مساهمة في مقاومة إدارة الشر بعقل السلطة الانتقالية

  • 26 يوليو 2021
  • لا توجد تعليقات

د. وجدي كامل

مقدمة:

استمعتُ إلى السيد ياسر سعيد عرمان نائب رئيس الحركة الشعبية في تسجيل صوتي بدا فيه أنه يردُّ على السيد مبارك الكودة الذي كان – كما يفهم من سياق الردّ- يدعو في مجموعة واتساب إلى إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من قادة الإنقاذ من سجن كوبر، وينتقد من جهة أخرى لجنة التفكيك فيما تقوم به من أعمال.

انطلق ردُّ عرمان من رغبة في إعادة تعريف مضمون المصالحة ككلمة حق أُريد بها باطل برأيه، وأنها تحتاج إلى إعادة تعريف (قالها بالإنجليزية).

 وهنا حاول إحصاء أنواع المصالحات بذكره أن هنالك مصالحات مجتمعية، وأخرى سياسية؛ متسائلاً عمن يستحق أن يكون طرفاً في هذه المصالحات؟

وينتقل عرمان إلى فكرة أخرى، وهي احترامه سلطات الفريق عبد الفتاح البرهان بصفته رئيساً لمجلس السيادة والدكتور عبد الله حمدوك و(الشعب) الذين برأيه هم المعنيون بالبتّ في أمر المصالحة كقرار.

يذهب بعدها في رده إلى لجنة إزالة التمكين؛ فيرى أنه -على الرغم من عملها بالوثيقة الدستورية التي أقرّت تكوينها وأجازته – ليس بمقدور جهة أو أحد إزالتها، وإن كان يمكن العمل على إعادة النظر في منهجها، وليس حصرها فيما تقوم به، وهو يرى أهمية تصفية ترسانة القوانين التي حكمت بها الإنقاذ، بل يراها المهمة الفعلية المقدسة لإزالة اثار الإنقاذ في الإعلام وغيره.

ياسر عرمان

 يخلص عرمان إلى أنَّ الإنقاذ لن تعود، وأن المطلوب بناء ديمقراطية تضمن مشاركة كل السودانيين، مشيراً إلى أنه منكب حالياً على الكتابة عن لجنة التفكيك.

 ويقف ياسر سعيد عرمان عند فكرة تنوع (الإسلاميين)، وتعددهم، بالقول إنّ الاسلاميين ليسوا جبهة واحدة، وإن هنالك منهم من لم يشارك في الجرائم المرتكبة، وبانتظارهم (مهمة) الاعتذار، و(رفض الطريق) القديم الذي ذهبوا فيه مع الإنقاذ، و(دمر) السودان.

 ويؤكد ياسر أخيراً رغبة الملايين من السودانيين – وبينهم الشباب- باستبعاد وإقصاء الإسلاميين، إلا أنه (وهنا بيت القصيد) يرى أن لهم فكراً، والفكر لا يجب إقصاؤه أو مكافحته؛ لأنه سيستمر، وأنه لا بد لهم من إعادة ما اختطفوه باسم الدولة الدينية. وان الدولة المعاصرة يجب أن تقف على مسافة متساوية من جميع الإثنيات.

متن الرد:

مبارك الكودة (وبما يفهم من ردّ ياسر عليه) يعود – وبعد ضمه لزمرة الكيزان دون تمييز يناله من نضالات خاضها ضد الإنقاذ، وبعد اغتراب غشاه بعد الثورة- يبحث عن إخوة الفكرة النبع، وفرقاء السلطة.

مبارك الكودة

 فمبارك – ورغم ما ذاقه من ويلات إخوته- يجد نفسه مضافاً بين قوسي المنع القانوني ضمن المنبوذين سياسياً بإحكام الثورة من نيل موقع ذي علاقة بالثورة، وكانه قد حرث في مقاومة خاسرة، غير مجدية، ليعود وبدافع تأنيب وتعذيب ضمير خاص لمشاعر قديمة في الإخوة غير الشقيقة في التصور السياسي لحكم السودان، يطالب برد إخوته المعتقلين إلى فضاء الحرية، معبراً عن وحشة سياسية، وربما إقصاء وجده بعد الثورة.

 نعم الضمير الخاص بالكودة هو الذي تحدث هنا، ولكن بتعميم، كما هي عادة السياسيين السودانيين في توسيع قمصان مطالبهم الذاتية، ورغباتهم الخاصة، وتوصيف طلب حياكتها على مقاس (الشعب)، وأحياناً (الجماهير) لإعطائها المسوغات المطلوبة للتسويق على أوسع نطاق.     

السؤال المهم هنا والواجب إثارته هو: ترى ما الذي يحفز الكودة وأمثاله إلى العودة للعب الأدوار ذاتها المثبطة، ومحاولة إعادة العجلة إلى الوراء؟ ومن الذي يدعمهم؟

