مهازل الطوارىء (3): نظام الجور يحاكم نفسه

  • 12 مارس 2019
  • لا توجد تعليقات

رباح الصادق

في الثلث الأخير من فبراير الماضي وبعد اشتداد أوار ثورة ديسمبر المباركة والظافرة بإذن الله، أعلن رئيس نظام القهر حالة الطواريء في كامل البلاد، متذرعاً بمحاربة الفساد ومحاصرة الاتجار بالعملة والتهريب وغيرها من مهلكات الاقتصاد، ونافياً أن يكون ذلك للافتئات على الحريات التي كان وضعها أصلاً في ذيل أي تقييم موضوعي. وطبقاً لذلك الإعلان أقيمت محاكم طواريء تحاكم الثوار مباشرة بعد القبض عليهم. وقد توسع قانونيون وكتاب في تعرية الأساس الدستوري والقانوني لمنظومة الطواريء، ولكني أكتب كشاهدة على إحدى مهازل الطواريء التي تؤكد أن تلك المحاكم منصوبة في الحقيقة للنظام، والذين يخرجون مدانين منها يخرجون بقلادات شرف أنهم جلدوا أو حبسوا الجلاد بانفضاح زيفه.
في يوم الأحد 10 مارس أعلنت قوى الحرية والتغيير عن مواكب لتحدي قانون الطواريء يتحرك أحدها من أمام دار الأمة بأم درمان. وفي الواحدة تماماً بتوقيت الثورة انطلقت زغاريد وخرج البعض من الدار سائرين على رصيف الشارع، وقبل أن ينضم كل الثوار المتحفزين للموكب دخلت سيارات نظامية الشارع فاغلقته ومنها وحش حديدي دميم يحمل تنوكة وخراطيم تقدم إلى شارع الموردة وقام برش الموكب بسائل ملون، ومن ثم اندفع رسل القمع على الثوار ورفعوهم في مركبات (بكاسي) بيضاء تابعة لجهاز الأمن وعليها أعداد من الملثمين والسفرة من حملة الهراوات والعصي. ويبدو أنه لم توجه لهم أوامر موحدة، فبعضهم انهال على مقبوضيهم ضرباً وبعضهم اكتفوا باقتيادهم.
كنت ممن وقعوا بأيدي جلادين فجرة ضربوا الحبيب عبد الله محمد عبد الله وهو أنصاري عمره 87 عاماً بحرقة وهجموا عليه ينازعونه راية على قمتها الكبس والهلال رمز الأنصار ويرفرف منها علمهم ثلاثي الألوان، كانوا مغتاظين من إصراره على رفع الراية عالية فصارعوه حتى نزعوها، كما ضربوا الحبيب محمد صالح أحمد ضرباً مبرحاً لأنه تصدى لهم حماية لي من سياطهم، وقذفوه فوق البوكسي بوحشية وواصلوا السياط على رأسه وسائر جسده حتى انكسر اصبعان بيمينه، وطالتنا جميعاً سياط الغضب الوحشي، وهي مشاهد دارجة في ثورتنا كثرت ووثقت حتى أدهشت العالمين من مدى القسوة التي يعامل بها جهاز الأمن مواطنيه من بنات وأبناء الشعب السوداني المتمسكين بسلميتهم. إنها مشاهد لا جديد فيها ولكن الجديد بالنسبة لي كان مهزلة المحكمة. حيث حمل المعتقلون من أمام الدار على دفعات ثلاث وقدموا لجلسات محاكمة ثلاث قضى فيها نفس القاضي (مولانا إبراهيم حسن الطاهر) على أشخاص اتهموا بذات (الجرم) ولكن بأحكام مختلفة في كل جلسة! ومن الغرائب أن الشرطة غالطت مريم في اسمها المسجل في أوراقها الرسمية نافين أن يكون اسمها (مريم المنصورة) وبإلحاح مدهش.
في الجلسة الأولى للمحاكمات قدمت الحبيبة مريم المنصورة الصادق وثلاثة من المقبوضين معها لمحاكمة كان فيها تضارب بين أقوال الشاكي والشاهد وكلاهما من الشرطة، ورويا فيها عن الموكب روايات مغلوطة، وفي النهاية حكم عليهم بالإدانة والسجن لمدة أسبوع والغرامة مليوني جنيه وبالعدم الحبس أسبوعين. وكان أغرب مشهد أن القاضي تلقى مكالمة هاتفية أثناء الجلسة ورد على محدثه قائلاً: ما في مشكلة أبشر بالخير، فكأنه تلقى طلباً بحكم معين. يسند ذلك الاعتقاد أن القاضي المعني بحسب إفادات متابعين لم يحكم على أية امرأة منذ بدء العمل بأحكام الطواريء بالسجن، وكان دائماً يحكمهن بالغرامة، وكانت هذه هي المرة الوحيدة التي يحكم فيها بحبس امرأة. 
