كلام عابر

في وداع رجل شجاع

  • 31 مايو 2017
  • لا توجد تعليقات

عبدالله علقم

ضمت إحدى الاستراحات في حي الفيصلية في مدينة الدمام أمسية الخميس 18 مايو2017م لفيفا من أبناء السودان تكريماً ووداعاً للشاب الجميل المهندس آدم عبدالمكرم في مناسبة عودته إلى أرض الوطن والفكاك من أخطبوط الغربة، وامتدت هذه الاحتفائية التي أقامتها رابطة مشجعي المريخ إلى الساعات الأولى من يوم الجمعة.
تميز المهندس الشاب آدم في أوساط السودانيين في المنطقة الشرقية بطيب المعشر ومخزونه الثقافي والمعرفي الوفير وإسهامه النشط في الشأن العام، وعرف أكثر برؤيته المتقدمة الخالية من الجهوية والعنصرية لأزمة دارفور التي ينتمي إليها، وربطه انفراج الأزمة بانفراج أزمات كل الوطن، فلا عجب أن كان الحاضرون يمثلون مختلف الأطياف السياسية والاجتماعية وسط مجتمع السودانيين.
تلك الاحتفائية المبهجة بددت شيئاً من الوحشة المستوطنة، بما صاحبتها من أغانٍ وعزف رشيق على الأورغن، لكن الفرح والحزن مثل الحياة والموت وجهان لعملة واحدة. (خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا).
صدمت حقاً حينما علمت أن أخي بدرالدين محمد عمر أبو أنس طريح الفراش في قسم العناية المركزة في مستشفى الروضة المستشفى منذ عدة أيام، وأنه سيغادر المستشفى في الساعة الثانية والنصف من صباح الجمعة للمطار مباشرة للسفر إلى السودان بعد أن تمكن منه الداء الخبيث. غادرت الاحتفائية، وذهبت إلى المستشفى حيث جلست في الانتظار بعض الوقت في صالة الاستقبال في قسم العناية المركزة الذي لا تسمح إدارته بدخول الزوار.
خرجت الممرضة من داخل القسم وهي تدفع أمامها الكرسي المدولب بتمهل وحرص. حاول أبو أنس عبثاً بشجاعته المعهودة ووسط رائحة الموت، حاول أن يهون بكلماته الأمر على الحاضرين الذين غلب عليهم الصمت، وعصف بهم الحزن. تعالى على أوجاعه فشكر بأنفاس لاهثة طاقم قسم العناية المركزة على عنايتهم به في الأيام الفائتة، ثم حملته السيارة بعد ذلك إلى المطار. قبيل شروق الشمس أقلعت طائرة شركة ناس متجهة نحو الخرطوم. الموت والحياة على جميع الأصعدة، مظهران متعارضان مثل الفرح والحزن، ولكنهما في الوقت ذاته متكاملان لسيرورة كلِّية واحدة.
كان لدي ليلتئذ أكثر من سبب للإحساس بالحزن الشديد. تملكني إحساس عميق بالذنب لعدم علمي بدخوله المستشفى، وتقصيري في التواصل معه خلال الأسابيع السابقة. حزنت لرؤية ذلك العملاق الشجاع وهو بتلك الحالة من الوهن. جمعتني به قبل نحو أربعة عقود من الزمان زمالة العمل في هيئة السياحة والفنادق، وفي الهيئة نفس جمعتني به اللجنة التنفيذية لنقابة الموظفين أيام كانت هناك نقابات للعمال وللموظفين حقيقية وفاعلة.
