في ذكري رحيله الـ ١٣٢

الإمام المهدي .. كاريزما القلم في صناعة الثورة (١من 3)

  • 05 يونيو 2017
  • لا توجد تعليقات

د. محمد المصطفى موسى

 

تميزت حركات التحرر الوطني وهبات التغيير التي صنعها الإنسان بإرتباط أزلي مع  الكلمة المكتوبة والتي مثلت دوماً عود الثقاب الذي تهتاج بوهجه صدور الشعوب  حينما يتغشاها الظلم والعسف ويتهددها الغزو الفكري والثقافي بشتي صنوفه فيصنع فيها الرغبة للإنتصار  لإرثها و إرادتها المسلوبة  .

لقد لقيت الكلمة المكتوبة عند الإمام  محمد احمد المهدي مفجر الثورة المهدية  احتفاءً متميزاً  سما بمقاصدها و إرتفع  بمعانيها  فأجاد توظيفها لتنظيم شعبه و توحيده حول راية موحدة لمجابهة الإستعمار  . لم  تقتصر أدبيات المهدية المنقولة علي معاني الثورة  كعمل جماهيري منظم بل تعدتها لتؤسس لمبادئ  اجتماعية و فكرية شكلت مانفستو للتغيير . من هذا المنحي  يسهل الولوج للحديث بقدر أكثر  تفصيلاً  عن كتابات المهدي  والتي أكسبها  الكاتب بأسلوبه المتجدد شكلاً  خرج عما ألفه الناس من مضمون يتماهي مع البناء النمطي لكتاب عصره .   لقد كتب الكثير من المؤرخين  عن كاريزما القيادة السياسية والعسكرية عند المهدي ولكن القليل منهم  تعرض لمحمد أحمد المهدي “الكاتب”  الذي ألهبت كلماته حماس شعبه  واستنهضته من ثري الخنوع الي ثريا الأمل .. ذلك أمر أقره  ونستون تشرتشل رئيس بريطانيا الأسبق حينما قال   :

” لم يماثل البؤس و الشقاء الذي رزح تحته السودانيون – إبان الحكم التركي- سوءً إلا معنوياتهم المنخفضة حينها .. ببساطة لم يكن أحد ليجرؤ  علي رفع السلاح علي المستوي العملي لولا مجئ  المهدي الذي وحد القبائل و نفخ فيهم روح الحماسة التي طالما إفتقدوها ” ..( تشرتشل : حرب النهر) .  وفي ذات المعني يقول  المؤرخ الوطني الدكتور ابوسليم عن  المهدي ” الكاتب ” .. :

” لقد أُوتِي  المهدي ذهناً وقاداً ومقدرة عالية علي الكتابة  وعندما قام بحركته إستمد من هذا المعين الفياض  وإستغل ما وهبه الله له من ملكة القيادة والبصيرة  النيرة فخرج عن إطار مجتمعه  وسياج عصره وسما بأسلوبه وقد بز أقرانه وفاق عليهم  وأصبح صوته الأعلي إذا خطب وقلمه الأقوي إذا كتب وحكمه الأرجح إذا  نظر فهو بغير شك إمام كتاب عصره في السودان ”  .. ويستطرد ابوسليم في حديثه عن  المهدي الكاتب : ” لست أري في تاريخ  السودان من كان له هذا التأثير البالغ في تاريخ الثقافة والفكر في السودان ” .. ( أبوسليم  : الحركة الفكرية في المهدية )..  وقد وافق ابوسليم في هذا الشأن  أيضاً مسئول مخابرات الحملة البريطانية لإحتلال السودان   السير  ريجنالد ونجت والذي كلفته الحكومة البريطانية بحكم معرفته باللغة العربية بدراسة منشورات وكتابات محمد احمد المهدي  لبناء دعاية حربية مضادة تسهل من مهمتهم في كسر شوكة الدولة المهدية .. فخلص ونجت فيما  خلص اليه :

” لا شك أن هذا الرجل ( اي المهدي ) كان يمتلك أقوي فكر و أصفي  رؤية ذهنية يمكن أن يتمتع بها إنسان في هذا البلد الذي تشتمل مساحته علي مليوني كيلومتر مربع ”    ..( ونجت: المهدية والسودان المصري )   .

