لا تَطْرِقُوا الطُبُول، بل انشغلوا في البِناءِ

  • 10 أبريل 2020
  • لا توجد تعليقات

عبدالعزيز بركة ساكن

لم تأت حكومة الثورة بسهولة، جاءت بعد دماء ذكية وأرواح قدمها ملايين السودانيين مهراً، خلال ثلاثين عاماً، جاءت من بين بيوت الأشباح والزنازين وحوائط السجون القذرة، جاءت من بين دخان البمبان وهراوات العسكر وشميم البارود ومن تحت إطارات الشاحنات العسكرية، من تحت أحذية الجنود القذرة وعُنف المرتزقة، جاءت هذه الحكومة من بين الدم والنار والدموع.
ثلاثون عاما من القهر. فهل سنفَرَّطَ فيها بتلك السهولة ونتركها في مهب الريح، ضاربين عرض الحائط بأحلام الشهداء ودموع أمهاتهم؟
سيظل أملنا في غد أفضل!

قد نتفق جميعاً أن هذه الحكومة لم تكن يوماً بقدر الحلم أو التضحيات، وأنها حكومة كسيحة فقيرة بائسة تتناوبها الخطوب والعقبات، تعترضها المحن والإحن وجبال من الْقَيْحُ. ليست لديها مواردا إقتصادية ولا تمتلك القدرة لتنشيط ما كان خاملاً.

إذا حاولنا إلقاء نظرة سريعة حول أداء الحكومة، نجدها فشلت إلى الان في إستعادة المال المنهوب بواسطة جماعة المخلوع عمر البشير وحزبه البائد، فشلت في تصفية سلطاتهم وتنقية المؤسسات من فسادهم بل انها مازالت تضم في جوفها أسوأ القتلة والسفاحين الذين قامت الثورة من أجل إنهاء طغيانهم، وقد نتفق بأن حكومة الثورة لم تكن ثوريِّة، ولكن يبدو السؤال هنا واضحاً:

هل تستطيع حكومة مؤقتة في عامها الأول أن تَصَحُّحِ ما أُفسد في ثلاثين عاماً؟
ولا نتحدث عن الفساد الاقتصادي والسياسي فحسب، بل الفساد المجتمعي، التفرقة العنصريِّة التي تم ميراثها منذ سلطنة سنار، حافظت عليها المهديِّة وسقتها الحكومات الوطنيِّة المتعاقبة وربتها في لطف وهَدْهَدَتِها ونسجتها في الدم والعقل واللغة والدين، مزجتها بلبن الأم، و أصبحت من المسلمات العقديِّة والفكريِّة في ظل حكومة الإنقاذ!!

كيف لحكومة يافعة ذات تكوين غير ثوري أن تقوم بفعل ثوري؟ أعنى بذلك:
تنقيح اللغة، بناء دولة مواطنة، إصدار القوانين الرادعة التي سيقوم عليها سودان المستقبل، وهي عاجزة عن تشكيل مجلساً تشريعيِّاً ثوريِّاً مؤقتاً؟
هل تستطيع حكومة يرأس مجلس سيادتها جندي ربيب الحاكم الذي ثارت ضده الشعوب، في تصفية الحزب الذي كان ينتمي إليه، دونما يعمل هو نفسه ليل نهار في إخفاء وحرق وإعدام الوثائق التي تدينه هو شخصياً، وتدين تنظيمه؟

بأية وسيلة يمكنها أن تسيطر على الموارد التي تنعم بها بلادنا، بينما تحرسها المليشيات المُسلِّحة التي تعتبرها ملكاً خاصاً لقادتها الذين هم جزء أساسي من منظومة حكومة الثورة؟

كما ان الحكومة حتى الآن لم تتخذ أي تدابير عملية من أجل سلامة المواطنين في دارفور من هجمات المليشيات المُسلِّحة، وغني عن القول فشلها الذريع والواضح في ملف اللاجئين والنازحين الذين مازالوا يقيمون في المُعسكرات التي لا تتوفر فيها أدني مستلزمات الحياة وحقوقها المشروعة، بينما يتعرضون بصورة متواصلة لهجمات مُسلِّحة من جهات تعرفها الحكومة جيِّداً!!

هل علينا ان نحارب حكومة بهذا الضعف، حكومة بهذا التناقض في بنيتها، حكومة محاصرة من العسكر والجنجويد وبقايا المؤتمر الوطني وأصحاب الأغراض من المجتمع الدولي أصدقاء السوء؟.. لأنها فشلت في عامها الأول من أن تحقق أحلامنا الكبيرة والصغيرة ايضاً؟

في ظني لا، يجب علينا أن نحميها من السقوط، ونعمل على مساعدتها في الوقوف على أرجلها المتهالكة الهشة.
عندما يكون طفلك مريضاً فأنك لا تشعل عليه النار رحمة به، بل تعالجه بلطف ومحبة وحنيِّة، وقد تتبرع له بأعضائك، وهذا ما نفعله مع حكومتنا المريضة، نقومها بالنقد وقد يكون جارحاً جداً، ولكنه سيكون العصاة التي تحميها من السقوط، والعثرات التي تعدل الدرب، والنار التي تضيء تعاسة الظلام. نسندها لتقوم بمهامها من أجلنا نحن.
لذا نقول: لا تقرعوا الطبول، إبتدروا البُنيان.
لماذا نتبرع لها بالمال على قِلَّته مع حاجتنا إليه في مقارعة الجوع والعطش ومصاريف الأطفال والعلاج؟

لسببين لا أكثر أولهما:
مساهمة في أن نوَرَّطَها في أننا فعلنا ما نقدر عليه وما طلبته مِنّا. بالتالي سنواجهها كل يوم وساعة ولحظة بالأسئلة، أقصد الأسئلة التي نخاف منها نحن أولاً، وتخاف منها السُلطة في عروشها الهشة المتعاليِّة، فنحن سلطتنا في الوفاء بما طلبت، وفي إبداء المحبة والرغبة في الإصلاح والغد الأفضل.
وعلى السلطة ان تنفذ: خططاً اقتصاديِّة وأمنيِّة واجتماعيِّة سليمة ومرضية لنا جميعاً. وما ندفعه على قلته يصبحُ عقداً إجتماعياً قوياً بين الشعب والسُلطة عقداً أبدياً لا يمكن إلقاؤه.

  • ثانياً: المالُ القليلُ الذي يدفعه المُواطن، معني به المواطن نفسه، إنه يمثل قيمة أخلاقيِّة وإنسانيِّة، إنه عمل ثوري بحت، فعل مباشر وواضح وجلي ويعني الرغبة في التغيير للأفضل، انه مظاهرة صامتة في زمن حجر الكرونا المنزلي، مظاهرة تديريها من موبايلك أو كمبيوترك، وهي ليست سلميِّة بل عنيفة وإيجابية: أنت تقول رأيك، وتحذر أيضاً. وأظن حكامنا يفهمون ذلك.

خلاصة القول:
إنَّ ما يقدمه الشعبُ ليس هبات، بل سُلطة: أنت لا تُعطي مالك هَبَاءً، بل تأخذ مقابل ذلك سُلطة طاغية فاعلة وإيجابيِّة، أنك تشتري الأسئلة وتختبر الإجابات وتتفحص المعنى. إن مالك هو صوتك وتوقيعك على العقد الإجتماعي بينك وبين السُلطة.

التعليقات مغلقة.