“الجوع صفر”

  • 18 فبراير 2019
  • تعليق واحد

د.محمد عبدالله الريح

قبل خمسة أعوام ارسلت لي منظمة (الفاو) FAO
كتاب الرئيس البرازيلي السابق لولا دي سيلفا :

               "ZERO UNGER" 

لترجمته للعربية، وقد قمت بذلك.

وقصة الرئيس البرازيلي قصة جديرة أن تروى..

فى الثمانينات مرت البرازيل بازمة اقتصادية طاحنة..
فذهبت للاقتراض من صندوق النقد الدولى معتقده إنه الحل لأزمتها الاقتصادية..
وطبعا طبقت حزمة الشروط المجحفة،
مما أدى الى تسريح ملايين العمال وخفض أجور باقي العاملين، والغاء الدعم..!!

وانهار الاقتصاد البرازيلي ووصل الأمر إلى تدخل دول أخرى في السياسات الداخلية للبرازيل، وفرض البنك الدولي على الدولة أن تضيف إلى دستورها مجموعة من المواد تسببت في اشتعال الأوضاع السياسية الداخلية..

ورغم استجابة البرازيل لكل الشروط، تفاقمت الأزمة اكثر فاكثر..
وأصبح 1% فقط من البرازيليين يحصلون على نصف الدخل القومي..!!
وهبط ملايين المواطنين تحت خط الفقر ، الأمر الذي دفع قادة البرازيل إلى الاقتراض من الصندوق مرة أخرى،
بواقع 5 مليارات دولار، معتقدين انه الطريق للخروج من الأزمة..!!

فتدهورت الامور اكثر ، واصبحت البرازيل الدولة الاكثر فسادا وطردا للمهاجرين،
والاكبر فى معدل الجريمة و تعاطي المخدرات والديون فى العالم..
“الدين العام تضاعف 9 مرات فى 12 سنة”..!!
حتى هدد صندوق النقد باعلان افلاس البرازيل إذا لم تسدد فوائد القروض،
ورفض اقراضها اى مبلغ فى نهاية 2002..
وانهارت العملة..”الدولار وصل الى 11 الف كروزيرو”..

دولة كانت تحتضر بمعنى الكلمة..
حتى جاء عام 2003..
وانتخب البرازيليين رئيسهم “لولا دا سيلفا”.. الذى ولد فقيرا، وعانى بنفسه من الجوع، وظلم الاعتقال “كان يعمل ماسح احذية..!!

أول ما مسك الحكم الكل خاف منه..
رجال الأعمال قالوا هذا سوف ياخد اموالنا ويأممننا..
والفقراء قالوا هذا سوف يسرق كي يعوض الحرمان..
لكنه لم يفعل ذلك..

وإنما..
قال كلمته الشهيرة:
“التقشف ليس ان افقر الجميع بل هو أن تستغنى الدولة عن كتير من الرفاهيات لدعم الفقراء”..!!

وقال كلمته الشهيرة:
“لم ينجح ابدا صندوق النقد الا فى تدمير البلدان”..

واعتمد على اهل بلده..

وضع بند في الموازنة العامة للدولة اسمه:
“الإعانات الاجتماعية المباشرة” وقيمته 0.5% من الناتج القومي الاجمالى للدولة..
ويصرف بصورة رواتب مالية مباشرة للأسر الفقيرة..

يعنى بدل الدعم العينى بدعم نقدي..

وهذا الدعم كان يدفع الى 11 مليون أسرة تشمل 64 مليون برازيلى..!!

هذا الدعم كان 735 دولارًا..
طبعا السؤال من اين..؟؟ والبرازيل مفلسه ؟!!

لانه رفع الضرايب على الكل..
ما عدا المدعومين ببرنامج الإعانات..
يعنى رفع الضرائب على رجال الأعمال والفئات الغنية من الشعب..
والسؤال هل وافق رجال الأعمال على ذلك ببساطة ؟؟!!
تخيل انهم كانوا سعداء لأنه منحهم “تسهيلات” كبيرة في الاستثمار وآلية تشغيل وتسيير أعمالهم.. و”منح” الاراضي مجانا وتسهيل التراخيص..
واعطاء قروض بفوائد صغيرة..!! ساعدتهم فى فتح اسواق جديدة،
بالاضافة الى ان الفقراء دخلهم سوف يرتفع، و”تزيد” عملية شراء منتجات رجال الاعمال “فتضاعف” حجم مبيعاتهم..

لذلك لم يشعروا انها “جباية”..

بل يدفعون ضرائب مقابل “تسهيلات” اصبحوا يكسبون اكتر منها..!!

بعد 3 سنين فقط عاد 2 مليون مهاجر برازيلي وجاء معاهم 1.5 مليون أجنبي للاستثمار والحياة في البرازيل..!!؟؟
فى 4 سنوات سدد كل مديونية صندوق النقد..!!؟؟

بل ان الصندوق “اقترض” من البرازيل 14 مليار دولار اثناء الازمة العالمية فى 2008 ،
أى بعد 5 سنين فقط من حكم “لولا دا سيلفا”..!!

وهو نفس الصندوق الذي كان يريد أن يشهر “افلاس” البرازيل فى 2002 ، ورفض اقراضها لتسدد فوائد القروض..!!

بفضل تركيز “دا سيلفا” على 4 امور :
الصناعة.. التعدين.. والزراعة.. وطبعا التعليم..
البرازيل اصبحت تصنع الطائرات (اسطول طائرات الامبريار برازيلية الصنع) …

بعد انتهاء ولايتى حكم لولا فى 2011..وبعد كل هذة “الانجازات” الحقيقية..

طلب منه الشعب ان يستمر و يعدل الدستور…
رفض بشده وقال كلمته الشهيرة:

“البرازيل ستنجب مليون لولا.. ولكنها تملك دستورا واحدا “..

و ترك الحكم..!!؟؟

والبرازيل دشنت اول غواصة نووية ( 5 دول فقط فى العالم تصنع غواصات نووية امريكا – روسيا – الصين – بريطانيا – فرنسا)..
اول غواصة كانت بالتعاون مع فرنسا.. ولكنها ستدشن الغواصة التانية فى 2020 والثالثة فى 2022 بصناعة برازيلية خالصة..!!

النهوض من التخلف ليس مستحيلا.. انها “إرادة” و”إدارة”..

ويحدث فى سنوات “معدوده” فقط..والطريقة “معروفة” ومحددة :
الصناعة.. والزراعة.. والاهتمام بالفئات الفقيرة المنتجة.. و”جودة” التعليم..

وهذا ما عملته المانيا واليابان فى الستينات،

وهذا ما عملته دول شرق اسيا فى الثمانينيات..

وهذا ما عملته الهند فى التسعينيات..

وهذا ما عملته تركيا والبرازيل فى 2003..

وهذا ما تعمله الآن اثيوبيا ورواندا منذ 2000..!!

رد واحد على ““الجوع صفر””

  1. يقول فهد العثمان:

    نحن ان شاء الله سائرون على الطريق .. نحن نملك الإمكانيات .. لكن يجب أن ندرس و نتعلم من تجارب الآخرين ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*