حكمة القرود

  • 20 سبتمبر 2020
  • لا توجد تعليقات

عبدالباسط شاطرابي

صديقي المسن كان ممن حاربوا في أدغال الجنوب أيام نميري وجوزيف لاقو . قال لي إن تموينهم كان لا يكفيهم أحيانا فيلجؤون إلى ثمار الغابات لأجل البقاء.

المشكلة أن جزءا من ثمار الأدغال كان ساما شديد الفتك .. ولا سبيل للمعلومة بشأن السام من المفيد إلا ببصيرة اتبعوها، يقول صديقي : بدأنا ملاحظة الثمار التي تأكلها القرود فنأكلها، وملاحظة الثمار التي تجفل منها القرود فنفر منها !

تظل دائما (المعلومة) هي أهم عناصر البقاء في الحياة، لكننا بقينا بعيدين عنها منذ عقود، فالإحصاءات تسجل حضورا خجولا ثم لا تلبث أن تغيب، ولا نعرف بالضبط مدى دقتها ومدى الاستفادة منها في واقعنا.

غابت المعلومة أو تم تغييبها في العهد السابق، رغم أن أجهزة القمع والرصد فيها كانت تحصي أنفاس الناس بكل دقة، فلم نعرف مثلا هل نحن ٤٠ مليون نسمة أم ٣٠ مليونا أو أقل أو أكثر في ظل نزوح ولجوء ومتغيرات تشملنا ودول الجوار .

ورثت البلاد غيابا للرؤية قصيرة المدى ناهيك عن الرؤية طويلة المدى. فلا أحد يدري كم نحتاج من مدرسة وفصول لاستيعاب الطلاب الجدد بعد ثلاثة أعوام مثلا، ولا نعرف كم عدد الأفواه التي تحتاج الخبز ثلاث مرات في يومنا هذا، وكنتيجة، لا نعرف بدقة كمية الدقيق التي نحتاجها اليوم أو بعد سنتين مثلا.

نحن نجهل متوسط مواليدنا في اليوم ومتوسط النمو في أعدادهم لنوفر لهم طفولة آمنة خالية من المهددات الصحية، بل ربما لا نعرف عدد موتانا ولا نعرف احتياجاتنا من المدافن الجديدة لنجد أنفسنا نحفر القبور فوق القبور ونحن نتغافل عن تلك الرزية الموجعة !

صفوف الخبز والبنزين وأي طوابير أخرى مستجدة هي من تجليات الظواهر الموروثة، وبعضها يعود إلى ما قبل (الإنقاذ)، وحتى حين يتم تجاوزها في بعض الأحيان فإنها تكون بمثابة إطفاء مؤقت لجانب من الحرائق التي سرعان ما تشتعل في جوانب أخرى.

هكذا نجد العذر لمن يتحدثون عن الكتلة النقدية خارج المصارف .. فيقولون إنها تشكل ٩٠%، وبعضهم يقول إنها ٧٠%، وآخرون يصرون على أنها ٥٠%، حيث تتوارى المعلومة فلا جهة تؤكد قول هذا أو تدحض قول ذاك !

غابت المعلومة فغابت الرؤية، وعندما تفكر العقول المستنيرة في وضع معالجات جذرية للمشكلات على المدى البعيد .. تبدأ الضغوط والمتاجرة السياسية بضوائق اليوم، فيطيش التخطيط ونغرق في دوامة (الآن).

ما أحوجنا للقرود لكي تدلنا على بعض طرق البقاء !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*