المسيرة الوضاءة (4)

فاطمة ونميري: أعدم زوجها وسجنها مع الرجال

  • 15 أغسطس 2017
  • لا توجد تعليقات

توفيت إلى رحاب ربها المناضلة الرائدة فاطمة أحمد إبراهيم بعد أن تركت سيرة عطرة أغنت بها الحياة الفكرية والثقافية والسياسية في السودان، ضاربة أروع الأمثلة في البذل والعطاء، ويسر “التحرير” أن تقدم صفحات من هذه السيرة عبر حلقات، اعتماداً في المقام الأول على روايتها، فإلى الحلقة الرابعة، التي تتناول علاقتها مع نظام نميري:


نميري (يمين) والشفيع أحمد الشيخ (يسار)

بعد تسلم جعفر نميري السلطة في مايو سنة 1969م بعد انقلابه على الديمقراطية الثانية، ذهب إليه وفد من الاتحاد النسائي، للمواصلة في حقوق المرأة التي حققها، فوافق بشرط تأييده، إلا أن فاطمة رفضت، كما رفضت مرافقته إلى الاتحاد السوفييتي؛ حرصاً على استقلال الاتحاد، ورفضت كذلك منصب وزيرة المرأة والشؤون الاجتماعية، ورفض زوجها الشفيع أحمد الشيخ منصب وزير العمل، وظن نميري أنهما يتعمدان إهانته.

وفي الاحتفال بعيد تأسيس الاتحاد في 31 يناير 1971م، أعلن نميري في خطابه انه لن يطبق حقوق المرأة لأنها مستوردة، وفي خطابها الذي ألقته بعده ذكرت له ان الحقوق لا تستورد، وإنما المستورد ملابسه، ثم سحبت تأييد الاتحاد له، فانسحب من الجلسة، ومعه كل وزرائه، وبعد ذلك بدأت تظهر إرهاصات الانقسام في الاتحاد النسائي في بداية الاستعداد للدورة الجديدة، ومع ذلك فازت بمنصب الرئاسة بالإجماع، وفازت قائمتها كلها، ولم تفز أي واحدة من المنقسمات، وفي إبريل سنة 1971م اعلن نميري حل الاتحاد النسائي، وكونت المنقسمات اتحاد نساء السودان التابع لحزب نميري “الاتحاد الاشتراكي”.

وبعد انتهاء فترة الاعتقال بعد إعدام الشفيع، نظمت أرامل الشهداء وأطفالهم تجمعاً أمام القصر لتقديم مذكرة إلى نميري (تصفه فاطمة بالسفاح)، تطالبن فيها بكشف الجرائم التي ارتكبها الشهداء، وأدت إلى إعدامهم، ورفضن تسليم المذكرة لمندوب القصر، وطالبن بإحضار قاضٍ لاستلامها، وبالفعل تم ذلك، وبعدها ذهبت فاطمة مباشرة إلى المحكمة العليا، وبدون ميعاد مسبق دخلت على قاضي القضاة بدون اذن وسلمته مذكرة طالبت فيها بمحاكمة السفاح نميري والمجرم ابو القاسم محمد ابراهيم لتعذيبهما الشفيع واعدامه بدون وجه حق، فاندهش قاضي القضاة، وبعد إلحاحها طلب مني تسجيلها في مكتب إدارة المحكمة، وبالفعل تم ذلك، واقترحت فاطمة على أرامل الشهداء ان يفعلن الشيء نفسه.

وقد قبض عليها قرب منزلها، واقتيدت إلى حراسة بمنطقة اللاماب بحر أبيض، وكانت ضيقة المساحة، وبها زنزانتان فيهما قتلة، ولصوص ومدمنو مخدرات، وكلهم رجال، ومعهم رجل شرطة في الغرفة نفسها، تنازل لها من كرسيه، وعندما دخلت ارتدوا ملابسهم، ووقفوا جميعاً، وخلال الثلاثة أيام التي قضتها معهم، لم يرفعوا رؤوسهم ، ولا عيونهم من اتجاه الارض، ولم يتحدثوا على الإطلاق، واضربوا عن الطعام لأنها رفضته، لأنه سيء جداً، وفي اليوم الثالث شعرت ببوادر غيبوبة ، فطلبت من الشرطي أن يخبر الضابط؛ لكي يحضر لها قاضياً قبل أن يغمى عليها، وبالفعل جاء القاضي، وثار ثورة شديدة، لاعتقال امرأة مع رجال مجرمين، وأمر بإحضار الطبيب ، الذي جاء، وقرر نقلها إلى المستشفى، فوقفت وهي تترنح، وقالت للقاضي : هؤلاء ليسوا مجرمين، ليس هناك طفل يولد وهو مجرم، المجرم الحقيقي هم الحكام، وعلى رأسهم نميري، الذين لم يوفروا لهم العمل الشريف، وسد احتياجاتهم، لقد كانوا في منتهى الأدب والتأثر، فوقفوا جميعاً، وشدت على ايديهم واحداً تلو الآخر حتى الذين في الزنزانات، ثم اغمى عليها، فنقلت إلى المستشفى.