اما  الأديب  والمفكر المصري الدكتور حسين مؤنس فقد  مضي بتقييمه لما قرأ لأبعد  مما ذهب اليه ونجت حينما وضع المهدي في الصف الأول  من كتاب  اللغة العربية بين معاصريه ..   بأواخر  القرن التاسع عشر بل  ذكر أنه كان  يتميز علي كتاب عصره في العالم العربي بحس ادبي واضح.. ( حوليات كلية اداب أبراهيم باشا ، المجلد الثاني ، العدد الثاني ، ص١٤٤).

لعل من نافلة القول الحديث عن أن الخلفية الثقافية والفكرية لأي كاتب هي التي تعبر تعبيراً مباشراً عن تدرجه في مراقي المعرفة والوعي . فقد كانت مصادر العلم والمعرفة السائدة  بسودان القرن التاسع عشر مرتبطة ارتباطاً  وثيقاً بحركة التصوف و الخلاوي التي نشأت في كنفها .. حيث لم يعرف السودان آنذاك تعليماً نظامياً  عصرياً متكاملاً  .  لقد شهد المؤرخون لمحمد أحمد  المهدي بنبوغ مبكّر ميزه عن اقرانه  بمختلف  الخلاوي التي تلقي  فيها العلم منذ أن  كان صبياً  يافعاً . في هذا الإطار يقول البريطاني فيرغس نكول صاحب ” مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون ” .. واصفاً الحصيلة المعرفية للمهدي : ”  عندما بلغ السابعة عشر من عمره كان قد اطلع تماماً علي كل العلوم  المعرفية الإسلامية التقليدية . فبجانب  القرآن  الكريم الذي كان أساساً مهما لذخيرته المعرفية فقد درس الفقه وفلسفة الشريعة الاسلامية . لقد إشتمل  تعليمه علي علم التفسير والحديث  كما أجاد  اللغة العربية وأتقن قواعدها النحوية وإمتدت معارفه  لتشمل   علوم الرياضيات والفلك ” ويستطرد نكول  ليصف نهم الفتي للإطلاع  والمعرفة قائلا  :

” كان التلميذ اليافع  يلتهم المؤلفات والمخطوطات المتاحة له التهاماً. بل انه نقل عدد منها   – مما جاد بها عليه أساتذته-   بخط يده   . تلك كانت أعمال لكتاب معروفين مختلفين  في زمانه أسهمت كثيراً في تشكيل الوعي السياسي والديني لديه “.. ثم يمضي نكول  ليسرد أعلام  الفكر الاسلامي الذين إطلع المهدي علي مؤلفاتهم عن ظهر قلب ومنهم الشيخ  محي  الدين بن عربي ، الشيخ أحمد بن أدريس  وشيخ الاسلام أحمد بن تيمية. وفي ذات المنحي يقول المفكر المصري الدكتور عبدالودود شلبي :

