حديث حول نحن وهم

حديث حول نحن وهم
  • 05 يوليو 2020
  • لا توجد تعليقات

احمد مدني

ستظل القيم الإنسانية، مثل الصدق والأمانة، والتعاون على الخير، وحب الآخرين، ومساعدة المحتاجين، والمودة مع الآخرين، والإهتمام بالناس، وتفقد الضعفاء، وإرساء العدالة، والإيثار، والحياء، والبذل، والتضحية، والتعاون، والتعاضد، والتكامل الإجتماعي، ستظل هذه القيم عند تطبيقها على الأرض، ترفع قدر المجتمعات، وتمجدها على الدوام، وعلى طول الخط، بصرف النظر عن، حيال من من البشر تؤدى هذ القيم( على المسلمين أو المسيحين أو اليهود أواللادينين)، وهي تنشأ أي القيم وتنموا في الأطفال الصغار، مع التنشئة الأسرية، والنظام التعليمي، والإعلام،

والتربية الدينية، والقدوة الحسنة، ثم تبقى في والوعي نبراسا ينير الطريق، ومرجعية يصدر من خلالها الأحكام، حيال الأشياء في صلاحها، و طالاحها. فالرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، كان حزمة من القيم الفاضلة، ظل كذلك طوال حياته حتى لقب بالصادق، و بالأمين.

والحقيقة أنه عند بعثته صل الله عليه وسلم، كان هو المسلم الوحيد في الجزيرة العربية! ولمعرفة الناس سلفا بخلقه الرفيع، وقيمه النيلة، ولتعامله معهم بذات القيم بعد البعثة، تمكن من إقناع الكفار، واحدا بعد الآخر، حتى تحول خلق كثير لدين الحق، وأقام دولة الإسلام في المدينة، ثم دخل مكة ظافرا منتصرا. فالأخلاق الطيبة، والمعاملة الكريمة، عرف بها الرسول عند تعامله مع غير المسلمين حتى أسلموا، لأنه أبدا لم يظلم شخصا لأنه يخالفه في الدين، أو يحرم شخصا من نصيبه لعقيدته، أو يكذب عليه لإختلاف ملته، فقد كان صادقا، ومخلصا، وأمينا،

وكريما مع الكل، مع المسلمين، ومع كفار قريش، ويهود المدينة، ومع رهبان النصارى، وملوك فارس، ومع أباطرة الروم، ومع الجميع مع الرفيع، والوضيع، وبالتالي فالتعامل بالقيم ليس موقوفا على فئة، بل مع الإنسان مجرد الإنسان، وربما مع أي حي إنسانا كان، أو حيوان، أو نبات.

فالقيم هي القيم على طول الخط، لا نعمل بها خوفا من سيف القانون، أو لوجود الرقيب، أو طمعا في مصلحة، ولكنه الإدراك المسبق لأهميتها في القناعات الفكرية، والإلتزام المبدئي المكون للضمير الحي، والعقيدة الراسخة، والفطرة السوية، هي التي تجعل التحرى بهذه القيم على أتم الأوجه، فالإبقاء عليها على الدوام وعلى الإطلاق هو الذي يجعل الناس تقتنع بقدسية المعتقد، أي معتقد، ولذلك أيضا، يدخلون في دين الله أفواجا. ولا يمكن أن يكون الإسلام أقل إنسانية من الأديان الأخرى في مسألة التعامل بالقيم الإنسانية مع الجميع دون تميز. أقول هذه وفي خاطري نماذج في ميدان التنافس الإنساني. ففي العام 1983 و1984، ضرب منطقة الساحل الأفريقي كما تعلمون الجفاف، والتصحر،

وتبع ذلك مجاعة قاتلة، وأذكر تماما كيف كانت المنظمات الإنسانية المسيحية من دول الكفر، تتسابق لإغاثة الناس. وعملت على إنقاذ حياة الملايين من البشر أغلبهم من المسلمين في منطقة الحزام السوداني(من اثيوبيا الى السنغال)، وربما الكل سمع بعيش ريغان، الرئيس الأمريكي الأسبق، وأسألكم بالله وأسأل نفسي لنجاوب بكل صدق على السؤال، لو كانت هذه الآية معكوسة وكان الخواجات هم في مثل كارثتنا من الجفاف والمجاعة، هل كنا سنغيثهم ونحسن إليهم نحن المسلمون كما فعلوا هم معنا ؟ وهل رصيدنا الأخلاقي مؤهل للقيام بهكذا مهمة؟ أم كنا  سنقول، دعوهم وشأنهم لأن الله أمر بهلاكهم لكفرهم بالله؟ أتمنى أن تكن اجاباتنا صادقة.