كان بدر الدين من خلال مهنة المحاسبة حرباً على التسيب والفساد مهما صغر حجمه، رغم أن وظيفته كانت آنذاك صغيرة مثل سنه. في اجتماع عام ضم موظفي هيئة السياحة والفنادق بحضور الجنرال الباطش رئيس مجلس الإدارة للتفاكر في قضايا الهيئة وقف بدر الدين ليقول في شجاعة منقطعة النظير: إن من الممارسات الفاسدة هي ذهاب الأموال المتحصلة من رسوم الخدمة الخدمة في الفنادق، وهي 10% على كل فاتورة وتعرف باسم (tips) تذهب لغير مستحقيها. هي مخصصة كما هو معروف عالمياً لمن يقدمون الخدمة لزبائن الفنادق فقط، وليس لغيرهم. عندما سأله الجنرال من هم غير المستحقين الذين تذهب إليهم هذه الأموال.. لم يتردد بدرالدين في أن يقول له إنه، أي الجنرال، يأتي على رأسهم، ثم أورد له أسماء من بينها نائب المدير العام للهيئة. بهت الذين كفروا، وأسقط في أيديهم وانفض الاجتماع وسط وعيد الجنرال بالويل والثبور وعظائم الأمور، ولكن بدر الدين كان أكثر ذكاءً منهم عندما كونوا لجنة عاجلة للتحقيق معه وليس لمعالجة الخلل، فاعترض على التحقيق الإداري لأن الاجتماع تم تحت مظلة الاتحاد الاشتراكي التنظيم الحاكم الوحيد يومها، وهي الجهة المعنية بما قاله، وبما يجب فعله. لم يستطع الجنرال الإطاحة به بمثل السهولة التي أطاح بها من قبل بلجنة تنفيذية كاملة لنقابة موظفي الفنادق بمسمى التطهير سابقاً أو ما يعرف بالصالح العام في أيامنا هذه (كانت هيئة السياحة والفنادق ومن قبلها المؤسسة السودانية العامة للسياحة والفنادق وهما مسميان للكيان نفسه، كانت تتكون من إدارة السياحة وإدارة الفنادق)، ولم يكن الجنرال راغباً في ابتدار معركة مع التنظيم السلطوي لا تؤمن عواقبها، مع أن بدرالدين لم يكن له انتماء سياسي في يوم من الأيام. انحيازه الوحيد في حياته هو إلى المال العام، وحمايته من الأيدي الخبيثة.
كانت جوبا هي محطة بدرالدين التالية فقد نفوه إلى فندق جوبا (كانت الدولة ممثلة في إدارة الفنادق تمتلك وتدير الفندق الكبير، وفندق السودان في الخرطوم، وفندق جوبا، وفندق البحر الأحمر). زرت جوبا في مهمة عمل في أوائل عام 1980م، فقال لي إنه سعيد بوجوده في جوبا؛ لأنه يتقاضي بدل سفرية، ويتمع بإقامة مجانية كاملة في سكن الموظفين الملحق بالفندق، ويوفر كله راتبه. قلت له إنه يتعين عليه الحذر، وألا يعلم القوم بما هو فيه من راحة بال ورغد عيش، حتى لا يعيدوه إلى الخرطوم.ولكن الرجل وجد أن الفندق كان مستباحاً لصفوة جوبا من قيادات حكومة الإقليم الجنوبي التي اتخذته مكاناً اثيراً للسهر والأكل والشرب على حساب الدولة بموجب فواتير لا تسدد، ولا يتجرأ أحد على الإلحاح في المطالبة بسدادها بحكم الجو السياسي السائد تلك الأيام، والذي يقتضي التغاضي عن انتهاك المال العام في الجنوب.
ولأن جينات بدرالدين لا تمل من المعارك الصعبة، ربما متجاوزاً في ذلك مدير الفندق، فقد عمل جاهداً على تحصيل أموال الفندق لدى الجهات الرسمية في جوبا، ومنع السهرات المجانية، ونجح إلى حد كبير، ووصل بمساعيه إلى السيد أبيل الير رئيس حكومة الإقليم الجنوبي، وهو رجل عرف بطهارة اليد والشجاعة، فكان عوناً كبيراً لبدرالدين، ولم يقم بحماية معاونيه الفاسدين. لكن، كما كان متوقعاً، ضجر سادة جوبا من بدرالدين، وكان من الطبيعي والمتوقع أن تنهى مأموريته، وأن يعود من جديد إلى رئاسة إدارة الفنادق في الخرطوم. لم يلبث طويلًا هناك، وهاجر للمملكة العربية السعودية، حيث وجد فرصاً طيبة للعمل.
فيما يبدو ورث بدرالدين الشجاعة في قول الحق من والده. حدث أن منع والده من السفر إلى مصر أكثر من مرة، فيضطر إلى تأجيل سفره ومراجعة الجهات المختصة في الشرطة ليسمحوا له بعدها في السفر. ضاق والده ذرعاً بهذا الاجراء في كل مرة، فسأل الضابط المختص إن كان اسمه مطابقاً لاسم شخص ممنوع من السفر، فأجابه الضابط بأن اسمه مشابه لاسم محمد عمر بشير، وهو ممنوع من السفر. سأل الضابط إن كان ذلك الشخص الذي يشابهه في الاسم هو البروفيسور محمد عمر بشير الأستاذ في جامعة الخرطوم. فرد الضابط بالإيجاب، فاندفع قائلا: “بالله عليك انتو مش مغفلين؟ صورة البروفيسور محمد عمر بشير مالية الجرايد..ما شفتوها؟ ياخي أنا سواق تاكسي، ومكتوب كدا في الجواز. إيه اليلمني مع بروفيسور؟”.ابتلعوا غضبته، وعالجوا الخطأ. كانت الشرطة في تلك الأيام لا تزال تتمتع بالمهنية، ولا تنتهك كرامة المواطن، ولا تحفل بما في جيبه.