”  قبل أن يبلغ العشرين، أصاب محمد أحمد المهدي في تلك الفترة اكثر مما أصاب زملاؤه علماً وتثقيفًا . لقد أدرك  محمد احمد في تلك السن المبكرة أكثر  مما أدركه لداته  فقد حفظ القرآن الكريم وجوده ولم يفته  النحو والصرف والفقه والتفسير والتصوف و أولع بالأدب  والعلوم العقلية فدرس الفلسفة والعلوم الطبيعية والمنطق و أقبل علي التفسير فقرأ فيه قدراً كبيراً  ووجد بخطه علي ظهر نسخة من كتاب تفسير ( الجلالين) ما يفهم منه انه قرأه أكثر  من سبعة واربعين مرة علي مشائخ كثيرين. لقد عرف المهدي الغزالي و ابن رشد و  ابن سينا وغيرهم من فلاسفة المسلمين  وإحتقب معه كتاب احياء علوم الدين يعاود النظر والتأمل  فيه وكان اذا حدثته في العلوم النقلية تسمع من أساليبه الوجيزة والمفيدة ما يدعوك الي نظمه في عقد من اشتهروا بالبراعة في  هذا الفن    ” .. (د. عبدالودود شلبي: الأصول  الفكرية للمهدي السوداني) . إذن نحن  أمام صاحب قلم  توفرت له كل أدوات المعرفة بمقاييس زمانه مما خلق في نفسه إستعداداً  تلقائياً للكتابة ،   أضف الي ذلك الظروف التاريخية التي كانت تمر بها البلاد والمظالم الشعبية ضد الإستعمار التركي التي كان لها بلاشك أبلغ الأثر في كتاباته لاحقاً  عند قيامه بأمر الثورة المهدية .

 

وحينما نعمل عدسة النقد في أساليب الكتابة  باللغة العربية في عصر المهدي  سنجد  أن المشهد الثقافي كان ممتلئاً  بالجمود و نهج  التقليد كسمتين غالبتين لكتابات ذلك العصر الذي عُرف إصطلاحاً عند النقاد بأواخر عهد إنحطاط الأدب العربي  ..  في عصر كالذي مر ذكره   لن يُصعّب علي قارئ إكتحلت عيناه بذائقة التمحيص اللازم أن يلحظ بجلاء .. كيف  وسم المهدي أسلوبه  في الكتابة بميسم  التجديد في الشكل والمضمون . ففي مراسلاته الخاصة مع كبار الأمراء- علي سبيل المثال-  نجد أنه  يميل لتأسيس وتمتين الصِّلة النفسية بينه وبين قادته فبعد ديباجة حمد الله و  الصلاة  والسلام علي رسول الله التقليدية التي عادة  ما  يبدأ بها المهدي رسائله .. يدلف مباشرة للتحية الحارة عن طريق تبيان مكانة المُخاطب عنده  فيبادئه بذكر إسمه  كاملاً  مسبوقاً بلقب الحبيب  أو المكرم أو الصفىّ  ثم يعقب ذلك بالإطراء عليه والدعاء له بالخير ..  بينما يذكر إسمه  هو -أي المهدي-   مصحوباً بلقب الفقير الي الله او المفتقر الي ربه  تواضعاً  بنفسه أمام  قارئه مما يوحي للقارئ بعظم مكانة المُخاطب عنده  وذلك علي نحو ..

” الحمدلله الوالي الكريم والصلاة علي سيدنا محمد وآله  مع التسليم و بعد فمن العبد الفقير الي ربه محمد المهدي بن عبدالله  الي   حبيبه وراحة باله وصفيه في الله أحمد ود سليمان وقاني الله وإياه وحفظنا من كل ما لا يرضيه الي يوم ملقاه ” .. ولا شك أن  هذه المقدمة المتكررة في رسائل  المهدي تؤسس  لعلاقة ود خاصة بين الكاتب والمتلقي . ويكمن التجديد  بين ثنايا ما سبق  بالإستفاضة  في خلق مساحة من القبول الروحي بين الكاتب ومتلقيه  علي عكس أدب الرسائل السائد آنذاك والذي تميز بإختزال تلك المقدمة بكلمات قصار لا ترتقي بها الي الأثر  الحميمي الذي تصنعه كلمات المهدي بالمتلقي .وفي ذلك من التجديد ما يكفي لكسر الجمود والرتابة التي عادة ما كانت تكتنف النمط السردي  الممل الذي تاه فيه   بناء المحتوي الكتابي لرسائل ذلك الزمان . وفي هذا الشأن تحديداً يقول ابوسليم :

” تتميز خطبه و رسائله بكثرة الأسئلة والتعجب والسجع ومقابلة الجمل والأفكار و اللعب بالموسيقي اللفظية والتعاطف المباشر مع المستمع بتوجيه الخطاب اليه و مخاطبته دائماً بألفاظ النداء” .. ( ابوسليم : مصدر سابق ).

