قراءات سياسية في ذكرى ثورة أكتوبر

  • 26 أكتوبر 2020
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

بعد اعلان استقلال السودان شهدت الساحة السياسية صراعا سياسيا مبكرا قاد إلى سحب الثقة عن حكومة الأزهري اول حكومة سودانية منتخبة، و ذلك بعد أقل من عام من إعلان الاستقلال، و قد كان لهذا الفعل أثره العميق في تأجيج الصراع السياسي في دولة وليدة غضة الأهاب مازالت تتلمس خطواتها في طريق الاستقلال.

أجريت انتخابات عامة بعد سنة من الاطاحة بحكومة الأزهري افرزت حكومة جديدة منتخبة بقيادة الاميرلاي عبدالله خليل، ولكن الحكومة الجديدة لم تسلم ايضا من داء الصراع، وهو ما قاد رئيس الوزراء عبدالله خليل لتسليم السلطة لقيادة القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق ابراهيم عبود. كان عبدالله خليل يظن انها أمانة في عنق العسكر ريثما تصفو الساحة وتعود بعدها الديمقراطية لتواصل الإبحار، ولكن هيهات، فالصراع على السلطة ليس حكرا على المدنيين، وهكذا دخل العسكر للصراع السياسي في السودان من الباب الواسع، وواصل عبود الحكم ولم يجد عبدالله خليل نفسه الا مسجونا في أقاصي السودان.

باستلام الفريق ابراهيم عبود للسلطة دخلت البلاد مرحلة جديدة كلية في تاريخها ذاك، اتسمت بالحكم العسكري الأحادي، اقدم نظام عبود على حل الأحزاب السياسية والنقابات ومنع صدور الصحف سوي صحيفة النظام الرسمية، هذه الممارسات مثلت أكبر نكسة في التاريخ السياسي للوطن في تلك الفترة المبكرة من الاستقلال، حيث مثلت ردة كبيرة عن التعددية والديمقراطية التي عاشها الوطن في آخر سنين الاستعمار وأول سنين الاستقلال، كما فتحت تجربة حكم عبود العسكرية الباب واسعا في المستقبل السياسي لتجارب حكم عسكري أكثر تعديا على الحريات والممارسة السياسية.

لم يكن نظام عبود انقلابا عسكريا منطلقا من داخل القوات المسلحة يستهدف تقويض الحكم الديمقراطي المنتخب، و إنما كان مولودا شرعيا للصراع السياسي والخلافات العميقة بين التنظيمات السياسية السودانية، هذا المسلك المبكر في العملية السياسية السودانية كان مؤشرا خطيرا لما سيكون عليه حال الوطن ومستقبل العمل السياسي، اذ بالفعل استمر الصراع السياسي الذاتي بين الأحزاب والتنظيمات السياسية السودانية طيلة التاريخ الوطني السياسي معرقلا لكل خطوات استدامة الحكم الديمقراطي واحلال العدالة والسلام.

انتفض الشعب على نظام عبود في ثورة أكتوبر الخالدة عام ١٩٦٤ وكان بذلك أول شعب في المنطقة العربية والأفريقية يطيح بالحكم العسكري، كان المأمول ان تغلق ثورة اكتوبر إلى الابد باب الانقلابات، وكان المتوقع أن تتعلم الأحزاب والتنظيمات السياسية الدرس من تجربة الصراع الذي قاد إلى حكم عبود العسكري، ولكن شيئا من هذا لم يحدث، استمر الصراع ليختمه الحزب الشيوعي بانقلاب مايو ١٩٦٩ بقيادة جعفر نميري.

اعاد نظام النميري دولة القهر و التسلط وحاول بشتى السبل القضاء على الأحزاب السياسية ولكنه لم يفلح، رغم أن الأحزاب السياسية معطوبة و سببا في ضياع الديمقراطية الا انها وقفت متحدة في كثير من الاحيان ضد الطغاة وظلت على الدوام عصية على التذويب بواسطة الات الترهيب والترغيب التي تستخدمها الأنظمة الشمولية، وهذه مفارقة ان الأحزاب تفقد الديمقراطية وتناضل من اجلها، حتى جاءت ثورة أبريل ١٩٨٥ وأقتلعت نظام السفاح نميري.

الديمقراطية الثالثة لم تنجو من الصراع السياسي، وكان للاسلامين القدح المعلى في هذا الصراع، يؤججون النيران حتى اشتعلت اثواب الديمقراطية فوثبوا عليها في ليل ٣٠ يونيو البهيم، و ظلوا في غيهم سادرين حتى أتاهم خبر الشعب اليقين في ديسمبر، فاحال نهارهم ليلا ونشوتهم حسرات.

الآن في الذكرى ال ٥٦ على ثورة أكتوبر، يلزم جميع الأحزاب السياسية ان تنتبه إلى الوطن، وأن تتجاوز الصراعات العبثية اذا أرادت المضي قدما بالوطن نحو بلد ديمقراطي يشار إليه بالبنان، الغرق في الصراعات هذه المرة لن يقود إلا الى نهاية وطن اسمه السودان .


sondy25@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*