الملازم أول محمد صديق

  • 19 فبراير 2020
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

في حديثه مع قناة الجزيرة ذكر الضابط محمد صديق بانه لا يعلم أي أسباب قد تكون أدت إلى إحالته إلى المعاش غير وقوفه مع المعتصمين أمام القيادة العامة في أبريل . هذا الحديث هو بالضبط سبب ثورة الجماهير وغضبها ضد هذا القرار ، فالموقف الذي وقفه الملازم محمد صديق ورفاقه في اول أيام الاعتصام رغم احتواءه على مخالفة تعليمات ، الا إنه كان موقفا وطنيا عظيما نصر الثورة في أحلك الظروف وحفظ للقوات المسلحة شرفها وعزتها وانتماءها للشعب وليس للحكام ، وهو موقف تبعه فيه لاحقا كل قادة الجيش والوحدات حين خالفوا تعليمات البشير واعتقلوه وزجوا به في السجن ، وبالتالي كل مواقف جنود وضباط وقادة القوات المسلحة الشرفاء مع الشعب أيام الثورة لا يمكن اعتبارها خروجا على تعاليم وانضباط القوات المسلحة بل هي جزء لا يتجزأ من أداء واجب الجيش في حماية الشعب والدفاع عنه .

اتفقنا او اختلفنا مع الملازم اول محمد صديق في قرار الظهور على الهواء مباشرة مع قناة الجزيرة الا ان نتيجة اللقاء كانت جيدة ، خاصة وأنها كشفت الحقيقة وقضمت لسان الشائعات التي تنشط عادة في مثل هذه القضايا ، اذ لو لا حديثه لما عرف الكثيرون الحقيقة من الشائعة ، اللقاء أثبت ان هذا القرار تم بالفعل وانه تم في الغرف المظلمة بعيدا عن الضوء والحقائق ، فالمعروف في اي قانون عادل ان اتخاذ قرارات تأديبية او عقابية لا تصدر الا بعد إجراء تحقيقات وتحريات مع الشخص المعاقب ، وحديث محمد صديق لقناة الجزيرة أوضح انه لم يدخل اي مجلس تحقيق او محاسبة ولم يتم توجيه أي تهمة عسكرية له ولا قام بأي فعل يسيء للانضباط العسكري ولا خالف تعليمات عسكرية منذ انتصار الثورة ، فكيف تم اتخاذ هذا القرار؟ وعلى أي بينات استندت لجنة شئون الضباط في قرارها بإحالة الضابط محمد صديق للمعاش ؟!

عادة لا يتدخل المدنيون في الأمور الخاصة بالجيش احتراما له وإبعادا لقضاياه عن ( نقة ) المدنيين الكثيرة و ( بحيتهم ) العميق في القضايا ، ولكن قضية الضابط محمد صديق ليست قضية جيش وإنما قضية ثورة ، اللحظة التي وقف فيها الضابط محمد صديق امام الجماهير المعتصمة في القيادة العامة والرصاص ( يلعلع ) ومصير الثورة لم يحسم بعد وقال قولته الشهيرة ( الرهيفة التنقد ) كانت لحظة فاصلة في معركة التغيير ونقطة تحول عظيمة في ثبات الاعتصام وتحوله من اعتصام مكشوف الظهر إلى اعتصام محمي ، ولذلك لا يمكن للجماهير المدنية ان تنسى هذه الوقفة الشجاعة لهذا الضابط ورفقاءه الشرفاء ، ولهذا كان رد الفعل الكاسح في الوسائط رفضا لهذا القرار .

حسنا فعل مجلس السيادة بمعالجته السريعة للامر ، ومكالمة البرهان للضابط محمد صديق لا اعتقد انها كانت رضوخا فهناك عشرات الطرق التي كان يمكن اتباعها غير الاتصال المباشر، ولكن اعتقد انها تنطوي على تقدير للضباط واعتراف بأن ما حدث ما كان يجب أن يحدث، وهذه المكالمة قد تكون مدخلا لمعالجات مهمة لاحقة حول كيفية اتخاذ القرارات الخاصة بضباط القوات المسلحة وضرورة التدقيق والتمحيص ، والتفريق في المرحلة الراهنة بين قضايا المؤسسات الداخلية وقضايا الثورة الجماهيرية ، كما يمكن أن تعقب هذه المكالمة خطوة تلبي المطالب التي ساقها الملازم محمد صديق في خاتمة حديثه لقناة الجزيرة حين قال بانه لن يعود الا لمواقع يستطيع من خلاله أن يساهم في تنظيف ( الوسخ ) المتبقي من النظام البائد .

الآن وفي المستقبل القريب والبعيد حين تمر ذكرى ثورة ديسمبر سوف يذكر السودانيون بكل الفخر والإجلال الشهداء كشة وعبدالعظيم ورفاقهما كما سيذكرون الأبطال محمد صديق وحامد ( الجامد ) ورفاقهما ، فجميعهم كانوا أصحاب دور حاسم ومؤثر في هذه الثورة ، كانوا في المقدمة حين حمي الوطيس ، كانوا الأقرب للرصاص والموت ، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا .


sondy25@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*