معاً لنـرفـع رايــة استقلالنـا!

  • 05 مارس 2019
  • تعليق واحد

محمد آدم الضي (الشريف)

(1)
سقط اللواء …! بعد أن أبلى الرعيل الأول بلاء منقطع النظير في استرداد الراية وانتشال الوطن من نير المستعمر الدخيل… الرعيل الذين قدموا التضحيات وبذلوا نفوسهم ودمائهم الزكية رخيصة فداء للوطن، حتى رفعوا علم السودان مجددا … العلم الذي ظل عالياً خفاقا يرفرف على سارية القصر، شاهدا على ذلكم التاريخ المجيد، والبطولات الخالدة، وكبرياء الآباء الذين رفضوا الزل والهوان …
سقطت الراية على أيدي الغزاة المستعمرين الجدد! وداست عليها سنابك خيول المغول!
فمن هم المستعمرون الجدد؟
ليس غيرهم … انهم من قال فيهم الأديب الطيب صالح قولته المشهورة: (من أين أتى هؤلاء؟)، وحق له أن يتساءل.
(2)
هنا نحن وقد جرَّبنا حُكمَ الإسلاميين! وصدقت نبوءة الشهيد محمود محمد طه …
لقد اكتشفنا أنهم ليسوا من الدين على شيء! وأنهم ليسوا حريصين على الدين، بزعمهم، وأنهم ليسوا من الإيمان في شيء، إذ ليس المؤمنُ بطَّعَّانِ ولا لعَّانِ. ولا فاحشِ ولا بذيءِ. وأنهم ليسوا بمسلمين إذ أن المسلم مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ.
اكتشفنا أنهم أسوأ عصابة مارقة تحكم الوطن باسم الدين على الاطلاق… بطشت ونكلت بالناس! أنهم أسوأ من أي نظام استعماري حكم سودان … أنهم أسوأ من الاستعمار التركي-المصري الخديوي، وأسوأ من الاحتلال الثنائي، البريطاني المصري، أو الإنجليزي الصرف …
إنهم المستعمرون الجدد …
لذا يجب على الشعب إجلاؤهم! هم وأتباعهم من الأَرْزَقية من أحزاب التملق والتزلف، ومعهم علماء السلطان.
(3)
إن المواطن السوداني لم يتجرع إذلالاً، ولم يقاسي قهرا، ولا ازدراء، ولا صلفا، ولا عنجهيةً متعمدةً، بخطة مسبقة، ولم يتعرض للظلم والقسوة والامتهان والإفْقارِ المتعمد في كل تاريخه العريق، مثلما تجرع وقاسى وتعرض وذاق على أيدي أصحاب المشروع الحضاري … لقد تفنن الإسلاميون، وباسم الدين، في ابتكار أنواعاً شتى من وسائل الإذلال والتعذيب، إمعانا منهم في الحط من قدر المواطن والنيل من كرامته، واصابته بأمراض الهدم المعنوي، والانهيار النفسي، بقتل روحه المعنوية ، ومن ثَـمَّ حرمانه من التطلع إلى آفاق أرحب من الحرية والعدالة والتنمية والمساواة والحقوق والاستقرار والرفاهية… حتى وجد هذا المواطن الطيب البسيط نفسه مدفوعاً دفعاً الى معاطن الفقر والعَوز والجوع والتسول والاستجداء والرذيلة بعد أن فقد الأمل والثقة كلياً في أن يحيى مستقرا سعيدا، ويعيش حياةً كريمةً عفيفةً وشريفة…
فمنذ أن وثبت عصابة المشروع الحضاري على سدرة الحكم، وتقلدت شئون الدولة، حتى عَمدت هذه العصابة، وفق منهجٍ مدروسٍ عُرف بسياسة التَّمْكِين، إلى توطنين منسوبيهم في الوظائف العامة، والتضيق على الآخرين، وإزاحة أصحاب الكفاءات وإحالتهم للتقاعد المبكر دون أي مبرر أو مسوق قانوني…
فتحت فرص السوق والاستثمار والتجارة والتوظيف لأنصار النظام الحاكم وغيرهم من المُتَزَلِّفين. وقامت هذه العصابة بطرد رؤوس الأموال الوطنية والتجار غير الموالية للنظام … هؤلاء تم طردهم وإبعادهم عن سوق العمل والتضيق عليهم ومحاصرتهم… وظهرت كنتيجة للسياسة التمكين كتلٌ جديدة من الأغنياء ذوي الثراء الفاحش الحرام، فحلت محل السوق الوطني القديم، وهذه الكتل هي التي استأثرت وحدها بالمال، وبرزت معها طبقات أخرى من حكام (مواسير) ومتنفذين (سلبطة وسمبلا)، تنعمت وحدها بكافة وسائل الترف والرفاهية، لذلك أصبحت معزولة تماما عن احتياجات السواد الأعظم من الفقراء والمساكين والمعدمين…
تحكمت هذه الكتل والطبقات في كل موارد الوطن، وأقوات الناس وسبل معاشهم، وخصخصت القطاع العام، وباعت المشروعات الوطنية الكبرى (بيع عديل في سوق الله أكبر) … واحتكرت وسائل انتاج المواد الغذائية والدوائية والمستشفيات والصيدليات والتعليم الخاص والعام … وشركات الخدمات الكهرباء والمياه ووسائل الاتصالات والنقل والشحن وغيرها وذلك بتملك الشركات والمشاريع الضخمة وغيرها على حساب المواطن… وسلطت الفاقد التربوي على مراقبة التعليم العالي والبحث العلمي … وأبعدت الكوادر الوطنية المؤهلة… الى جانب سيطرة وقبضة كاملة على وسائل الإعلام الذي تخلى تماما عن رسالته المهنية ودوره في ابراز الحقيقة، فأصبح تابعا للنظام وبوقا يقول ما يمليه عليه الأمنجية… حتى صار اعلاما ممسوخا، يسبح باسم النظام، ويزخرف أكاذيب الرئيس، بل ويزيد عليها (شمارا) من التطبيل والتهريج …
(4)
هذا الكم الهائل من المظالم والضغوط النفسية أنتجت انساناً محبطاً، مكسوفاً متذللاً مدمناً لحالةِ للفقر، مسكوناً بالخوفِ …
