شروط صندوق النقد لإعفاء السودان من ديونه

  • 20 يناير 2021
  • لا توجد تعليقات

تقرير ــ إسماعيل محمد علي

يتجه صندوق النقد الدولي ــ خلال الفترة المقبلة ــ لاتخاذ خطوات إيجابية؛ لإعفاء السودان من ديونه الخارجية، والبالغة نحو “60” مليار دولار، من خلال الاستفادة من مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون، والتي طرحها صندوق النقد والبنك الدوليين في 1996م، لضمان عدم مواجهة أي بلد فقير عبء ديون لا يمكنه سدادها، وذلك بدعم قوي من الولايات المتحدة، وبريطانيا، وأعضاء آخرين في الصندوق.
وأكدت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي؛ كريستالينا جورجيفا، الاثنين 18 يناير ــ في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت ــ أن الصندوق يعمل بتركيز مع السودان، لوضع الشروط المسبقة لإعفائه من ديونه بشكل واسع. منوهة أن الصندوق؛ سيجري في مارس 2021م، تقييماً للتقدم في برنامج يراقبه خبراء الصندوق، وتأمل أن يُقدِّم ــ بأسرع وقت ممكن ــ إلى الدول الأعضاء، حجة قوية بشأن السودان، للاستفادة من مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون، حتى يتمكن من العودة للاندماج في المجتمع الدولي. لكن؛ ما هي الشروط التي وضعها الصندوق أمام السودان لإعفائه من هذه الديون، فضلاً عن الدوافع وراء هذا القرار، والأثر الذي سيحدثه على الاقتصاد السوداني؟

يقول أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعات السودانية؛ حسن بشير محمد نور، “واضح أن السودان واقع في فخ الأزمة الاقتصادية؛ ووعود الإعفاء من ديونه الخارجية، لكن من الممكن أن يستفيد الآن من مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون، بعد أن تصالح مع المجتمع الدولي، وأنهى عزلته الخارجية. وأساساً كان هناك اتجاه لإدخال السودان ضمن هذه المبادرة في العام 2020م، لكن قامت واشنطن بالتصويت ضد هذا القرار، نظراً لأن السودان ما يزال موجوداً ــ آنذاك ــ في قائمة الدول الراعية للإرهاب. وبالتأكيد؛ إذا اتفقت واشنطن، ولندن، على دعم الحكومة السودانية ــ في هذا الاتجاه ــ من الممكن أن يستفيد السودان بإعفاء جزء مقدر من ديونه. فكل الاحتمالات واردة.

نقطة حرجة
أضاف نور: “هناك شواهد كثيرة تدل على أن الولايات المتحدة اتخذت قراراً بدعم الحكومة المدنية في الخرطوم، منها الدعم الاقتصادي ــ وتحديداً ــ إعفاء الديون، واستفادة السودان من القروض المقدمة من مؤسسات التمويل الدولية والبنوك، لأنه لا يوجد حل آخر، وإلا سيحدث انهيار تام للاقتصاد، الذي يعاني ــ حالياً ــ من مأزقٍ حقيقي، إذ بلغت الأوضاع المعيشية أقصى مراحل التأزم، بسبب رفع الدعم عن المحروقات، وزيادة أسعار الكهربا،ء والغاز، وارتفاع معدلات التضخم بصورة جنونية، وانخفاض قيمة الجنيه السوداني لأدنى مستوى مقابل الدولار، إذ بلغ سعر الدولار في السوق الموازية 280 جنيهاً سودانياً، و55 جنيهاً في البنوك الرسمية”.

ولفت أستاذ الاقتصاد السياسي؛ إلى أن صندوق النقد والبنك الدوليين، وواشنطن يدركون وضع البلاد واقتصاده المنهار، وأن ما يحدث من تراجع في الأوضاع، جاء نتيجة تطبيق السودان شروط صندوق النقد الدولي، بعد توقيع الجانبان اتفاقية للإصلاح الاقتصادي. لكن ــ حتى الآن ــ لا يوجد ضوء في النفق لتعافي الاقتصاد، إذ وصلت الأحوال إلى نقطة حرجة، تحتاج حركة سريعة لإنقاذه من هذه الحال المريعة. متوقعاً أن تواصل إدارة الرئيس الأمريكي الجديد “جو بايدن”؛ دعمها الحكومة الانتقالية في السودان، من منطلق أن الولايات المتحدة دولة مؤسسات، لن تعطل أي توجهات وقرارات متخذة من قِبل إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب تجاه السودان.

أجواء مواتية
وفي السياق؛ يقول وزير الدولة السابق بوزارة المالية السودانية، عز الدين إبراهيم: “أعتقد أن الأجواء ــ حالياً ــ مواتية لإعفاء السودان من ديونه الخارجية، لأن الكلمة الأولى والأخيرة في هذا القرار ترجع لأمريكا. والسودان من ناحية فنية ــ حسب شهادة البنك وصندوق النقد الدوليين ــ مؤهل لذلك، من خلال الاستفادة من مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون. وسبق أن أُعفيت بموجب هذه المبادرة ديون عدد من الدول الفقيرة بصورة جزئية، وأخرى كلية. وكان من المفترض أن تكون بلادنا ضمن هذه الدول. لكن واشنطن اعترضت على استفادة السودان من هذه المبادرة بسبب وجود اسمه في قائمة الدول الراعية للإرهاب. وبالتالي؛ أصبح الوضع الآن مختلفاً عن السابق، وتم إلغاء العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي كانت حجر عثرة في تعامل السودان مع المجتمع الدولي ومؤسساته المالية”.

