التعديات تمكين يجب إزالته

  • 09 مايو 2020
  • لا توجد تعليقات

م. أكرم عمر

اطلعت على تقريرٍ يلقي الضوء على جانب خفي من ملف الفساد والمحسوبية للحكومة البائدة، ويصف الدرجة السحيقة التي وصل اليها الاستهتار بتوزيع الأراضي وحيازتها.. سأتطرق لذلك (دون الخوض بتاتاً) فيما كشفته ولا تزال تكشفه لنا وللعالم لجنة التفكيك وإزالة التمكين (أعزّها اللّٰه وسدّد خطاها)، التي أخرست كل صوتٍ ناشز حاول زوراً وبهتاناً التقليل من حجم الإجرام والانتهاكات التي دمرت كل مرافق وطننا الغالي، التي ربما احتاجت منا لسنواتٍ عديدة حتى ندركها ونضع لها العلاج الناجع ونوجهها التوجيه الصحيح.

نزل ذلك التقرير على نفسي ثقيلاً، لا سيما ما عُرض أمامي من تخبط وعشوائية في كيفية تعاطي الوزارات لمثل هذه الملفات الحيوية.. وقد شاهدت بأم عيني عن طريق الأقمار الصناعية أراضي تم توزيعها بشكل (أشبه بالعشوائي) أغلقت امتدادات بعض الطرق، فقد تجد طريقاً رئيساً ينتهي إلى مسجد.. أو سور لقطعة أرضٍ خالية.. أو مدرسة.. وطرق عديدة أخرى بُتِرَت بمباني لا يعقل أن تكون قد حصلت على تراخيص بناء إلاّ بالمحسوبية والتجاوزات الإدارية أو الفساد.. كما أن هنالك مخططات معتمدة لعددٍ كبيرٍ من الأحياء تنعدم فيها المساحات الخضراء، التي تمثِّل المُتنفّس لسكانها، وهذا أمرٌ غير صحي.. كما أن التشجير يكاد يكون بالعون الذاتي، لذا تبدو الأحياء في هذا التقرير المصوّر كمجموعة خيام في صحراء جرداء.

من مساوئ عهد الظلم ظهور شركات مقاولات الطرق التي يمتلكها الوزراء والولاة ومسؤولون نافذون من سدنة الإنقاذ، تلاعبوا كما شاؤوا في ترسية العطاءات ثم نفذّوا المشاريع بعيداً عن أدنى مواصفات الجودة المطلوبة للطرق.. ولم يجرؤ أحد على انتقادهم، فتجد الطريق بعد أشهر من افتتاحه قد اهترأ وتشقق وامتلأ بالحُفَر، وربما بسبب أول “قطرة ندى” ولا أقول رشة مطر.. وبالطبع تكون تبعات ذلك التصدُّع عطاءً جديداً لأعمال الصيانة تفوز بها ذات الشركة أو شركة أخرى يمتلكها نفس الشركاء.. لتجنب احتساب فترة الصيانة وتكبد الشركة الأولى أي خسائر.. فأيِّ تغوّلٍ وخزي لحكامٍ لا تهمهم مصلحة وطن ولا مواطنين؟!

