكون مسؤولية حزبية داخلية لصالح قوتها، لتعاود وتستأنف دورها التاريخي في قيادة التعافي الوطني بكل شجاعة وجسارة سياسية، وهذا يتطلب من قادة هذه الكيانات السياسية السعي نحو بعضها البعض لتوحيد أحزابها ارتفاعاً عن الذوات والارتقاء إلى مستوى المسؤولية الوطنية العليا.
هذه المرحلة الوطنية مرحلة تاريخية حرجة جداً، تتطلب إعلاء الحسابات الوطنية على الحسابات الضيقة، ووضع مصالح الوطن فوق كل اعتبار. فالسودان اليوم لا يحتاج إلى غالب ومغلوب، بل إلى قيادة وطنية موثوقة وتحظى بدعم جماهيري ودولي كاسح ولا تتعلق بأحلام وآمال السيطرة الفئوية الضيقة ولا تغرق في الجدل البيزنطي. الوطن ينتظر كتابة وانطلاق عقد وطني جديد يؤسس لدولة حديثة، تحمي الحقوق، وتصون السيادة، وتفتح الطريق أمام مستقبل مستقر. وهذه ليست مهمة نخبة بعينها، بل مسؤولية جماعية وقيادة حكيمة ووازنة محلياً ودولياً. تبدأ بإدراك خطورة اللحظة، وتنتهي ببناء إرادة وطنية قادرة على تحويل الألم إلى أمل، والصراع إلى فرصة لإعادة التأسيس.