جمعني العمل معه من جديد عام 1985م في مدينة الدمام في شركة زراعية مساهمة عامة كانت قيد التأسيس، عندما قدمني إلى مديرها العام أو توسط ووزكاني له فانتقلت من الرياض للعمل في الشركة الجديدة مسؤولاً عن التسويق والمبيعات، فيما كان هو مسؤولاً عن الشؤون المالية. معارك بدرالدين ضد المخالفات المالية لم تنته في السعودية. لم يلجأ لما يتبعه كثيرون من الأجانب العاملون في هذه الديار، وهو مفهوم”أنا مالي؟ دي مش بلدي” كان نهجه المنضبط في التعامل مع مال الشركة المنكوبة التي تعاقب عليها مديرون بلا موهبة يجر عليه المتاعب. في مرة من المرات دفع إليه مدير الشركة بفواتير بآلاف قليلة من الدولارات هي تكلفة فحوصات طبية أجراها في سويسرا. ذهب المدير إلى سويسرا مع مجموعة من مسؤولي الشركات الزراعية بدعوة من شركة مواد زراعية وكيمائية لغرض الترويج لمنتجات الشركة السويسرية، وكان مدير شركتنا يدعي أنه سافر لحضور مؤتمر. لم يكن الرجل فاسداً، ولكنه لم يكن يمانع من ارتكاب الممارسة الفاسدة لمصلحته بيد شخص آخر. بدرالدين رفض صرف مبلغ الفاتورة؛ لأنها تخالف أنظمة الشركة، وشروط خدمة المدير العام، ولكنه لا يمانع في صرفها اذا تلقى تعليمات كتابية من المدير.
صرف الرجل النظر عن مبلغ الفاتورة ما دام ذلك سيحمله مسؤولية مباشرة. يومها اشتكي لي المدير، وهو كان محباً لتناول “سيرة” خلق الله لدرجة المرض، اشتكي من تشدد بدر الدين، وأردف قائلا إنه يصبر عليه، ويستحمله؛ لأنه أمين، وحريص على أموال الشركة.
اضطر بدر الدين إلى ترك العمل في الشركة بعد أن أصبحت بيئة عملها طاردة، ولحقت به بعد فترة قصيرة. عمل بعد ذلك في مناصب مالية مرموقة في بعض الشركات ولكن “تشدده” كما يسميه البعض في الحرص على أموال الشركات كان يجر عليه غضب المنفلتين المتنفذين. في سنواته الأخيرة أقعده المرض عن العمل، وكان دائما يتقبل المرض والابتلاء بصبر المؤمنين. أمر محزن ألا يجد بدرالدين وأمثاله مكاناً في وطنهم.
في يوم الثلاثاء 23 مايو، وبعد أيام قليلة من عودته إلى الخرطوم رحل الرجل الشجاع النزيه إلى جوار ربه الكريم. كان رغم هالة الجدية والانضباط يتمتع بقدر كبير من خفة الروح والمرح، وكان كريماً وشهماً ومبادراً لمساعدة الآخرين، فوق أنه كان متديناً بلا تشدد، وأحسبه عند الله تعالى من الكاملين بمقاييس الكمال البشري.
الكاملون من البشر كثر، من حيث كمالهم في الصفات الإنسانية التي مدحها الله، وأثنى على أهلها، وهي: العلم والجود والاستقامة على دين الله، والشجاعة في الحق، وغير ذلك من الصفات العظيمة.
قمة الكمال البشري أنبياء الله، وقمة قمم الكمال البشري خاتم الأنبياء المرسلين عليه أفضل صلوات الله وسلامه. أما الكمال المطلق في جميع الصفات فهو لله وحده، ليس له في ذلك شريك ولا مثيل. ونحن في هذا الشهر الكريم أدعو الله أن يجعل قبر أبي أنس روضة من رياض الجنة، وأن يرحمه مثلما كان رحيماً بعباد الله، ومحباً لهم، ومبادراً لقضاء حوائجهم، وأن يسبغ البركة على أنس وإخوته.
يرحمنا ويرحمه الله.
khamma46@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*