حالة الوهن والرهق الذي يعانيه المواطن على أيدي جلاديه واختزالهم لحياته في الاصطفاف جعلته فاقدا للقدرة على الانتاج … لأنه يقضي يومه كله من صف الى صف آخر … كل وقته أصبح مهدرا، بلا انتاج، فهو إما واقفا مرتاباً في صف رغيف العيش، فاقدا للأمل في الحصول على خبز لعياله … أو في صف الوقود … أو صف الصرفات …
إن عدم قدرة رب الأسرة على الوفاء باحتياجات البيت، ومن ثم عدم قدرته على تحمل نفقات عياله بتوفير الطعام والكساء والمسكن، والدواء والتعليم والعلاج وغيرها، أدت الى حالة من الحيرة والتبذل الأخلاقي ونقص مريع في قيم المروءة والتسامح… تفشت الرذيلة، وظهرت تجارة الجنس والبغاء والدعارة بصورة لم يعهدها السودان في أي وقت مضى… استغل المتنفذون من منسوبي النظام حاجة الفقيرات والمحتاجات من بنات الشعب العفيفات، فوقَعْنَ في براثن الرذيلة والخناء… مكرهات تحت وطأة الفقر وغول الحاجة، فأصبحن فرائس وطرائد سهلة لطالبي المتعة الحرام … يصورون أجسادهن بكل سادية بغرض الابتزاز والإذلال والتحطيم المعنوي… وما أكثر البلاغات المدونة لدى الشرطة والضبطيات المختلفة!
ومن الغريب أن ظهرت حالات مهولة من اللواط والشذوذ الجنسي والمثليين وتعاطي المخدرات بين الشباب التائهين الحائرين في ظل سيطرت المشروع الحضاري … وقد بلغت هذه الظواهر السالبة حدا لم يكن متوقعا الى درجة التباهي بذلك وإقامة الحفلات والقاءات في البيوت والشقق والفنادق في أرقى أحياء العاصمة المثلثة وعلى سمع وبصر العصابة المارقة.
(5)
لم يشهد السودان حكومة بوليسية كهذه، حكومة متطرفة أمسكت بتلابيب الأمور وأقامت نفسها رقيبا حسيبا على بسطاء الناس! دولة عقيمة لا تنج الا الفساد، والخراب والنفاق والأكاذيب والوعود الخُلَّبِ والتطبيل والعداوات.
حكومة دمرت كل سياسات السودان الخارجية، وخرَّبت كافة الجسور التي بنتها الدبلوماسية السودانية الأولى، ومزقت أواصر الصداقات التي نسجتها القوى الوطنية بين السودان والبلدان الأخرى… فخسرت جوارها الإقليمي، مصر وليبيا واريتريا وتشاد … وقطعت جنوب الوطن عن شماله، كما خسرت محيطها العربي والإسلامي … وخسرت المجتمع الدولي كذلك… فأصبحت حكومة بلا صديق (ما عندها والي ولا تالي) … لم يعد لديها من الأصدقاء إلا مجرم مطلوب مُرْتاب، يوشك أن يقولَ خُذوني، أو مصاص دماء كبشار الضبع!
عاد الأعداء الذين صنعتهم الإنقاذ بنفسها أيام الهيجان الديني العميان، فمالوا عليها ميلة كسرت ظهرها، وشدوا على أطرافها، ولووا ذراعها، (حتى قال البشير الروب) فهرول الى بوتين قائلا له (أحميني من الأمريكان)، وهو ذات البشير الذي قال: (الطاغية اللَّمْريكان ليكم تسلحنا، وأن أمركا تحت جزمتي) …
(6)
عصابةٌ مارقةٌ عاستْ في الأرضِ فساداَ وإفساداً، والله لا يحب الفساد … خربت كل البنى التحتية … وحرَّضت القبائل ضد بعضها البعض … وأدارت حربا أهلية بإتقان في دارفور والنيل الأزرق وجبال النوبة وكردفان … وقادت فتنة ضالة أهلكت الحرث والنسل، قتلت وشرت وأحرقت الديار والدور… فقط لتمكن قلة من أدعياء الإسلام والعروبة، من الذين انبَتَّ نسبهم عن العرب وانقطعت أعمالهم عن الإسلام من إقامة دويلة إسلامية في مثلث صغير عرف بمثلث حمدي …
عصابة أصبحت أحلامها هواجسا، وهلعا وكوابيساً عليها… تخشى من ظلها … تأخذ الناس بالشبهات والرِّيَب… تظن كل صيحةٍ عليها … ترقص فوق أشلاء قتلاها كما رقص نيرون على حطام روما … عصابة توهمت أن الناس كلهم ضدها، فصارت تقاتل طواحين الهواء مثل دون كيشوت، أو كجاموس أهوج يتحرك في الغابة بلا دليل… حكومة تعمل برزق اليوم، ليس لديها أي بوصلة تهديها سبل النجاة من الهاوية، ولا منهج تسترشد به، ولا خطة يتبعونها لتحقيق التنمية المستدامة والاستقرار والرفاهية لهذا الشعب المظلوم… غير الصراخ والأكاذيب واستغفال الناس!
(7)
وسط كومة من الوجوه الغريبة مدفوعة الثمن، رقصَ رأسُ الهَرَجِ مُنتشياً … وجوهٌ معمرةٌ شائهةٌ باهتة، خرقةٌ خَلِقة … بدأ عليها الرهق والإعياء والتعب، ونفشت فيها الأمراض، سرطانات مختلفة تنهش لحومهم التي نبت من السحت، وتنخر في عظامهم التي نشزت وتغذت بالحرام … وجوهٌ شاخت، وذهبت ملامحُها الآدمية … وجوهٌ أخْنَى عليها الذي أخنى على لُبـَدِ… حقا من أي أتى هؤلاء؟
التاريخ يشهد بأن الدولة البوليسية والأمنية، مهما بلغت من قوة وجبروت وتمترست وراء سياجها واستحكاماتها الأمنية والعسكرية، اقتدرت على أن تحصي أنفاس الناس، وتَسُدَّ عليهم منافذ الهواء، فإنها سوف تنهار من الداخل … وتهوي عروشها فوق رؤوس الجبابرة … وأنهم سوف يقتلون بعضهم بعضا… ويهلك الطاغية، كما هلك الامبراطور الروماني، كاليغولا، جايوس قيصر، المتغطرس المجنون، بأيـدي حرَّاسه وأنصاره المقربين.