وفي الجلسة الثانية أعاد الشاكي الثاني وشهوده الحديث عن قفل الثوار لشارع الموردة وتعطيل السير بينما كانت مركبات الشرطة والأمن هي التي أغلقت الطريق، ومن ثم صدرت أحكام بالإدانة والاكتفاء بالفترة التي قضاها الثوار في الحبس مع دفع غرامة مليون جنيه وبالعدم الحبس شهراً. 
أما الجلسة الثالثة التي حوكمتُ فيها فتمت فيها إدانة كل من الحبيب عبد الله محمد عبد الله، والحبيب أحمد عيسى، والحبيب محمد صالح أحمد، وشخصي والاكتفاء بالحبس الذي قضيناه ذلك اليوم مع الغرامة خمسمائة جنيه وبالعدم السجن لمدة أسبوعين.
كانت المحاكمة إدانة للنظام فقد جاء في أقوال الشاكي أنه قبض علينا لأننا كنا نهتف ونقول: لا للحرامية، وحرية سلام وعدالة، ويسقط يسقط حكم العسكر باعتبار هذه هتافات ضد الحكومة. وهزأ المحامي الذي رافع عنا ضمن هيئة دفاع تفوق الثلاثين محامياً حضروا جلسة المحاكمة من ذلك سائلاً الشاكي: ما الذي يضير في الهتاف: لا للحرامية؟ وهل تدافع الشرطة عن الحرامية؟ وما الضير في الحرية والسلام والعدالة؟ وبالعموم كانت المرافعة تهزئة مستحقة للنظام ونصرة للثورة.
من جانب آخر كانت المحكمة مشهداً ثورياً باذخاً، فقد كان أول المستنطقين منا الحبيب عبد الله محمد عبد الله الذي يبلغ من العمر (87 عاما) وهو أمي لا يعرف القراءة والكتابة. وكان محامون طلبوا منا ألا نعترف بمشاركتنا في التظاهرة فذلك يساعد على تخفيف الحكم، ولكن حينما تم استجواب العم عبد الله قال: مرقنا نطالبو بحريتنا. فغصت القاعة في التصفيق، سأله القاضي، ماذا كنت تحمل يا عبد الله، قال: الراية، وسيفي وسكيني! واعترف أنه قبض عليه من داخل الموكب ومن ثم انضم الحبيبان أحمد ومحمد صالح للاعتراف. وحينما سألني القاضي ذكرتُ كذلك أني خرجتُ من الدار قبل الواحدة بدقائق وفي الواحدة تماماً بتوقيت الثورة زغردت، علامة بدء الموكب المعروفة، فصفق الحاضرون من جديد حتى طالبهم القاضي أن يكتموا مشاعرهم احتراماً للمحكمة. وفي النهاية خرجنا من المحكمة ونحن نطالب ألا يدفع أحدٌ عنا الغرامة. كان شعورنا أن النظام هو المدان لا نحن، وأننا إذ ندخل محبسه نحبسه هو في مخازيه. وبرغم أسبابنا الكثيرة للامتناع الجماعي عن دفع الغرامات وقد فصلنا بعضها في مقام آخر، لم يستجب الأحباب لمطالبنا، ولكن تبقى فكرة الامتناع الجماعي مطروحة بقوة طرحناها ويدنا في النار لا كمنظّرين من الخارج.
صباح اليوم ذهبت لزيارة مريم المنصورة بسجن أم درمان، وهو ذات السجن الذي كم زرناها فيه قبل نحو عقد زمان، كما زرناه صغاراً لنلتقي أمي رحمها الله حينما كانت محبوسة لعام في 1975م وخرجت هنيهة لتعود ومعها أماي الأخريتان وصال وحفية حفظهما الله في 1976م، وحوكمت أمي سارا عسكرياً. 
في السجن لاقيت مريم كما لاقيت ثلاث من ثائرات الامتداد المحكومات بالسجن والجلد، كان الجميع بروح معنوية عالية، قلت لهن: وددنا لو “كابرناكم وتقّلناكم”، كم شرفتونا جميعاً.. 
وتظل تلك التجربة في حد ذاتها، أو بالمقارنة مع تجارب القاضي تاج السر (دراكيولا) الذي حكم على الثائرات الشابات ذلكم الحكم النشاز، وبينهن قاصر لا يصح تقديمها للمحاكمة أصلاً، تبقى شاهداً لا يغالطه أحد على عبثية أحكام الطواريء، وتذبذب أحكامها بلا منطق منظور، كما هي شاهد على إدانة النظام فيها لنفسه. إنه يطلق للفساد والتهريب وسوق الدولار الحبل على الغارب بينما يحبسنا ويجلدنا لأننا نقول: لا للحرامية.. وندعو للحرية والسلام والعدالة.
وليبق ما بيننا
#تسقط_بس

الوسوم رباح-الصادق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*