أما عن محتوي كتابات المهدي فنجد أنه يتباين  بناءً علي تباين ثقافة القارئ او المتلقي و الغرض الذي كتب من أجله  المنشور . فنجده مثلاً يجنح الي التبسيط و المباشرة  بالمنشورات الموجهة لمخاطبة العامة- ولو كانت عبر الأمراء-  ويضرب الأمثال المبسطة وفي سبيل ذلك قد يتغاضي عمداً عن التركيب النحوي  وقد يجنح لخلط العامية بالفصحي  لإيصال المعني للمتلقي وبالأخص حينما يندرج ذلك  في إطار وقوفه علي رد المظالم  بنفسه ومن ذلك منشوره لأحمد  ود سليمان بخصوص رد مظلمة إمرأة  تظلمت لديه :

” حبيبي..  إن العرض الذي تقدم الي الحرمة النور بنت يوسف والدة  حسن محمد ابراهيم وبه تذكر أن جميع ما بيدها أُخذ منها سوي  بهائم ضان ( فاضلة) معها الآن أخذت علي يدي عبدالقادر البشير المندوب لخدمة الغنائم بالجهة وأرسلها لبيت المال . وقد ترجت إعطاء البهائم الستة  المذكورة لها . فمن حيث أن حقوقها قد أُخذت فقد أجبتها لما طلبت بإعطاء (الستة ضانات ) للطف بها وتأليفاً لها . فبوصولها لديكم فأن وُجدت البهائم في بيت المال  فسلموها لها بذاتها و إن كان سبق المبيع فأعطها الثمن والسلام ” .. ( ابوسليم : الاثار الكاملة للأمام المهدي )  ..  فالمهدي هنا يستخدم كلمات عامية  شائعة  لتتوسط سياق المعني الذي يريد إيصاله  بإنسياب  تراتيبي مقبول  و هذا هو ما عبر  عنه الأستاذ  عبد العزيز حسين  الصاوي في سفره القيم الذي كتبه مع صديقه الأستاذ محمد علي جادين بعنوان ( الثورة المهدية ، مشروع رؤية جديدة)  حين تحدث عن   :

” قدرة المهدي علي إستقطاب الدعم الجماهيري من خلال التعبير بالقول والفعل عن الوجدان الشعبي لمتطلباته المحددة في مرحلة تاريخية معينة وفي هذا الخصوص فإن التساؤل عما إذا كان محمد احمد المهدي يتعمد الحفاظ علي تلك الخاصية بتبسيط أفكاره والإغتراف من معين التقليدية السائدة كما هي ، يظل مفتوحاً .. ففي حقيقة تراوح أسلوب  الكتابة عند المهدي بين الدارجة والفصاحة النقية مما يوحي بأنه كان يتعمد مرونة الطرح حتي من حيث المحتوي تمشياً مع إدراكه لضرورة مراعاة ما يستطيع الذهن الشعبي والحس الاجتماعي والديني السائد استيعابه وقبوله أو لا  يستطيع ” ..     وبذات الأسلوب المباشر الذي عادة ما يكون سمة كتابات المهدي  حين يتعلق الأمر بإصدار الأوامر الإدارية لرد المظالم  كتب الي محمد ود سليمان مساعد أمين بيت المال  :” حبيبي ، إن أخت  عبدالقادر ولد محمد حاج سلمان قد قلنا ان حقها يحفظ ببيت المال للأيتام ، فأنظروا  فيه مع الاخوان إن كان لهم وارث مستحق فأعطوه إرثه . و البهائم أجلبوها الي محل فيه رعية عند أمين بمعرفتكم . و قنّنوا للأولاد  كفايتهم من بيت المال و أعطوهم  في الحال ما يزيلون به ضرورتهم وسيوف الأولاد أعطوها لهم ، هذا والسلام “.. ( ابوسليم : مصدر سابق).