في معظم مساجدنا في خطب الجمعة، نسمع حتى اليوم، الأدعية التي ندعوا بها للآخرين من غير المسلمين بالهلاك مثل قولهم، اللهم أحصيهم عددا، وأقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا، اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك، اللهم أرهم يوما كيوم عاد وثمود، اللهم دمرهم، أللهم زلزلهم، واللهم شتتهم، اللهم فرقهم ما بين المشرق والمغرب، اللهم أجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين، هل مثل هذه الادعية ضرورية حقا؟ وهل من الممكن أن تساعدنا في نشر الدعوة الإسلامية لغير المسلم؟ أم هي لأستهلاكنا المحلي؟ وإن كانت لإستهلاكنا المحلي أليست هذه ميكافيلية وبعيدة عن مباديء الأسلام؟ لماذا لا ندعوا لهم بالهداية على الأقل، ليكونوا أخوة لنا في الدين، لأن الرسول صل الله عليه وسلم، رغم أذية شباب الطائف له، عندما خير في أمرهم، كان رده أن قال “لعل يخرج من أصلابهم أبناء صالحون”! فأين نحن من هذا النهج, وكان همه عليه الصلاة والسلام أمته، ولم يدع بالشر إلا نادرا.

هل نحن بسلوكنا الحالى تجاه غير المسلمين، وتجاه أنفسنا، وتجاه شعوبنا، كحكومات دول مسلمة، هل نستطيع إقناع شخص غير مسلم ليعتنق الإسلام؟ أليس من الحكمة أن نحدث بعض المراجعات في سلوكنا، وفي تفكيرنا، وفي خطابنا الديني لنستوعب واقعنا، ولندرك هشاشة موقفنا الدعوى تجاه تبليغ الرسالة لعالم لا يفهم إلا لغة القدوة الحسنة، والبيان بالعمل، ولايمكن أن نقول للناس كلاما ونحن نأتي بأفعال تخالفه، (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون) سورة البقرة الآية 44.
ألسنا نحن المسلمون، من جعل العالم الإسلامي مكان يصعب فيه الحياة بأمان، والعبادة بحرية؟ وهاجرنا الى بلاد الكفار وطاب لنا المقام، وحرية العبادة، وإستفدنا من ديمقراطيتهم في إبداء آراءنا، ومزاولة عبادتنا، وأنشطتنا الدينية هناك، ونقوم في بلادهم ما لا نستطيع فعله أو قوله أو القيام به في بلادنا الأصلية؟ وهل من المقبول أن يكون للآخرين دائما الأفضال علينا؟ هناك من المجتمعات الغربية من أهدت كنائسها لتحوَل لمساجد يتعبد فيها المسلمون الوافدون الجدد إلى مجتمعاتهم! أعتقد أنه من الواجب أن ندعوا لمثل هؤلاء بالهداية، لعل الله يدخلهم للإسلام من خلال ما نبرزه من سلوك إنساني متحضر ومن خلال معاملة الناس بالحسنى.

نجد في حواراتنا في مثاقفة الآخرين، أننا نحن المسلمون، مطالبون بتسمية نموذج لدولة مسلمة، نقدمها للناس ونقول لهم أننا نريدكم أن تكونوا مثل جمهوريتنا الفلانية، أومملكتنا العلانية الإسلامية كنموذج، مثلما تقول الرأسمالية أن نماذج دولها الرأسمالية، هي دول أوربا الغربية وامريكا، والدول الإشترالية تقول الصين أو روسيا تمثل نماذج دولها الإشتراكية، ونحن مطالبون لنقول للناس ندعوكم أن تكونوا دولة إسلامية مثل دولة كذا ولكن للأسف نقف دائما في حيرة أمام آخر لا يرحم، ويقول لنا أنتم تتحدثون عن دولة خيالية طوباوية غير قادرة للشخوص في عالم اليوم. كلما حاولت الإشارة الى دولة واحدة تجدها تتداعى كنموذج من أول إختبار، لأن دولنا الإسلامية لا تقدم أي نموذج يمكنك أن تعتبره نمذجا مثاليا لدولة مسلمة عادلة تقية تسير وفق النهج القرآني لتقدمه بفخر للآخرين.

 كم تمنينا للمشروع الحضاري أن يكون مشروعا نباهي به الأمم ونقدمه للناس نموذج للمشروع الإسلامي الحقيقي بعد دولة المدينة، ولكن للأسف كان إجهاضا للمشروع الإسلامي، ولإفقار الشعب السوداني بنهب ماله، وسرقة ممتلكاته، وتركه في طوابير العوز، في كل شييء، في الخبز، والوقود، والنقود، وغاز الطبخ، والبنزين، وإنقطاع الكهرباء. فلجان تفكيك التمكين، تسجل فتوحاتها في كل يوم، بكشف أوكار من نهبوا البلد على مدى ثلاثين عاما، ومع ذلك، ورغم ذلك فإن فلول النظام البائد غير المؤهلين أخلاقيا في التحدث عن عيوب الثورة، وحكومة حمدوك، وهي تصارع لإصلاح عطب هم، أي أهل الإنقاذ، السبب فيه، يتحدثون عن البلد وكانهم تركونا في جنة عدن، وكأن الثورة هي من أعادت الناس إلى الطوابير، يا هؤلاء أخرسوا فالشعب ما زال يكافح الطوابير التي تركتموه فيها، وفي الشح الذي أنتم سببها، والعوز الذي أنتم أعطيتم للناس دروسها. وربما فهمتم وفهم الجميع الآن وبعد 30 يونيو 2020 م أن الشعب مصمم على صنع المعجزات وتجاوز العقبات بإذن الله.


Yagouba55@yahoo.com
4, يوليو, 2020

الوسوم احمد-مدني

التعليقات مغلقة.