مشروع الجزيرة والرأسمالية الطفيلية الاسلامية الرثة (رطاس) “2 – 4”

  • 03 مايو 2017
  • لا توجد تعليقات

   صديق عبد الهادي  

(1)

إنه، ومن مدخل ضرورة النظر الى الجذر عوضاً عن الاكتفاء بالوقوف على الظاهرة فقط، نجد انه لابد من الإشارة الى حقيقةٍ في غاية الاهمية، وهي تتمثل في الحُلم الذي كان يراود طلائع الاسلام الحركي او الاسلام السياسي في السودان في أن تكون حركتهم ليست ذات ثقل إجتماعي وسياسي فحسب، وانما لتكون ذات ثقل إقتصادي، يفتح لها الطريق لتصبح الكتلة الثالثة بعد الأمة والحركة الاتحادية بكل فصائلها، بل ولتتسنم مكانة الإتجاه او التيار الرئيس بين الثلاث، فالرسوخ الإقتصادي هو شرط تحقق الثقلين الآخرين، الاجتماعي والسياسي. وهو ما يظهر جلياً حين النظر في حالة طائفتي الختمية والانصار، بإعتبار أنهما الحضنان اللذان خرجت منهما الحركة الاتحادية والأمة، وليس ذلك وحسب وإنما تعهدتاهما بالرعاية، وبتوفير الاساس الاقتصادي المطلوب. والذي أعطى الأمة والحركة الاتحادية زخمهما السياسي المتحقق، ووضعهما الإجتماعي المتجذر، واللذين وضحا في تأثيرهما في عموم الحياة  في السودان.

لم يتطلع مفكرو الاسلام الحركي الى تخطي الامة والحركة الاتحادية فقط، وإنما كانوا يفكرون ويعملون جدياً لاجل وراثتهما، ولاجل الحل محلهما في قيادة التغيير الاجتماعي وفق برنامجهم الذي يعتقدون بأنه يتقاسم المنطلق والارضية المشتركة معهما ولكنهم، اي في الاسلام الحركي، يتفوقون عليهما بكونهم الاكثر وضوحاً ومناجزةً!، أو كما يزعمون!. وفوق ذلك يعتقدون بأنهم المؤهلون أكثر، لان قوام حركتهم، هم المتعلمون والأكاديميون والمهنيون. وكثيراً ما كانوا يتباهون بذلك!.

(2)

في تاريخ الاقتصاد السياسي للسودان، وفي مسيرة نشوء الرأسمالية بشكلٍ عام، وليس على وجه الدقة الصارمة، إرتبطت الحركة الإتحادية بشريحة الرأسمالية التجارية والأمة بشريحة الرأسمالية الزراعية. أما حركة الإسلام السياسي فهي التي “صنعتْ” الرأسمالية الطفيلية وإرتبطت بها وبدون فكاك، اي اصبحت ممثلةً لها. فإذا كان الأساس الإقتصادي هو شرط إتساع النفوذ السياسي والتأثير الاجتماعي، كما اسلفنا القول، فقد توفرت حركة الاسلام السياسي في السودان على تلك القاعدة الإقتصادية المطلوبة. وذلك حينما تلازم النهوض الاقتصادي للاسلام الحركي وإزدهار عائدات البترول في منطقة الشرق الاوسط، نتاجاً للازمة الشهيرة في سبعينات القرن المنصرم، والذي على إثره انتشرت المؤسسات المالية الاسلامية التي قادت ذلك النشاط الرأسمالي الطفيلي، وقد كان الاسلاميون في القلب منها، بل و كانوا محركيها الاساسيين.  كان السودان احد مراكز ذلك النهوض الاقتصادي الإسلامي الطفيلي، حيث إحتضن بنك فيصل الاسلامي وشركة التامين الاسلامية وغيرها من مؤسسات المال والاستثمار الاخرى، التي وضعت القاعدة الاقتصادية الصلبة، تلك التي فرخت الرأسمالية الطفيلية الاسلامية (رطاس)، وتوابعها من الفئات الطفيلية الرثة.