وفي ذات  المنحي  يذكر المهدي  في أحد  منشوراته الموجهة للعامة من الناس ..

” أحبابي ، سألتكم بالله العظيم ونبيه الكريم من كانت له مظلمة والحال أني ناسي فليطلبني بها قبل الآخرة فأني قد إتّهمت  نفسي بذلك . ومن كانت له مظلمة علي الخلفاء والامراء فليطلب ذلك  فلا يؤخر ذلك الي الآخرة حتي لا نتأخر في الآخرة عن الله بحسن اللقاء..  والسلام ” ..  ذلك  كان أهم  منشوراته في رد المظالم  والذي كُتب  بعد تحرير مدينة الأبيض  بالعام ١٨٨٣  و  هنا نراه كما فعل في المنشورات ذات السياق المماثل أعلاه  يلجأ  للتبسيط الذي يمهد لأيصال المعلومة للمتلقي بلا تعقيد، فهو كما نري يتحدث عما يريد مباشرة و دون مقدمات مطولة و بوضوح لا يترك للقارئ أي مجال لإلتباس بمقصده   . ثم يلي هذا المنشور منشور أخر  في ذات الصدد للأمير الشيخ محمد البدوي ابو صفية يرتفع فيه المهدي بكلماته لغةً  وسلاسةً ويستخدم فيه مقدراته القلمية علي المقابسة  وتزيين الكلام وتسجيعه بما يوافق مقدرات المتلقي الذي  تسمق خلفيته المعرفية بما يتناسب مع تلك الكلمات  وهو كعادته في هذا المقام يستخدم مقدمة تمهيدية  بلا إطالة  مملة قبل أن يخلص  الي الغرض من رسالته ليكسب المعني المنقول مزيداً  التماسك البياني والقدرة علي التأثير   . وقد جاء في ذلك المنشور   بعد  ديباجة حمد الله والصلاة علي النبي المعتادة :

”  وبعد فمن عبد ربه محمد المهدي الي  حبيبه ذي القرب الروحي . حبيبي، إن ما ذكرته أني خفت علي نفسي وعلي احبابي من الحبس عند الله للمسألة والمعاتبة ، و ذلك اصعب ما يكون !

فألي من يلتفت من يوبخه ويعاتبه خالقه  الذي لا ولي له سواه ؟ وكيف حاله اذا قال له يا عبد السوء أما  قلت لك ؟ أما امرتك؟ أين الجواب ؟ والعبد مزحوم بالحر والحسرة والرب عظيمٌ مهاب .

ومن المعلوم أن الناس إن كانت لهم مظلمة مني أو من خواصي يستحون ويخافون . وقد حصل الزجر من ذلك اكيداً . وقد تفكرت فيما وقع في صدري من ذلك الخوف فوجدت أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قد فعل ذلك . ووجدت أن هذا الامر  فيه أسوة به ونصيحة للنفس وخلوصاً  للرب سبحانه وتعالي ” ..    ثم يستشهد بقصة النبي (ص) مع عكاشة رضي الله عنه وموقف الصحابة معه  و يوضح ضرورة التآسي بالنبي (ص)  الي ان يقول : ” فعلي ذلك لازم أن هذا المنشور الذي بيد الشيخ محمد البدوي  يُكتب علي الحيطان والأسواق ، لنخلص مع أحبابنا  قبل يوم التلاق . فمن الدنيا الآخرة ولا آخرة الا بما حصل في الدنيا ، وهي لا نصيب فيها ،إنما النصيب نصيب الاخرة . وفقنا الله واياكم الي الصواب بلزوم السنة والكتاب واتباع النبي الآواب  الي أن نخلص مع الأحباب ، والسلام ” ..

