المنصورة مريم عصية على السهام

المنصورة مريم عصية على السهام
  • 08 يوليو 2021
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

في اواخر التسعينيات في الحدود السودانية الارترية ابان وجودي ضمن جنود جيش الأمة للتحرير انضمت إلينا الأميرة مريم الصادق المهدي، تم تدريبها بصورة قاسية على يد الرائد الشهيد محمد زين ضوينا الذي استشهد في تلك البقاع مدافعا عن الحرية والديمقراطية ضد صلف الإنقاذ وجبروتها. ضربت الأميرة مريم المثل في التحمل وقوة الشكيمة أثناء التدريب حتى التخرج والانضمام لصفوف جيش الأمة وكانت بذلك ثالث ثلاثة أميرات صامدات ومناضلات ضمن جيش الأمة للتحرير برفقة الاميرة نادية مصطفى والاميرة سعاد. شاركت الأميرة مريم ضمن الجيش المقاتل في معركة القرقف التي كانت ملحمة رد فيها جيش الأمة للتحرير على هجوم مليشيات الانقاذ باقتحام معسكرهم عنوة واقتدارا، محققا نصرا عزيزا ومقدما في ذلك شهداءا ابرارا هم الآن في عليائهم يبتسمون والبلاد قد تحررت أخيرا من الشمولية والدكتاتورية.

نضال الأميرة مريم لم يتوقف بعد عودة جيش الأمة وجيوش التجمع الوطني الديمقراطي، إذ واصلت النضال بعد العودة وكانت من أشرس معارضي نظام الانقاذ، لا توجد وقفة ولا مظاهرة ولا ندوة ولا حراك للمعارضة الا وكانت المنصورة جزء منه، تعرضت للاعتقالات والتحقيقات وتم الاعتداء عليها حتى كسرت يدها من قبل الامنجية والرباطة في اقتحامهم البربري لدار حزب الأمة القومي في عام ٢٠١٠، الدار الوحيدة التي لم ترفع راية غير راية المعارضة لنظام الإنقاذ منذ الانقلاب إلى السقوط.

شاركت المنصورة رفقة الإمام الراحل الصادق المهدي في اجتماعات نداء السودان بباريس بين حزب الأمة القومي وحركات الكفاح المسلح، وتوعدها نظام الانقاذ ووالدها ببلاغات تؤدي إلى الإعدام ضمن ما يعرف بالجرائم الموجهة ضد الدولة باعتبارها تلتقي وتتحالف مع حركات تحمل السلاح ضد الانقاذ، وبشجاعتها المعهودة تحدت الأميرة مريم كل تهديدات ووعيد الإنقاذ وعادت إلى السودان عبر مطار الخرطوم وعلامة النصر مرفوعة فوق وجهها وكأنها تردد مع المتنبي:
عش عزيزا او مت وانت كريم
بين طعن القنا وخفق البنود

دفعت المنصورة ثمنا غاليا وعزيزا في نضالها ضد دكتاتورية الإنقاذ في وقت كان فيه الكثيرين لا يابهون بحال البلد ولا يهتمون به، ولا يستطيع أن يزايد عليها الا جاهل بالتاريخ السياسي أو حاقد او مغبون، وتعتبر من النساء القلائل في المنطقة اللائي واظبن على النضال ضد الشموليات في الوقت الذي توفرت لها حياة أخرى سهلة وميسرة كان يمكن أن تعيشها في كنف أسرتها ذات الصيت والسمعة ولكنها ركلت ذلك وارتضت ان تدفع ضريبة الوطن والديمقراطية مقاتلة مع الجيوش ومناضلة عبر الكلمة والمظاهرة والتعبئة ضد الإنقاذ حتى سقطت. كذلك ساهمت المنصورة في الحراك النسوي السوداني من أجل مكانة واعتبار للمرأة السودانية وكانت من الرائدات في ذلك، وتنصيبها في منصب وزيرة الخارجية ونجاحها فيه هو نجاح للمرأة السودانية وتكليل لنضالات الحركة النسوية في الأحزاب السياسية عامة وليس في حزب الأمة فقط.

بعد كل هذا التاريخ لا يستطيع أن يقدح قادح في نضال المنصورة، لهذا يحاولون تشويه صورتها من خلال تعيينها وزيرة للخارجية، ويستكثر عليها البعض السفر للخارج بحجة التقشف!! وكان وظيفة وزيرة (الخارجية) هي البقاء (بالداخل)، نشاط المنصورة المحموم في السفر الخارجي هو ضرورة لازمة من أجل استعادة صورة السودان الصحيحة التي شوهتها ٣٠ سنة من حكم الكيزان، ومن أجل فتح صفحات جديدة مع العالم وتقديم صورة صحيحة ومباشرة من أرفع منصب في الخارجية، حتى يعلم العالم أجمع بأن الحكومة الانتقالية حكومة ثورة ديسمبر جادة في مسح كل (القديم) تماما وبداية عهد جديد بسودان جديد لا يحمل للعالم الا السلام والمحبة.

اهتمام وزيرة الخارجية بملف النهضة، هو اهتمام سليم، فهذا الملف هو أكبر اختبار للدبلوماسية السودانية في حشد العالم مع موقف السودان، قضية سد النهضة هي قضية مركزية وتؤثر بشكل مباشر على حياة الملايين من المواطنين السودانيين الذين يعيشون على ضفاف النيل الأزرق، وبالتالي هي ليست قضية بسيطة يمكن التساهل معها، وبما أن الحرب خيار مستبعد، فإن الدبلوماسية والحوار والمفاوضات هي الطريق الوحيد للسودان للحفاظ على حقوقه وضمان حماية مواطنيه من اي تهديد مباشر او غير مباشر لحياتهم، لذلك هذا الملف يحتاج نشاطا فوق العادة لوزيرة الخارجية لأنها في سباق مع خط زمني محدد متعلق بملء الخزان بصورة احادية بواسطة اثيوبيا، لذلك مهم بذل كل الجهود في هذا الوقت الضيق والاجتهاد في حشد دعم العالم لتأمين موقف السودان، وبذلك فإن انتقاد رحلات المنصورة الماكوكية في سباقها المحموم هذا مع الزمن اما يدل على سذاجة مطلقه او عدم المامه بالخطر الداهم الذي يتهدد السودان ومواطنيه.

قاتلت المنصورة الإنقاذ لمدة ٣٠ سنة ايمانا بما تؤمن به ولم تتزحزح قيد أنملة، وتستطيع أن تقاتل ٣٠ سنة أخرى من أجل ما تؤمن به سواء في وزارة الخارجية او غيرها، لذلك على الذين سنوا اقلامهم للنيل منها ان (يكربوا قاشهم) فهذه امرأة مناضلة لا يأتيها اليأس ولا الاحباط من همزات الهازمين ولا لمزاتهم، فليواصلوا ما يقومون به وستواصل هي ما تقوم به، وكما انتصرت المنصورة من قبل على الإنقاذ وزبانيتها، ستنتصر اليوم او غدا على الزبانية الجدد مدمني اللايفات وبائعي الكلمات والوهم.

يوسف السندي
sondy25@gmail.com

التعليقات مغلقة.