الجانب المضيء الذي يبعث على التفاؤل أن هذه الثورة الظافرة وبتكاتف أبناء شعبنا الواعي بدأت فعلياً في إحداث التغيير، وعرف كلّ مواطن دوره بإلقاء الضوء على كل الظواهر السالبة التي يراها في مجال عمله واختصاصه، ولابد هنا أن نهمس في أذن معالي وزير البنى التحتية والمواصلات بضرورة استعادة كل الأراضي المنهوبة، التي تعيق مسارات بعض الطرق (رئيسي كانت أم فرعية) دون تهاون أو تساهل وهدم كل ما تم إنشاؤه فيها بشكلٍ غير قانوني، ومحاسبة أولئك الذين تسببوا في إهدار هذه الممتلكات العامة بصورةٍ رادعة، حتى يصبح الديدن هو إحقاق الحق والمحافظة على ممتلكات الدولة وحرمة التلاعب بها، وفتح ورش العمل للعصف الذهني لكافة مهندسيكم، والاستعانة ببيوت الخبرة العالمية لوضع الخطط والاستراتيجيات ودراسات الجدوى اللازمة لإعادة تأهيل الطرق الحالية حسب الأصول ومتابعة حُسن التنفيذ، وصيانة الجسور والتنسيق مع الجهات المختصة بهدف تخفيف الاختناقات المرورية وما يحدث هذه الأيام من تكدّس للسيارات والمركبات العامة لأوقات طويلة وضرورة إيجاد الحلول الجذرية لها.. كما نوصي معاليكم بتكثيف عمليات التشجير وإضاءة كافة الطرق وعدّها أولوية قصوى لا سيما الطرق الخارجية لتقليل حوادث المرور وتعزيز سلامة المواطنين.

أيضاً تصفحت في العام 2018م خطة طويلة المدى تم إعدادها من قبل وزارة البنى التحتية والمواصلات (هيئة الطرق والجسور ومصارف المياه) تستهدف استكمال كافة الطرق الدائرية بنهاية العام 2030م وكذلك عدد 31 تقاطعاً لبعض الطرق الرئيسة وعمل 16 جسراً نيلياً ما بين الأعوام (2026م – 2033م) وقد ذكرت هذه الخطة هنا لأبيّن حقيقة أنه وبرغم قتامة الصورة في تلك الحقبة البغيضة، إلاّ أن هنالك ومضات لعقولٍ نيِّرة ظلت تخطط وتضع الدراسات من أجل التطوير، ولكن في ذات الوقت من يمسكون بمقاليد الأمور، كانوا يطوّعون تلك الخطط والدراسات لحصد الأموال وكنزها في أرصدتهم غير مكترثين بالعواقب..

ولعلي أذكِّركم بالطفرة العمرانية التي صاحبت الأيام الأولى لانقلاب الجبهة الإسلامية، وكيف وجهت جهودها إلى حملات النظافة والصيانة لمعظم الطرق الرئيسة والجسور وقامت بتجميل (الصواني) والميادين العامة والحدائق لتبيع الوهم لهذا الشعب الجميل، وتشعره بأنها جاءت للعمل من أجل إنقاذ هذا البلد.. وبعد أن سقط عنها القناع الملائكي الزائف وبانت ملامحها الشيطانية، رأينا المنشآت تتهاوى وهي لا تزال قيد التشييد، ولم يحرّك المسؤولون ساكناً حيالها، ثم سمعنا تصريحاتهم في فضيحة كوبري المنشية (وأن الفئران أو الجقور هي التي نهشت الحديد والأسمنت الخاص بالجسر) أو كما قالوا، ورأينا طريق الخرطوم مدني يتقازم أمام السيل ويُقطَع كما تُقطع (التورتة) بالسكين.. وما خفي أعظم.

كُنّا نتغنى بماضينا في مختلف المجالات.. الثقافة والإعلام، الأدب والرياضة وحتى الأخلاق الرفيعة وسُمعة السوداني بالخارج.. وكتب شعراؤنا الملهمون
(يا جمال النيل.. والخرطوم بالليل)..
(ويا الخرطوم يا العندي جمالك.. جنّة رضوان)..
(ونحن في السودان نهوى أوطاننا.. وإن رحلنا بعيد نطرى خِلاّننا)..
وها قد آن الأوان لنلحق بركب الشعوب الحُرّة ونفاخر بحاضرنا واستقلالنا الذي تأتَّىٰ نتاجاً لثورتنا المجيدة الظافرة، ونتطلع لتحقيق مستقبلٍ زاهر ونماء يعيد لسوداننا أمجاد ماضيه، ويعيد لإنساننا قِيَم عِزّتِهِ وأسمىٰ معانيه.

و#حنبنيهو_البنحلم بيهو يوماتي


مايو 2020م

الوسوم م.-أكرم-عمر

التعليقات مغلقة.