وكما نري هنا فقد  يميل المهدي لتوظيف عدداً من الجمل الإعتراضية  ليضفي علي كلماته ما يريد من كمال المعني و إتساق المتن  ويري الدكتور  ابوسليم أت تلك هي واحدة من سمات سلاسة أسلوبه حين يقول معلقاً : ”  وعندنا أن كثرة الجمل الاعتراضية ترجع الي قوة التداعي عند المهدي والي كثرة محفوظه وتزاحم المعاني والصور في ذهنه وترابط المعلومات والمناسبات ، وإن هذه السمة تعد مصدراً  من مصادر قوة أسلوبه “..  (ابوسليم : مصدر سابق).

وفي منشوره لأمير سجن أمدرمان الأمير ود الساير يوظف المهدي ذات المقدمة التي تمهد للأمر الإداري الذي سيليها وملخصه الترفق بالمسجونين الذي يقضون فترة عقوباتهم بعد الأحكام القضائية الصادرة ضدهم  و يحث علي حسن معاملتهم وينهي عن حملهم قسراً  علي الأعمال الشاقة .. والملاحظ هنا جنوح المهدي لإقحام بعض المفردات العامية علي نحو ” المحابيس”  او “المساجين”  ليكسب كلماته التبسيط المطلوب في مثل هذا المقام .. وقد جاء فيما كتبه ..

” الحمدلله الوالي الكريم والصلاة علي سيدنا محمد وآله مع التسليم  . وبعد من العبد المفتقر الي الله محمد المهدي بن عبدالله الي حبيبه وصفيه وعونه في دين الله الساير .

حبيبي ، إن الحدود زواجر وكفارات ، وما دام  أن المراد التصفية والدلالة الي الله والنجاة يوم القيامة من عذاب الله فمن اوتي إليك به للحبس فاستعمل فيه الرفق ، فأنه ما وضع في شئ إلا زانه واجر عليهم حسب الحدود المشروعة ومن الذي يأتيك به الامر حسب الواردات الإلهية  . ومن لم يكن كافراً او جاحداً فليكن اشتغاله بالذكر والصلاة في حبسه  حتي يقضي أمره الذي فرض عليه ، ولا يصير تشغيل المحابيس الا في ضرورة لزومهم  لأن المقصود الدلالة الي الله و هي أجرها عند الله  لا عندهم كما قال تعالي لنبيه صلي الله عليه وسلم : (ام تسألهم اجراً فهم من مغرم مثقلون )  . فلا يكن في دلالتنا  الي ما يثقل عليهم من طلبنا منهم ما يعود لأنفسنا  الا ما طلبه الله منهم ، والسلام ” .. ( ابوسليم : مصدر سابق).

ويقول الدكتور ابوسليم  محللاً  تلك الأمثلة من أسلوب  الامام المهدي في الكتابة : ” عادة يبدأ المهدي كلامه بتمهيد يدور في فلك نظري ثم ينتقل منه الي الغرض المباشر الذي دفعه الي الكتابة و هو في نظرنا أهم  اجزاء الوثيقة و هدف المهدي من التمهيد هو إيجاد جو خاص او إطار عام يدور فيه الأمر  المباشر وذلك بتقديم المسببات والمبررات التي يقوم عليها الامر وهو بذلك يخلق علاقة بين الأمر المباشر وبين الأفكار العامة التي يعمل لها وبالتالي فإن الأمر المباشر يكون متفرعاً من قاعدة رئيسية فالأمر المباشر ليس قاعدة مباشرة او قاعدة طارئة او فكرة جاءت عفو الخاطر وإنما فكرة متفرعة من نظرية واسعة  ولبنة لها مكانها في البناء الكبير فالتمهيد هو همزة الوصل التي تربط بين الاّراء المثالية والقواعد العملية المباشرة وفضلاً عن ذلك فان التمهيد مجال  طيب لشحذ الفكر ” ..( ابوسليم: مصدر سابق).