وتوقع إبراهيم؛ أن تُعقد ــ في المستقبل القريب ــ اجتماعات بخصوص هذا الموضوع، ما سيفتح للسودان باب الاستدانة من البنوك الدولية، لا سيما بنك الاستثمار الأوروبي، وغالباً ما يتم الإعفاء في ضوء ثلاثة مسارات، إما كلياً، وإما جزئياً، أو قد تُعاد جدولة هذه الديون بإعطاء فترة سماح زمنية. لكن ــ بشكل عام ــ ما يحدث الآن من محاولات في هذا الاتجاه؛ يُعد مسألة إيجابية، فهناك تفاؤل كبير بأن يتخلص السودان من ديونه الثقيلة، لافتاً إلى أن الإعفاء من الديون سيكون من مؤسسات، وبنوك، ودول خارج نطاق الصندوق. وهناك دول سبق أن أعفت ديونها مثل “بلجيكا، وهولندا، والنرويج”.

تدفق أموال
وتابع عز الدين إبراهيم: “بالنظر للمعطيات والمؤشرات أمامنا؛ فإن الوضع الاقتصادي في البلاد ــ على المدى المتوسط والطويل ــ سيكون في أفضل حال، ويشهد تحسناً ملحوظاً، نتيجة تدفقات رؤوس الأموال التي تأتي من الخارج، في شكل منح، وقروض، واستثمارات، وغيرها. لكن؛ تظل المشكلة في المدى القصير، إذ توجد ضغوط معيشية، وصعوبات كبيرة بسبب ارتفاع أسعار السلع، والأزمات الخانقة، لندرة، وشح العملات الأجنبية، وتدهور سعر الصرف، وضعف الإنتاج في القطاعات المختلفة. وتعود المشكلة لعدم وجود برنامج إسعافي لمعالجة آثار السياسات الاقتصادية التي اعتمدتها الدولة، بموجب توصية من صندوق النقد الدولي. إذ كان الصندوق يقدم قروضاً لتغطية العجز في الميزانية، لكنه لم يفعل ذلك، بسبب عدم سداد السودان ديونه، ووجود اسمه في لائحة الدول الراعية للإرهاب”.

وأضاف وزير الدولة السابق بوزارة المالية السودانية: “معروف أن الوصفة التي يقدمها صندوق النقد الدولي؛ لإصلاح الاقتصاد تكون قاسية، وهي دائماً ما تكون صحيحة، لكنها تتطلب دعماً خارجياً لتقليل الآثار على المواطن. فمثلاً؛ رفع الدعم عن السلع الضرورية، يحتاج إلى عمل دؤوب في الداخل، ونوع من التبصير، ولابد من التفكير في المآلات. فالاقتصاد السوداني؛ يعاني خللاً في التوازن الكلي، ناتج عن العجز في الموازنة. ومن أهم الأسباب التي أدت لذلك؛ الزيادة الكبيرة في المرتبات التي اتخذتها الحكومة، بنسبة تصل لــ600% من دون أن تكون هناك إيرادات تغطي هذا البند، فضلاً عن انعدام الدعم الخارجي”.

إصلاحات اقتصادية
وأجاز صندوق النقد الدولي؛ في سبتمبر 2020م، اتفاقية وقَّعها ــ في وقت سابق ــ مع حكومة السودان الانتقالية، لتنفيذ إصلاحات اقتصادية خلال 12 شهراً، من شأنها أن تؤدي لتقديم دعم اقتصادي للسودان، إضافة إلى إعفائه من ديونه الخارجية، كما تمهد الطريق لحل الصعوبات الاقتصادية التي تواجه الشعب السوداني، وإصلاح التشوهات الهيكلية التي خلَّفها النظام السابق، فضلاً عن تحقيق الاستقرار المطلوب لتحقيق السلام العادل والمستدام في جميع أنحاء البلاد.

وبحسب وزيرة المالية المكلفة في السودان؛ هبة محمد علي، فإن “تنفيذ الإصلاحات اللازمة سينتج فوائد ملموسة للشعب السوداني، من أهمها إعفاء متأخرات ديون السودان، بموجب وصول البلاد إلى نقطة القرار الخاصة ببرنامج البلدان الفقيرة المثقلة بالديون (هيبيك)، والتي ستمهد الطريق لإعفاء البلاد من ديونها التي تقارب الـ60 مليار دولار في نهاية المطاف”. وأشارت إلى أن برنامج صندوق النقد الدولي؛ “سيتيح للسودان الحصول على تمويل للمشاريع التنموية والإنتاجية الكبرى في كل أنحاء البلاد، مثل مشروع الجزيرة، وموانئ بورتسودان، وسكة حديد السودان، والنهوض بالثروة الزراعية والحيوانية، وبالصناعة، والصحة، والتعليم، والبنية التحتية”. وأكدت أن “تنفيذ البرنامج؛ سيجعل السودان مؤهلاً للحصول على أكثر من 1.5 مليار دولار سنوياً من المنح التنموية المباشرة لتحفيز الاستثمار، وإنعاش الاقتصاد لخلق فرص عمل، خاصة للشابات والشبان، وزيادة الإيرادات والصادرات”. وسبق أن اتفقت حكومة السودان؛ وصندوق النقد الدولي ــ في يونيو 2020م، على وضع خطة، وبرنامج لمدة عام، تقوم الحكومة بتنفيذهما. وعلى غرار هذه الخطة الاقتصادية؛ تستطيع الخرطوم طلب مساعدات، عبارة عن منحٍ، وقروضٍ، لتنفيذ مشروعات تنموية، إلى جانب إعفاء ديونه المتصاعدة ــ سنوياً ــ بسبب عجزه عن سدادها منذ حقبة الحكومة السابقة

.الديمقراطى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*