قصة قصيرة

رحلة في الأعماق (1-3)

  • 07 يونيو 2017
  • لا توجد تعليقات

عزالدين أبو زيد

مركز القرية.. تلك المدينة الأليمة والمؤلمة معاً التي تداعت فيها أيامنا تكمن في خواطرنا بعبق الماضي وذكرياته الجميلة حين نعود إليها بالحنين، وكانت المضنية حينما عايشناها واقعاً، فكم كانت رتيبة أثقلت كاهلنا بهموم الغد وآمال عريضة مازلنا نلهث وراء بعض منها، وما تحقق أصبح ذكرى جميلة تدغدغ خواطرنا من حين إلى آخر.. إنها حقبه زمنية غنية بالأحداث والمنى. الصبا وما أجمل أيام الصبا جلست أرخي للذكريات سدولها، وأسعى إلى نفسي هرباً من همومي، وأسعى إلى الماضي الجميل هرباً من نفسي.. يا لها من شمس محرقة تكوى الوجوه، حين تتمركز في كبد السماء، ويداعبنا الكون برياح ممزوجة بخماسين كألسنة اللهب أرى الناس أمامي شبه سكارى من شدة الحرارة.

تبدو أمامي مجموعة من طلبة العلم في هذه المدينة، وطالبات بالزي المدرسي يستظلون بمظلة الأوتوبيس، وتلك المظلة الصغيرة أٌعدت للركاب تؤويهم من لفحات الشمس العمودية الساحقة، الجميع في قلق دائم يذوب في تقاسيم وجوههم، وهم يتطلعون بلهفة إلى عقارب الساعة التي تبدو لهم منهكة ومتثاقلة، بعوامل الجو المحيط، لقد قرب موعد وصول الأوتوبيس وهم في ملل من الانتظار، وكلما اقترب الموعد تغازلهم سعادة شاحبه مما يعانون منه، والجو قد أفسد عليهم نشوة الفرح في أثناء توديعهم للعام الدراسي عائدين إلى ديارهم البعيدة.

الساحة مترامية الأطراف بها المدرسة بقسميها (العام والتجاري)، وعلى جانب آخر يبدو مستشفى متواضع أصبح كهلاً تكالبت عليه ظواهر الطقس وعوامل الزمن، ويوجد تحت ظلاله الضئيلة جمع غفير من الطلبة والطالبات يتحدثون جميعاً، ويودعون بعضهم بعضاً بطقوس خاصة بهم، وعبارات تحمل في ثناياها صفات جليلة أختص بها أهل النوبة من حسن العشرة والسماحة في التعامل، ومكارم أخلاق شتى يطول الحديث عنها، جميعهم يتبادلون الأماني والتمني، وبعضهم يحمل في يديه مذكرات صغيرة ملونه أعدت لتدوين الذكريات والكلمات، العجيب فيها أنها تكتب على الورق، ولكنها تنقش في الخاطر.

وبعضهم الآخر يستخدم الكتب المدرسية، حيث انتهى عامها، ويسجل عليها ذكرياته. يحيطهم جميعاً جو مبهج، ونماذج من العبارات امتزجت بتجانس أحزان الفراق بين الأحبة، والسرور البالغ لانتهاء العام الدراسي، وتلك الحياة الرتيبة اختلطت جميعاً في تناغم فريد، والحركة من حولي بدأت تنكمش وتنحصر من وقت إلى آخر كلما اشتد بهم العطش قلّ حديثهم رويداً رويداً، وهم في انتظار الأوتوبيس. في هذه الأثناء شيء غريب بدأ يثير انتباههم، وصمت يلفهم، وتغيرت الأنظار المعلقة على مدخل المدينة ترقباً للأوتوبيس، وجرت في عروقهم الدماء من جديد.. وإشارات خافيه الى الاتجاه الآخر المعاكس يتمتمون فيى صوت خافت.. إنها (فرحة) وفرحي هي تلك الطالبة الأنيقة تمشي في خطى ثابتة وواثقة تحيطها دائماً هالة من الغرور والتواضع معاً، وهى تقترب من المحطة.. فتلطف الجو المميت بنسماتها وبسماتها وطلتها البهية.

(فرحة) الطيبة الخلوق التي أحبها مدرسوها، وكل من عرف فرحه يكن لها كل الحب والود في الأعماق. أتت فرحة الى المحطة محاطة بنظرات الحشد قادمة في تباهٍ بشعرها الأسود الداكن الطويل المنسدل على كتفيها، تتهدل فى إهمال فاتن وبديع، يضيف جمالاً لعينيها، وهى ترمى بنظره ساحرة على الوجود بعينين كعيون المها، وكعاتها دائما أنيقة، يضفى عليها زيها المدرسي رقة وجمالاً وأنوثة طاغية تحرك المشاعر والقلوب .

أتت فرحه وكل من في المكان يطالعها بشغف، ورشقت الجميع بابتسامه ناعمة خجولة، وألقت التحية بخفة بارعة ملوحة بمنديلها الصغير، مرت كأنها تعطي الحاضرين هدنة من عناء الانتظار المضني للأوتوبيس الزاحف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*