الكورونا وصراع الثقافات

  • 17 أبريل 2020
  • لا توجد تعليقات

محمد حمدون محمد

سوداننا اليوم يتقاسم مع بقية دول العالم مأساته الكبيرة جائحة كورونا ، إذ أننا لسنا بمعزِل عن العالم الذي كان قرية صغيرة مفتوحة أبوابها على مصراعيها ، لعقود كثيرة ، قبيل أن يضطر الملايين من الناس في المئات من الدول أن يعزلوا أنفسهم داخل أوطانهم بل وداخل بيوتهم ،فلم تعد شوارع العواصم والمدن الأروبية تعج بالسكان المتسكعين في ردهاتها ، بل الدولة التي تستطيع أن تسيطر على حدودها وتمنع حركة المرور والإنتشار والتجمع داخل مدنها هي تلك الدولة الناجحة في حماية مواطنيها ، بعد أن كان العزل نتيجة حتمية لعقوبات تُفرض على الدول من القوة العظمى كتلك العقوبات المفروضة على السودان وإيران فأدت لعزلة هذه الدول من محيطها الدولي العالمي ،الشيء الذي كان له أثره البالغ والمباشر على تلك الدول فأضعفها وأنهكها إقتصادياً وسياسياً .


الآن السودان يعيش مآسٍ متضاعفة ، فغير أنه يعاني صراع كورونا وتهديدها للشعب والدولة ، إذ أنه تحدٍ كبير ومارد خطير فالحالات التي تثبت تزداد يوماً بعد يوم ، وحالات الإشتباه تتسارع وتتكاثر ، إلا أنه أيضاً يعاني مقاومة العادات الإجتماعية والممارسات ، فهي واحدة من مساهِمات إنتشار المرض ، فالإختلاط شيئاً طبيعياً في كل مكان في السودان ، وطريقة التحية إن كانت من غير سلام مباشر بالأيادي أو بالعناق والتقبيل بين النساء ، فهذا له تفسيرات أخرى تسيء بالآخر وتضعه ربما في عزلة إجتماعية رغم أنها هي الإجراء الضروري والمطلوب الآن لأنه أحد أهم إجراءات الوقاية من الكورونا ، إلا أنه في عُرفنا أحد أهم أنواع العقاب الإجتماعي ، بل وأقساها وأفَظَّها ،إذن هو صراع ثقافب يخوضه السودانيون مقاومةً للتخلي عن تلك التقاليد والثقافات الإجتماعيات ، ولو أن الضرورة المبيحة لها إعتباراتها وعملها الذي يجب مراعاته والأخذ به ، لكن كيف لسوداني جُبل منذ أن رأى الشمس ، على فعل تعَلَّمه فطرةً ثم سار عليه عبر تلقينه له من مجتمعه الذي يحتضنه ، هي مسألة شبيهة بصراع الحضارات وتصادم الثقافات فهي في الأساس مسألة ثقافة يدعمها الوعي الكافي.


وقد أسس مفكروا الحضارات مثل فرانسيس فوكوياما وصمويل هنتنجتون منتوجهم الفكري حول صراع وصدام الحضارات بالأساس على مفاهيم الثقافة خاصة المحلية منها ، فالمجتمعات المحلية كلٌ لها خصوصية ثقافية تختص بها ، من ذلك تولدت فكرة صدام الحضارات كما قال هنتجتون في كتابه صراع الحضارات : (إن الثقافة أو الهويات الثقافية، والتي هي على المستوى العام، هويات حضارية، هي التي تشكل أنماط التماسك والتفسخ والصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة .. ))…هكذا رأينا أن تماسك المجتمعات أو هشاشتها إنما يكون بناءً على أنماط الثقافات لديهم ، وفي العالم القوة التي تتسيد هي تلك التي تسيطر ثقافياً فتكون حضارتها هي الأقوى.

نحن معاشر السودانيين ، أمام جائحة أعيت العالم عن التصدي لها ، وأصبحت مسألة صدها تعتمد فقط على الإجراءات الوقائية التي تمنع مسبقاً الإصابة بالفايروس ، منها الإختلاط بين الناس ولو كان ضرورياً فيلزم أن يكون عبر مساحات بينية محددة ، والإمتناع عن التجمعات السكانية مثل الحفلات والمهرجانات وتجمع بيوت العزاء ومجالس الأُنس ، والإجتماعات واللقاءات الأخرى ، ومنها اْتباع أساليب الوقاية الطبية مثل التخلي عن السلام بين الرجال بالعناق وبين النساء بالتقبيل ، أيضاً غسل الأيادي بالصابون يومياً واستخدام المعقم ،،الخ …لكن يطل علينا هنا الصراع الثقافي فلن يتخلى السودانيون السلام بالعناق أبداً ، ولن يتخلَوا عن الإجتماعيات في الأفراح والأتراح ، وغير ذلك ، من منطلق ثقافي ، أن التخلي عنها عيب كبير ،لأنها قيم مؤصلة فيهم منذ القدم لإرتباطها بمكارم الأخلاق ، فمن يتناساها يكون عرضة للعقاب من المجتمع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*