ولما كانت الثورة المهدية هي هبة وطنية سودانية ضد الاستعمار التركي فنجد أن المهدي قد ركز كثيرا في منشوراته علي مقاومة عملية تتريك المجتمع السوداني  كما حرص كثيراً  علي بعث روح الوعي بالسودانوية المبكرة والتي لم تكن علي مبعدة من طبيعة الإسلام بوجهه الشعبي السوداني آنذاك ..  إحياءً   لهوية شعبه التي حاول الإستعمار  طمسها ،   لذلك فهو يطلب منهم التميز عن الأتراك في كل شئ حتي المعاش والزي والسلوك وذلك علي نحو ما كتب : “كل ما يؤدي الي التشبه بالترك اتركوه ، كما قال تعالي في حديث قدسي : قل لعبادي المتوجهين الي لا يدخلون مداخل اعدائي ولا يلبسون ملابس اعدائي فيكونوا هم اعدائي كما هم اعدائي ، فكل الذي يكون من علاماتهم ولباستهم فاتركوه ” .. وفي منشور اخر يُبين مظالم الترك و  يحرض السودانيين علي الثورة والثبات في مواجهة الاحتلال التركي حين يقول : ” إن الترك  قد وضعوا الجزية في رقابكم مع سائر المسلمين .. وكانوا يسحبون رجالكم ويسجنونهم في القيود، ويأسرون نسائكم و أولادكم  ويقتلون النفس التي حرم الله بغير حقها و كل ذلك لأجل الجزية التي لم يأمر بها الله ولا رسوله ، فلم يرحموا صغيركم ولم يوقروا كبيركم ” .. (الدكتور محمد  عمارة: تيارات الفكر الاسلامي).

وفي إطار التأكيد علي كيان السودانيين الشعبي والثقافي  المستقل  والتشديد علي هويتهم الثقافية المختلفة عن الترك نجده  يتبني طريقة المتصوفة بإرثهم الشعبي الأقرب لوجدان الجماهير  في كتابة الحروف كوسيلة متفق عليها في كتابة وثائق الدولة الرسمية بدلاً  من الرسم التركي السائد قبل المهدية .. ذلك الرسم الذي  إختلطت فيه الحروف مما أدي الي تغيير المعاني بعض الشئ ..  وفي هذا يقول :

” الحمد لله الوالي الكريم  والصلاة علي سيدنا محمد وآله مع التسليم ، وبعد فمن عبد ربه محمد المهدي بن عبدالله اعلاما منه الي جميع كتبة احكام المهدية وانصار الدين،  اما بعد فالذي نعلمكم به ان الله سبحانه  وتعالي  قال في كتابه : ( أحسنوا ان الله يحب المحسنين ) . وحيث فهمتم ذلك فلابد من احسان الخط و تجويفه وعدم تغيير الحروف وقلب معانيها ، فقد أهلك الله المغيرين و دمرهم . فأتركوا  خطهم ولا تسلكوا مسلكهم وأظهروا السين من بِسْم الله الرحمن الرحيم والشين من الشيطان الرجيم ، فأعطوا الحروف حقها كما أُنزلت و حسبما عُهد فيما سلف ، وتعليق الكاف والهاء الذي علي هذه الهيئة الأحسن  تركهما . فإياكم وكتابة الترك مرة ثانية . فاجتهدوا في أخذ حذركم منها كي تعودوا أيديكم علي كتابة  القرآن العظيم بالذي انزل بها. فأحفظوا أمرنا  هذا و أعلموا الجميع به ” . . ( ابوسليم : مصدر سابق).