ومن سخريات القدر أن القوى الاجتماعية من شرائح المتعلمين والاكاديميين والمهنيين، اي الصفوة التي كان يتفاخر بها الاسلام الحركي في وجه الآخرين، اصبحت هي القوام الحقيقي لطبقة راس المال الطفيلي الاسلامي الجديد، واضحت المعين الاجتماعي الذي يرفد الراسمالية الطفيلية بطلائعها وقادتها ومفكريها ومنظريها، بل وبنشطائها. وذلك امرٌ، بالقطع، وبمنطق كل قوانين التطور الإقتصادية والإجتماعية والسياسية، يمثل إنتخاباً طبيعياً. وقد مثَّل كل ذلك منحاً جديداً في تطور القوى الدافعة وراء حركة راس المال في السودان. إنه، وعند هذا المنعطف، تحديداً، بان الحد الفاصل والواضح بين الرأسمالية الطفيلية الصاعدة و”المصنوعة” وبين الرأسمالية الوطنية التي ارتبط تطورها الطبيعي بتطور الاقتصاد في البلاد.

عليه، فهكذا حسم الاسلام الحركي في السودان امر العامل الإقتصادي، والذي اقامه على اساسٍ مشوه، وهو مما كان يعني وبالضرورة ان يقوم “النفوذ السياسي” المترتب عليه، هو الآخر، على ارضية مشوهة، فلذلك كان لابد من إعتماد الإنقلاب على السلطة كوسيلةٍ وحيدةٍ فاسدةٍ، لا فرار منها. كما وانه كان يعني ايضاً، ومن الجانب الآخر، ان يتم توطيد “التأثير الاجتماعي” عن طريق وسيلةٍ اكثر تشوهاً، وقد كان، إذ تمَّ تبني العنف والإرهاب بشكليهما التشريعي والجسدي، بل ولأبعد من ذلك تمَّ تبني وتقمص ما هو اكثر نازيةً، فكراً وروحاً وسلوكاً، وهنا يقف تأسيس “وزارة التخطيط الاجتماعي”، في اوج لحظات ذلك الهوس وغيبوبة السلطة تلك، مثالاً حياً  على ذلك!.

فهكذا إكتملت، بالنسبة للاسلام الحركي، دائرة ومعادلة ما هو اقتصادي واجتماعي وسياسي، وعلى ذلك النحو المشوه، ليتحقق تطلع مفكريه ومنظريه في ان يصبح الاسلام السياسي، ولوحده، القوى الإجتماعية النافذة والمسيطرة على البلاد!. وتلك واحدة من وقائع التاريخ الصلدة، الشاخصة والأكثر مرارة!.

(3)

تركز نشاط الاسلام الحركي قبل إنقضاضه على السلطة في عام 1989 في المجال المالي، بنوك، تأمين….الخ، وذلك لسببين، الأول هو ان القطاع المالي وبطبيعته يوفر مناخاً ملائماً لإزدهار النشاطات الطفيلية ويسهل من سبل تغطيتها، وحيث يصعب تتبعها، لأنها من الممكن ان تعمل تحت واجهات ومسميات عديدة، كالقروض الحسنة مثلاً، والتي كانت تمثل اداة فسادٍ فاعلة، تم توظيفها بكفاءة لاجل الحاق جزء كبير من قطاع الاعمال التجارية بالحركة الاسلامية!.

واما السبب الثاني فهو أن القطاع المالي يوفر، بحكم طبيعته ايضاً ومرونة الحركة فيه، إمكانياتٍ كبيرة لتسريع عملية التراكم الرأسمالي. ولذا كان هذا هو القطاع الذي مثل الكنف والحضن، الذي ترعرعت وشبت فيه شريحة الرأسمالية الطفيلية الاسلامية (رطاس).

لم ينتقل النشاط الرأسمالي الطفيلي الاسلامي، وبشكلٍ جادٍ ومحموم، إلى القطاعات الإقتصادية الأخرى إلا بعد أن استوى عود تلك الشريحة وقويَّ، هذا من ناحية، وأما من الناحية الأخرى عندما استولتْ تلك الرأسمالية الطفيلية  على السلطة وحوَّلتها إلى نظام شمولي عضوض. وقد كان من ضمن ذلك التحول والإنتقال في نشاطها، اي الرأسمالية الطفيلية الاسلامية، هو توجيه اهتمامها ومطامعها إلى مشروع الجزيرة والمناقل. جاء ذلك في ظروف مواتية بحق، خاصة بالمشروع نفسه ومتزامنة مع ظاهرة عالمية أخرى، ادركها الرأسمال الطفيلي الاسلامي وانتبه لها واصبح جزءاً منها بحكم إرتباطه العضوي بنشاط الرأسمال الطفيلي العالمي. وتلك الظاهرة هي ظاهرة الإستيلاء على الارض. وهو الشكل الجديد والمتطور للاستعمار لما بعد الحديث Post New Colonialism، إذا ما جاز التعبير.

………..ونتابع……..

  • خبير اقتصادي

Siddiq01@sudaneseeconomist.com

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*