بري: استباحة كاستباحة كتشنر لأم درمان

  • 04 مارس 2019
  • لا توجد تعليقات

د. عبد الله علي إبراهيم

وصفت لكم في كلمة الأمس يوم الهول في البراري في 26 فبراير. فروعت الحكومة الحي بقوة غاشمة قوامها بين 1200 إلى 1400 فرد من الشرطة وقوات الدعم السريع على 132 عربة تاتشر بلوحات وغير لوحات. واستباحته بما يعيد للأذهان ترويع كتشنر لمدينة أم درمان بعد “كسرة” المهدية. فأطلق يد جنوده في المدينة لثلاثة أيام لتصفية حسابات قديمة؟ وخفت يدهم في ممتلكات الأهالي حلالاً بلالاً مما حكى عنه بابكر بدري في “حياتي”. وهذه تذكرة بأن نحطم، متى نجحت الثورة، الدولة المورثة عن الاستعمار. فالدولة عندنا ما تزال كتشنرية جرى تصميمها لطبقة حاكمة فوق رعايا لا مواطنين. ولا يغرنك أن الطبقة الحاكمة الآن من بني جلدتنا. فهم بالفعل كذلك ولكن دولتهم كتشنرية في صميمها لم نفككها بالاستقلال. بل هي أضل سبيلا. فمما يزيد من سعار هذه الطبقة الحاكمة وتوحشها المشاهد أنها بالفعل “وطنية” وتعرف ذلك عن نفسها ولكنها أجنبية بواقع بنية حكومتها. وهذا يؤذيها ويصيبها باللوثة. وقال البروف عبد الله الطيب عنها إنها هي الإنجليز ذاتهم وصفاتهم قاموا “بعاتي له خنخنة”.

لو كانت للإنقاذ ذرة من وطنية لعرفت مقدار الحي الذي أطلقت سعارها وأوغادها عليه. فبري حجر أساس المدينة. ويشبه حي الداخلة، موطني، في عطبرة في خلاسيته كونه قرية تآخت مع المدينة فجمعت الحسنيين. فأهله من الهاشماب سدوا خدمة الوطن في المهدية وأذكر في التعليم الحديث منهم أستاذي أحمد هاشم الذي جاءنا في عطبرة الثانوية ثم قرأت أنه كان ناظر الفاشر الثانوية حين طلب الشهيد أحمد اقرشي العلم فيها. ومنها عبيد حاج الأمين رفيق على عبد اللطيف في إنشاء جمعية اللواء الأبيض وثورتها في 1924. وحملت خدمة القضاء بعض أهلها إلى أقاصي السودان: القاضي محجوب إسحاق، والقاضي أحمد المدني وابنه القاضي العدل مبارك المدني، ومجذوب كمال الدين، ورفيقنا البُداني. وسدوا الخدمة في الحسابات والترجمة والعلاج بسائر قرى السودان ومدنه.

واشتبك تاريخ بري بالوطن اشتباكاً خصيباً مفعماً خرج لنا بالشابات اللائي تتعقبهن جندرمة البشير هذه الأيام لوأد عافيتهن الإنسانية والوطنية. فكندكاته الأول من مثل سكينة بت أد عالم ونور محمدين خرجن للمعرفة والنضال من أشواق لتحرير المرأة على صفحات مجلة “النهضة” (1931) التي أصدرها رجل من بري هو محمد عباس أبو الريش وأدارت نقاشاً ساخناً حول تعليم المرأة. اصطرع فيه الشاعر محمود حمدي (والد عبد الرحيم حمدي وإخوانه) مع والده على حمدي، الذي كان يكتب باسم “رجعي” ينقض دعوة ابنه لتحرير المرأة. وكان خليل فرح قد سبق حتى مجلة النهضة بمقال في جريدة الحضارة (1919) أذاع فيه فكرة جريئة حول تعليم المرأة وتحررها اللذين يتحرج منهما المحافظون حتى في يومنا هذا. فكتب يقول: “يتساءلون عن مصيرها متى تعلمت كاتبت حبيبها وشمخت عن أخوتها وأهلها . . . وما التعليم إلا كالغيث يمطر بقعاً فتنبت هذي حنظلاً وتلك قثاء وليس الذنب للمطر. وما كاتبت حبيبها لكن شُبه لهم ضل قوم ينشدون الحجاب وظنوه عصاة في يد الرجل يزجر بها المرأة أو ثوباً يسدل عليها أو بيت يسجنها فيه، ولا حجاب لمثلها إلا ما نسميه شركاً أو قفصاً”. واستنكر أن نشتم الطفل بقولنا “يا ابن المره” في معرض استحسانه تربية المرأة للطفل. وأيد الخليل في دعوته جماعة منهم الدكتور علي باخريبة الذي ناسب ابنه مامون بعض أهل بري وسكنها. وأردف الخليل قائلاً بالشعر: 
يلا يلا المدرسة سادة غير اساور غير رسا
أسأليهم أهل الهندسة الدنيا دايره ولا مسدسة