ويتضح جلياً مما سبق ذكره عمق إدراك المهدي لجوهر صراع الثورة مع القوي الإستعمارية  و إستصحابه لأهمية الإنتصار  لشعبه في صراع الهوية الوطنية المستقلة بشقيها الثقافي والأيدولوجي لإستكمال ملامح سودان أواخر القرن التاسع و الذي بدأت قسماته بالتشكل بمنأى من أدوات الإستلاب الثقافي بما في ذلك رسم الحروف والكلمات.

ويعلق المفكر المصري الدكتور محمد عمارة علي تلك النزعة القومية في كتابات المهدي ضد التتريك قائلا : ” إننا واجدون أنفسنا امام فكر قومي وطني ، يرفض السلطة العثمانية ويؤكد علي ان السودانيون هم قوم غير الأتراك .. وهنا ومن هذا الباب تدخل المهدية الي ساحة الفكر القومي الذي تصدي للعثمانية والتتريك فيما تصدي له مِن تحديات ” .. ( عمارة : تيارات الفكر الاسلامي ).

لقد كان قلم الامام المهدي- بحسابات زمانه و علي مستوي اللغة والاسلوب – إضافة حقيقية للموروث الثقافي للأمة . فقد  أعمل مداده في صحائف ذلك الزمان بإنسياب فريد فأرتقي بما كتب بعيداً عن مراتب التصنع والتكلف .. و أكسب كلماته وبيانه سحراً إئتلق بفكره المتقد و روحه الوثابة للتحرر والانعتاق من قيودٍ ما كان ليتحرر من إسارها لولا إحساسه الصادق بمعاناة شعبه وايمانه العميق بالإنتصار الحتمي للثورة التي قادها .. وليس أدل علي ذلك من شاهد بمثل ما قاله الدكتور ابوسليم في ذات المعني:

” يكتب المهدي محرراته بأسلوب مباشر لا أثر فيه للتكلف والصناعة، وفي كلامه قوة و حرارة تنبعان من عمق إيمانه ” .. وفي ذات السياق أيضاً  يقول الدكتور عبد الودود شلبي  معلقاً بعد إستعراض ردود المهدي علي خصومه السياسيين وفِي مقدمتهم الجنرال البريطاني غردون :

” بهذا الإدراك والعقل والبصيرة كان المهدي يقول كلمته. كان دائماً حاضر البديهة، متقد الذهن والفكرة، قوي الشاهد والحجة، كما كان واسع الثقافة كثير الخبرة وقد ظهر ذلك واضحاً في كتاباته ومنشوراته ” .. (شلبي : مصدر سابق).

المصادر :

١) الحركة الفكرية في المهدية ، بروفيسور محمد ابراهيم أبوسليم ، قسم التأليف والنشر ، جامعة الخرطوم ، الخرطوم ،  السودان ، ١٩٧٠ .

٢) المهدية والسودان المصري ، السير ونجت ، لندن ، أعيد طبعه ١٩٦٨ .

٣)  الأصول الفكرية لحركة المهدي السوداني و دعوته ، الدكتور عبدالودود شلبي ، الناشر : مكتبة الآداب ، القاهرة ، الطبعة الثانية  ، ٢٠٠١ .

٤) الآثار  الكاملة  للإمام  المهدي ، بروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم ، دار جامعة الخرطوم للنشر ، الخرطوم ، ١٩٩٢.

٥) مهدي السودان ومقتل الجنرال غردون، لفيرغس نيكول ، دار سوتون Sutton للنشر ، جلوستارشاير ، المملكة المتحدة ، ٢٠٠٤.

٦)  حرب النهر ، ونستون تشرتشل ، Mau Publising , نسخة الكترونية بتاريخ ٢٠١٣.

٧) الثورة المهدية في السودان .. مشروع رؤية جديدة ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت ، لبنان ، ١٩٩٠.

٨ )   تيارات الفكر الإسلامي ، للدكتور محمد عمارة ، دار الشروق ، القاهرة ، مصر ، ١٩٩٧.

 

التعليقات مغلقة.