(صباح ): الخليجيون يفتقدون حكمته.. والسودانيون يذكرون نبضه الإنساني

  • 29 سبتمبر 2020
  • لا توجد تعليقات

محمد المكي أحمد

رحيل أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح اليوم ( ٢٩سبتمبر ٢٠٢٠) يشكل خسارة كبيرة، ليس للشعب الكويتي فحسب، بل للخليجيين والعرب والعالم.

الراحل أكسبته تجربته في الحكم خبرة وحكمة ورصانة، وهي تجربة طويلة سبقت توليه قيادة البلد في العام ٢٠٠٦ ،اذ كان رئيس الدبلوماسية الكويتية (وزير خارجية) على مدى سنوات عدة ، وكان تولى مهمات مواقع مهمة ، من بينها (ولي العهد) و كان أول وزير للإعلام .

دولة الكويت ، وهذا يجب ان يعرفه الجيل الجديد في السودان، كانت في صدارة دول الخليج بمد جسور العون الى جنوب السودان، في وقت كانت الجنوب نسيا منسيا ، ضمن السودان الموحد.

الكويت بقيادة صباح الأحمد مدت يد العون الانساني للسودانيين في أزمنة الكوارث،وقد ساهمت وتساهم الكويت حاليا في مساعدة منكوبي الفيضانات، وللكويت مساهمات انسانية وتنموية في دول عدة عربية واسلامية وافريقية بينها سورية والعراق واليمن، وهناك موقفه الداعم للشعب الفلسطيني وعدالة قضيته.

شهدت في اليمن، وتابعت عن قرب في اطار عملي الصحافي كيف امتدت يد العون الانساني الكويتي التي أطلت مثلا في (جامعة صنعاء) التي بنتها الكويت ، وتكفلت برواتب اساتذتها.

بنت الكويت مستشفى من أشهر مستشفيات صنعاء وهو (المستشفى الكويتي) ولعل ما يميز سياسة الكويت أنها تقدم العون الإنساني بدون ضجيج إعلامي أو (من أو أذى).

كان للكويتيين منذ زمن بعيد وعي وادراك بأن الشعب السوداني واحد في الجنوب والشمال .

عرف السودانيون سفير الكويت عبد الله السريع، الذي كان يوصف ب(عبد الله جوبا) وأطلق عليه هذا الإسم والوصف بسبب طول فترة عمله مديرا لمكتب الكويت في عاصمة جنوب السودان جوبا .

أعرف شخصيا حب الأديب والسفير الكويتي الراحل عبدالله السريع للسودانيين،وكان دعاني لزيارته في منزله بالقاهرة قبل نحو ثلاثين عاما ، وأذكر أنه كان يرتدي (جلابية) سودانية، وكان السفير رحمه الله مثالا حيويا لعلاقة الكويتيين بالسودانيين، وقد أهداني آنذاك كتابا بث فيه أشواقه وتجربته .

خليجيا سيذكر التاريخ ان الراحل الشيخ صباح سعي سعيا جادا ، وبادر، وسافر الى واشنطن وعواصم خليجية في سبيل التوصل الى علاج لأزمة الخليجيين الحالية (أزمة الحصار المفروض على قطر )،وقد ساهم في وقف (مواجهة عسكرية ) مباشرة بين طرفي الأزمة كما قال في تصريح أدلى به في أوج تفاعلات الأزمة .

يمنيا أيضا أثارت الأوضاع الراهنة في اليمن اهتماماته، كان يدعو الى حل أزمة الحرب والإقتتال الحالية سلميا، و كان يدرك أهمية وحيوية أدوار اليمن المستقر ، الآمن ، المتعاون، والمتفاعل مع محيطه الجغرافي ، والإنساني، من دون حروب وخصومات يفجرها هذا الطرف أو
ذاك.

