منصة حرة: فرصة تاريخية لإطلاق صندوق الثروة السيادية السوداني

  • 26 أغسطس 2020
  • لا توجد تعليقات

نورالدين عثمان



علينا البدء بالتفكير خارج الصندوق قليلاً للنهوض باقتصادنا، لأن مسألة انتظار الروشتات الجاهزة أو حتى وضع الخطط الاستراتيجة وتنفيذها خلال 5 أعوام إلى 10 أعوام قد لا يحل عدد كبير من المشاكل والأزمات الحالية، ولا بد من صيغة استثمارية تدر دخلاً للدولة تستطيع الصرف منه لمواجهة المتطلبات الأساسية للمواطن، والعمل على تطوير البنية التحتية.

دول كثيرة في آسيا نهضت بعد ركام بفضل التفكير في بناء دولة عصرية توفر الرفاه للمواطن وتؤسس لاقتصاد قوي، وكما نرى اليوم دول النمور الآسيوية التي أصبحت تنافس الآن معظم الاقتصادات العملاقة.

نمتلك في السودان كل مقومات النهوض، ولكن نفتقد لصيغة متفق حولها لنبدأ البناء، ولذلك نرى كل هذا التخبط وعدم الانضباط في إدارة الاقتصاد، وعدم وجود رقابة وقوانين صارمة تضمن المنافسة في السوق بين الشركات، وسيطرة الأجهزة العسكرية على عدد كبير من الشركات أحدثت خللاً حقيقياً في مسألة المنافسة بما تمتلكه هذه الشركات من “حصانة” قوية ترهب الموظفين ويرتجف أمامها التجار في السوق فيفسحون لها المجال خوفاً ورعباً، ولسان حالهم يشتم في الدولة والأنظمة التي لم توفر عدالة في المنافسة.

ومن جانب آخر، وبعد ثورة ديسمبر العظيمة، عملت لجنة إزالة التمكين واسترداد الأموال المنهوبة، على استعادة كم هائل من العقارات التي تقدر بمليارات الدولارات، بالإضافة إلى أصول مليارية وأموال سائلة تقدر أيضاً بالمليارات، بالإضافة إلى استعادة شركات كثيرة تربح ملايين الدولارات سنوياً، وتعمل في قطاعات حيوية مثل البترول والزراعة والصناعة وتقديم الخدمات العامة والطيران والصرافة وغيرها.

والفرص الاقتصادية لا تتكرر كثيراً، واليوم السودان أمام فرصة تاريخية عظيمة، يجب أن يستغلها بذكاء وبإرادة وطنية حقيقية بعيداً عن كل الانتماءات الحزبية أو الانتماء لمؤسسات عسكرية، والعمل فوراً على تأسيس وإطلاق “صندوق الثروة السيادية السوداني”، على أن تكون الشركات التي تديرها جهات حكومية وتعمل خارج ولاية وزارة المالية، بالإضافة إلى العقارات والأموال والأصول والشركات التي استردتها لجنة إزالة التمكين، نواة لرأسمال هذا الصندوق، ومنحه صلاحيات مستقلة لإدارة هذا الكم الهائل من الثروة السيادية، والاستثمار في القطاعات الحيوية داخل وخارج السودان، وبذلك نضمن استثماراً حقيقياً لثروتنا السيادية عبر استقطاب الخبراء الوطنيين، وضمان استغلالها لصالح رفاهية المواطن، عبر تأهيل وتطوير البنية التحتية وتقديم الخدمات العامة.

الصناديق السيادية في دول العالم اليوم، تدير ثروات تقدر بتريليونات الدولارات، وتراكم في الثروات الوطنية لدولها، عبر الاستثمار في البنية التحتية، والعقارات، والسندات الحكومية، والأسهم العالمية والمحلية، والتجارة الإلكترونية.. إلخ.. وضمنت بذلك احتياطيات نقدية ضخمة استطاعت من خلالها مواجهة معظم الأزمات الاقتصادية، فلماذا لا نبدأ اليوم ونستغل هذه الفرصة العظيمة وهذه الثروات السيادية السودانية التي تم استردادها من النظام البائد وما زالت عملية الاسترداد مستمرة، والأموال في إنتظار من يديرها لصالح المواطن.

ولنعكس أهمية تأسيس صندوق ثروة سيادية سوداني، هذه بيانات أكبر 10 صناديق سيادية في العالم بين أكثر من 90 صندوقاً، ووفقا لبيانات مؤسسة (SWF Institute)   المتخصصة في دراسة استثمارات الحكومات والصناديق السيادية، جاء صندوق التقاعد الحكومي النرويجي في المرتبة الأولى كأكبر صندوق سيادي في العالم، بأصول بلغت 1.18 تريليون دولار، وشركة الصين للاستثمار بأصول قيمتها 940.6 مليار دولار، تلاها جهاز أبوظبي للاستثمار بقيمة أصول بلغت 579.6 مليار دولار، ثم الهيئة العامة للاستثمار الكويتية بقيمة أصول 533.7 مليار دولار، ومحفظة الاستثمار في هونج كونج بقيمة 528.1 مليار دولار، وصندوق جي آي سي في سنغافورة بقيمة 440 مليار دولار، وفي المركز السابع شركة سيف للاستثمار في الصين بأصول 417.8 مليار دولار، وتماسيك القابضة في سنغافورة بأصول 375.4 مليار دولار، وصندوق الاستثمارات العامة في السعودية بأصول 360 مليار دولار، والمجلس الوطني لصندوق الضمان الصيني بأصول 325 مليار دولار.

ويقدر إجمالي موجودات الصناديق السيادية البالغة 93 صندوقاً نحو 8.23 تريليون دولار، تخيلوا ضخامة المبالغ المدارة، والاهتمام المتزايد في الدول لتأسيس صناديق سيادية تدير وتحفظ ثروتها السيادية، هل سننتظر في السودان حتى تضيع هذه الفرصة، ونفقد الثورة المتاحة أمامنا الآن، أم سنتخذ قراراً شجاعاً بإطلاق “صندوق سيادي سوداني” يعيد للاقتصاد الوطني توازنه المفقود؟.. ننتظر الإجابة من مجلس الوزراء الموقر.. حباً ووداً..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*