يتساقط الشهداء، فتروي دماؤهم الطاهرة ثرى الأرض فتزداد خصوبةً ونماءً وعطاءً … يتساقط الشهداء الواحد تلو الآخر … وتبقى الراية عالية خفاقة … فداءَ الوطن العزيز!
فـداك روحي أيها الوطن العزيز!

رد واحد على “معاً لنـرفـع رايــة استقلالنـا!”

  1. يقول معتصم الطيب:

    السلام عليكم ورحمة الله
    اخى ورفيق دربى واستاذنا الشريف ، منذ الاستقلال لاهل السودان غاب عنهم الاتى :
    أنهم لم ياخذوا بالاسباب :
    الأسباب لمن أحسن استخدامها: هذه الأسباب التي يقوم عليها نظام العالم من *أدركها* *وأحسن* استخدامها *تمكن* من الاستفادة من خيرات الكون مهما كان دينه وإننا لنرى أمما لا تدين بدين *واجتهدت* في معرفة *الأسباب* *وإحسان استخدامها* و *تمكنت* من مفاتيح *الانتاج والاقتصاد.* تلك الكونية ، وأما الشرعية ..يقول الله تعالى( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97)الاعراف..!
    فوا اسفا على أمة لم تاخذ بالسنن الكونية ولا السنن النوعية .فماذا تتوقع ان تكون الثمرة ، فما دون يراعك اخى الاديب هو تقرير لثمرة ما ذكرنا ، وعلى كل : جهد المقل خير من عذر المخل ،اللهم نسالك اللطف باهل السودان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*