حصلت فاطمة على تأشيرة خروج للسفر إلى لندن للعلاج، وقبل سفرها علمت أن رجال الامن انزلوا أسرة بابكر النور من الطائرة، فاتصلت برئيس الأمن، مستفسرة عما إذا كانت ستتعرض للموقف نفسه، إلا أنه أكد لها أن ما حدث لأسرة بابكر النور من قسم آخر من الامن، وأنهم لن يمنعوها، فذهبت إلى المطار ومعها طفلها أحمد، وإذا باثنين من رجال الامن يعترضان طريقها إلى الطائرة، ويأخذان جوازهما، فما كان منها إلا أن وقفت وسط المطار المزدحم بالمسافرين والقادمين، وحكت لهم بأعلى صوتها عن جرائم نميري وسرقته وسرقة شقيقه للأموال العامة، فجاء شرطي ضعيف جداً، وأبلغها بأدب بأنه سيلقي القبض عليها، فقالت له: “نفذ الاوامر وأنا لا ألومك، لأن هذا عملك، ولكني أقول لك، ولكل هذا الجمهور أنني أفعل كل ذلك، وأدخل السجون من أجلكم، لنوفر لكم العمل الشريف، ولنقضي على الفقر والأمية والمرض والعطالة، ولهذه الاهداف أُعدم الشفيع ورفاقه ، ثم وجهت إلى الضابط الحديث، وقالت له :”أنت رجل بوليس عملك يتطلب أن تكون قوياً، ولكن اذهب وانظر في المرآة أنت ضعيف كالهيكل العظمي، وفاقد سوائل.

نُقلت فاطمة إلى الحراسة، وفي الصبح الباكر أعلن نميري بكل وسائل الاعلام أنه سيقدمها إلى محكمة طوارئ عسكرية للحكم عليها بالسجن مدى الحياة، وفي اليوم التالي كانت الجماهير قد تجمعت أمام المحكمة، وعندما وصلتها ابنة اختها مريم العاقب وهي تحمل ابنها أحمد ا قفز إلى صدرها، وأُجلت الجلسة إلى اليوم التالي، وزاد عدد المتجمهرين، وامتلأت القاعة بالحضور، ورأس الجلسة القاضي ومعه ممثلان ، واحد من القوات المسلحة والآخر من الشرطة، وكان يجلس بجانبها نقيب المحامين ليساعدها على الدفاع عن نفسها، وكانت هيئة المحكمة اتصلت بنميري وأخطرته بأن إصدار أي حكم ضدها سيؤدي إلى انفجار جماهيري، فقرر ان يطوف بنفسه بطائرة “هيلوكبتر” ليرى المحتشدين، وبالفعل رأى الجمهور، ووافق على إطلاق سراحها.

عندما قدمنها نميري إلى محكمة الطوارئ العسكرية، كان شقيقها صلاح، رحمه الله، سفيراً بالجزائر – فلما سمع بالأمر، طلب من كل أعضاء السفارة أن ينصرفوا، وعقد مؤتمراً صحافياً بالسفارة، دعا إليه رجال السلك الدبلوماسي والإعلام، وكشف فيه جرائم نميري وسرقاته وسرقات شقيقه للمال العام، ثم غادر إلى باريس بدون أن يقدم استقالته، وهناك سكن في غرفة ضيقة.

ماتت أمها في شهر يونيو سنة 1971م، وقبل أن تكمل الأربعين يوماً، أُعدم الشفيع، وبعد ذلك توالت عليها الأحزان.

فاطمة والشفيع: تزوجا في ميدان الربيع بحضور متسولين وباعة

التعليقات مغلقة.