غياب الشيخ صباح الأحمد سيؤثر تأثيرا كبيرا على الكويت والخليج ،سيفتقد حكمته الجميع ، وسيفتقد طرفا الأزمة الراهنة في الخليج رجلا كان يحمل قلبا نقيا و رؤى تسعى بالوساطة بين طرفي الأزمة في سبيل التوافق والمصالحة.

الدول العربية الغارقة في خلافاتها وعجز قيادتها عن بناء تكامل حقيقي بين دولها هاهي الآن فقدت رجلا حكيما ووقورا .

دعتني الكويت (وكنت أعمل أنذاك في وكالة الأنباء القطرية (وايضا مراسلا لصحيفة الحياة اللندنية واذاعة مونت كارلو الدولية) لتغطية فعاليات أول قمة اقتصادية عربية عقدت في الكويت في ٢٠ يناير ٢٠٠٩، وجرت وقائعها وتفاعلاتها في أجواء عربية مشحونة بالصراعات والضغائن.

بحكمته ووقاره ونظرته الناضجة لحال الأمة العربية ،الغنية بمواردها والفقيرة بسياسات دولها ، استطاع الأمير صباح ان يقود القمة العربية الى نجاح لم يكن متوقعا ، لكنه ظل نجاحا منقوصا بسبب مشاحنات قيادات عربية هي سبب الكثير من النكبات للمنطقة وشعوبها.

أسأل الله أن يرحم الشيخ صباح ، أمير الدبلوماسية والحوار رحمة واسعة، وأن يتغمده بواسع رحمته ،وأن يلهم أهله وشعبه وأحبابه الصبر .

أدعو الله أن يوفق الأمير الجديد
الشيخ نواف الأحمد في أداء مسؤولياته الكبيرة ، لتبقى الكويت -كما كانت وكما هي الآن- بلد خير و مصدر اشعاع ،وحكمة يحتاج اليها الخليجيون والعرب وغيرهم لاطفاء نيران الصراع الحاد والمدمر في الخليج (أزمة الحصار على قطر ) و الحرب في اليمن وسورية وليبيا .

في هذا السياق أرى أن أمام القيادة الكويتية الجديدة والشعب الكويتي تحديات المحافظة على التماسك وتعزيز الوحدة الوطنية، ومواصلة نهج الرصانة والحكمة واليد الممدودة بالعطاء الإنساني لكل الناس في العالم كله .

الأمير الراحل استطاع أن يحافظ على تماسك البيت الكويتي في أصعب الظروف وأشدها قسوة.

وهاهي منطقة الخليج، وبينها الكويت تتعرض ودول أخرى كالسودان على سبيل المثال لضغوط (خارجية ) لتتبنى ملفات لا تشكل أولوية للشعوب والدول ، ما قد يؤدي الى إثارة خلافات داخلية .

أشير في هذا الإطار الى أن مجلس الأمة الكويتي (البرلمان) لعب ويلعب دورا حيويا في المجتمع الكويتي.

زرت مقر البرلمان الكويتي، وحضرت إحدى جلساته قبل سنوات عدة، وهو البرلمان الأكثر تأثيرا وفاعلية في منطقة الخليج ودول عربية واسلامية، وهو أطاح حكومات ووزراء .

كانت وما زالت صحافة الكويت متميزة، وقوية بالمقارنة بصحافة دول خليجية وعربية وغيرها .

في الكويت مشهد سياسي متميز وحيوي .. لكنه يتأثر بأوضاع الخليج المتأرجحة والمأزومة حاليا.

لا جديد عندما أقول أن الموت حقيقة كبرى، ليس في مقدور أحد مهما علت مكانته أن يوقفه، لأنه بيد الله، العلي القدير ، وهو أيضا درس وعبرة ورسالة قديمة متجددة لنا جميعا .

غراس المحبة والحوار وفعل الخير تبقى حية حتى لو رحل من يزرعها ..

لأن التاريخ سجل وقائع الأمس واليوم .. وسيسجل …

محمد المكي أحمد
لندن -٢٩ سبتمبر ٢٠٢٠

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*