علمانية الحركة الشعبية

  • 29 مايو 2020
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

في كتابها الرابع المسمى ( المباديء فوق الدستورية ) دعت الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو إلى اعتماد مباديء عديدة في إطار فوق دستوري يمنعها مستقبلا من التبديل والتغيير في حال تم إجراء تعديلات على النص الدستوري . تشتمل هذه المباديء على ( علمانية ) الدولة السودانية، وحق ممارسة الشعوب داخل الدولة السودانية ( لحق تقرير المصير) في حالة الإخلال بطبيعة الدولة وهويتها من جانب شعوب أخرى.

هناك ثمانية مباديء أخرى شملها الكتاب لتكون مباديء فوق دستورية ايضا هي الديمقراطية التعددية ، الفصل بين السلطات ، الاعتراف بالتنوع وحسن إدارته، احترام المواثيق الدولية ، اللامركزية، رفض التوجه الدكتاتوري الانقلابي ، القوات النظامية ، والقوات المسلحة السودانية. وكل هذه المباديء الثمانية لا خلاف عليها بين الفصائل السياسية وبين أبناء الشعب ، بينما تشذ الحركة الشعبية فقط بالمباديء المذكورة في المقدمة وهي ( العلمانية ) و ( حق تقرير المصير ) .

لم تكن العلمانية من المطالب العليا للحركة الشعبية قبل انفصال الجنوب، بالطريقة التي تستخدمها بها حركة الحلو ، إذ كانت الحركة الشعبية تعتمد على دعم كنسي عالمي والكنيسة عالميا ضد العلمانية ايضا ، وفي مؤتمر القضايا المصيرية في اسمرا ١٩٩٥ تم النص على دولة سودانية متعددة الاعراق والثقافات والديانات . كذلك وقعت الحركة الشعبية بما فيها حركة الحلو على اتفاقية السلام مع نظام البشير الاسلاموي وصار عبدالعزيز الحلو جزء من الحكومة ونائب لوالي جنوب كردفان . وطيلة هذه الفترة لم يسمع الجميع عن مناداة عالية الصوت ( بالعلمانية ) ، صحيح كان تقرير المصير والحكم الذاتي للمنطقتين معروضا أساسيا ولكنه لم يربط بشكل الدولة الديني ، فلماذا الآن؟ لماذا تحميل ثورة ديسمبر رهق انها جاءت ضد سلطة دينية لكي تتحول إلى النقيض تماما إلى دولة طاردة للدين؟! وهل هذه المقاربة ناجحة في إيقاف أسباب الحروب ام هي باعث جديد للتطرف والإرهاب من قبل التيارات الدينية التي تمنعها العلمانية من التعبير عن نفسها في الحياة العامة ؟!!

هذه الأسئلة لا يبدو أن الرفاق في الحركة الشعبية قد انتبهوا لها وهم يسعون لمعالجة أحادية الجانب لقضية الدين والدولة ، فالحقيقة أن قضية الدين لم تكن في الأصل أساسا للصراع ، لأن الدولة السودانية تاريخيا لم تكن دولة دينية بالمفهوم الذي يحرم على الأديان الأخرى الوجود ، بل انقلاب الحركة الإسلامية نفسه كان وسيلة لإقامة دولة دينية في السودان نتيجة ما تعتبره الحركة الإسلامية ابتعاد الدولة والمجتمع عن رسالة الدين ، وهو موقف أزم الواقع وحول الحرب مع الحركة الشعبية التي انطلقت منذ الخمسينات لمظالم مرتبطة بالسياسة والاقتصاد والمشاركة إلى حرب دينية أضيف فيها الدين كعامل تفرقة ، وهو موقف ذاتي من الحركة الإسلامية وقفت ضده أكبر جماعتين اسلاميتين في السودان وهما جماعة الأنصار وجماعة الختمية بل وحاربتا هذا المنهج بالسلاح ، وتحالفت هاتين الجماعتين مع جون قرنق والحركة الشعبية ضد هذا المنهج الثيوقراطي لدولة الكيزان ، وأنتج هذا التحالف التجمع الوطني الديمقراطي الذي أنتج مقررات اسمرا للقضايا المصيرية في ١٩٩٥ ، فلماذا تعلن الحركة الشعبية بقيادة الحلو الآن موقفا متطرفا مشابها لموقف الحركة الإسلامية في انقلاب الإنقاذ، داعية إلى طرد الدين من الحياة العامة؟ وهل تتوقع أن الذين وقفوا معها ضد الدولة ( الدينية) سوف يتسامحون مع وجود دولة ( لا دينية )؟!

لماذا يفترض البعض أن هذا السودان لابد أن يكون دوما في أقصى الأطراف؟؟ لماذا يضعون السودان بيت خيارين فقط لا ثالث بينهما ؟؟ لماذا يتشددون ويشتطون ويسمحون بذلك للتعبئة والاستقطاب وتفجير الدولة بالفتنة والخلاف؟؟ لماذا يعملون على إفشال ثورة الشعب جميعا من أجل الحريات والعدالة والسلام وتحويلها إلى ثورة علمانية متطرفة ؟!


sondy25@gmail.com

التعليقات مغلقة.