واشتبك حي بري بفدائية وسخاء بأوجاع الوطن. فلو نظرت الجندرمة التي سلطها البشير حيث هي من السفارة العراقية لرأت دار أل محمدين وربما بقية الدكان الذي كنت القى فيه العقيد طيار مختار محمدين الذي استشهد في طلعات مخاطرة بالطائرة فوق سماء الناصر ليزود حاميتها بما يقويها على الحصار الذي ضربه عليها الجيش الشعبي لتحرير السودان. وكان محمدين هو المرشح القوي ليكون على رأس انقلاب الجبهة الإسلامية القومية. وبكيناه في بري لشبابه الذي انطفأ معجلاً ولشجاعته مضرب المثل في التضحية. وأذكر حرصي على حضور تأبينه في نادي بري بين صفوف تراصت من ضباط القوات المسلحة.

وليس محمدين بشهيد أل ممدين الوحيد في الجنوب. فقد روى ابن اخته راشد عبد الرحيم في كتابه “شجن الجنوب” عن مقتل خالته أم الحسن وزوجها محمد عثمان حاج الأمين خلال “تمرد” الفرقة الجنوبية عام 1955 في توريت. فأملت الشهامة على صول البوليس الجنوبي، لاتوكا لودنقي، وقد رأى الموت يحدق بالشماليين في المدينة، نقلهم إلى السجن لحمايتهم من الجند الثائرين. وبعد يومين جاء الجنود المتمردين إلى لودنقي وطلبوا منه فتح باب السجن لقتل من فيه. ولكنه رفض. وقال إنهم في عهدته ولتكن البداية به قبلهم. فرجعوا. وعادوا بمدفع برين فتحوا به باب السجن بعد تفجير ثقبه. واستمر الضرب لساعتين. ولما انتهى الضرب طلب الصول ممن تبقى منهم دفن الموتى في حفرة واحدة وحمل الجرحى للمستشفى. وجاء القسيس “سيريانو” الإيطالي وأشرف على العناية بالجرحى ثم وفر لهم الطعام من داره. وكان أكثر القتل في النساء بطلب من الرجال إذا قالوا اقتلوهن قبلنا خوفاً عليهن من الاغتصاب. ولو لم أغفر للرئيس سلفا كير أمراً كان أنه رسم يوم هذه المقتلة عيداً وطنياً لقدامى المحاربين. وكتبت يومها أقول له كيف تكرم محاربييك القدامى بيوم لم يقتل فيه سوى المدنيين؟

هذا غيض من فيض المفاتن السياسة والاجتماعية والإنسانية لهذا الحي الذي تربص به البشير وجندرمته يوم 26 فبراير المنصرم. ابتلى الله بري بالحداثة (في مصطلح حسن الترابي) فأحسنتها وخرج منه رجال ونساء كثير سدوا خدمة للوطن واسدوا له معروفاً كبيرا. فكأنك تقلب صفحات من أنصع صفحات تاريخنا حين تطوف باباً فباب ببيوت بري العابقة بالطهر والأريحية.


IbrahimA@missouri.edu

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*