الاجابة هنا: إنها المصالح الفكرية المشتركة المتمثّلة في إعادة السلطة المخادعة بالدولة الدينية التي تبدو حالياَ ناظماً لعقدهم المقاوم الجديد، والأشواق لرعايتها بصفة مجددة، وإن تقاتلوا تحت سقوفها. ذلك أهون عليهم فيما يبدو من رؤية الخصوم المنادين بالدولة المدنية في سدة الحكم، وهي تسقيهم من ذات الكأس التي كانوا قد سقوهم منها. غير أن هنالك إجابات بنظري أكثر مقبولية ووجاهة وواقعية تستحق الاعتماد هنا، وهى أسباب سوء إدارة السلطة الانتقالية وهشاشة أوضاع عامة تتصل بعلاقة الشر بين التوأم السيامي الذي يغرق البلاد في الأزمات، ويمارس الاختراق للوثيقة الدستورية من كافة الاطراف من عسكر ومدنيين وحركات كفاح مسلح، بقطف الثمرة المحرّمة من شجرة الانتقالي، وتكوين تحالف حزبي أقل ما يمكن وصفه أنه العامل الحاسم حتى الآن الذي يشكّل الإضعاف، إذا لم نقل الإطاحة الرمزية للحاضنة السياسية بقيام انقلاب مسكوت عنه ضدها بعد اتفاقية جوبا جمع بين أطراف جمعتها وتجمعها روابط تاريخية اجتماعية واقتصادية دقيقة في مراحل المقاومة للإنقاذ فرأت أنها الأحق بالحكم في المرحلة الخطأ.

الكودة وغيره من أصوات إسلاموية مجروحة تستفيد من هذه الثغرة القانونية والأخلاقية، وتنفذ عبرها للإطاحة بكل البنية بنوايا إعادة توزيع الورق من جديد، على أمل أن تقود تحالفاً يشكّل المكون البديل مع الشقّ العسكري. لكل ذلك فهو وغيره ينشطون لإعادة العجلة الى الوراء مشاركاً في الوقفة ذاتها، على المسطبة ذاتها، التي يقف عليها الإنقاذيون كقيادات ومؤسسات وجمهور في العمل على خلق الفوضى، وإرباك المشهد السياسي العام.

المشترك بين الكودة وياسر؟

 على الرغم من الهجوم الناعم والمتماسك الحجة الذي قام به عرمان كردّ على دعوة مبارك الكودة بإطلاق سراح قيادات الإنقاذ من السجن بغمز في قناة لجنة التفكيك، إلا أن ياسر يربطه وشاج مع التيار الداخلي البيني لفكرة الكودة في أهمية حساب الفرق والتمييز الإيجابي بين المؤتمر الوطني وعضويته وقياداته التي يصفها بالإجرام في حق الشعب و(عموم إسلاميين) يحملون فكراً ولا يمكن إقصاؤهم، والتخلص منهم بالقوانين الرادعة، وأعمال فظة كالتي تقوم بها لجنة تفكيك التمكين.

 ولكن هل من رابط آخر لصفة أعمق بينهما؟

 الرابط – كما يبدو من الوهلة الأولى- هو استخدام مصطلح (الإسلاميين) لدى مبارك كما لدى ياسر وغيرهم ممن يستخدمونه  بوصفه مصطلحاً مجازاً متفقاً عليه بين الجميع دون البحث في أن من قام بصكه وتسويقه هم الإنقاذيون أنفسهم بحثاً عن الهروب إلى الإمام، وإيهام الرأى العام البسيط، وسوقه إلى اختطاف آخر بمسميات ووصفات لغوية، كثيراً ما برعوا في استخداماتها، والقفز منها؛ لنثر وبث قدر من التعمية، وتنشيط صرف النظر عن محتوى المصطلح المثير للجدل، ان لم نقل الممعن في توسيع دائرة إنتاج التحايل على الحقائق.

إنّ مصطلح الإسلاميين الذي يجري تسويقه جهراً بياناً يقرّ قاعدة أن هنالك تياراً سياسياً فكرياً موجوداً ومؤثراً يتشكّل ضمن مكونات المجتمع الفكري السياسي السوداني، وهو المصطلح الذي أُريد به (باطل) بتخصيص دلالته العملية التطبيقية على غير أعضاء المؤتمر الوطني من أحزاب، وجماعات وطرق إسلامية.

فهل يا ترى وعلى هذه الدلالة الاصطلاحية يمكن حسبان أحزاب كالأمة والاتحادي والجمهوري أحزاباً مسيحية مثلاً؟

 أليست أحزاباً إسلامية وجمهورها إسلامي في غايات برامجها الفكرية وأصولها وخلفياتها العقائدية؟

أو لا تعبر تلك الأحزاب بوصفات مختلفة عن هوياتها السياسية وتتّخذ المدنية وسيلة لنشر شخصيتها من دون دعوة صريحة ومباشرة للدولة الدينية؟ إذن، فإن الاسلاميين الذين يرمز إليهم الكودة وعرمان معاً هم زمرة أحزاب أخرى، غالباً ما تكون هي حزب المؤتمر الشعبي، وكذلك حركة الإصلاح الآن، وحزب ربما يعمل على إعلان نفسه تحت مسمي البناء والنهضة، وجماعات أنصار السنة، وكل ما يتفرع من ذلك، ويدعو في أطروحاته وبرامجه إلى تحكيم ما لقوانين سبتمبر؛ بوصفها قوانين الشريعة الاسلامية.

 إن الذين يعملون على، وتحت فكرة، نصرة الإسلام سياسياً بحكمهم للسودان، هم قوى سياسية سبقت لها تأسيس حركة الإخوان وأخواتها ومشتقاتها؛ باحتفاظ للروابط الفكرية المختصمة فيما بين خطاباتها التفصيلية.

إنها الكتلة السياسية والثقافية التي أسس لها الإخوان المسلمون أنفسهم الذين حكمونا بالحديد والنار من دون تمييز بين طوائفهم وأحزابهم التي سعت إلى إعاقة المشروع الوطني بدعوات ضيقة ومغلقة أثبتت محاولة تطبيقاتها جميعها – حال الحصول على السلطة، والإمساك بمقودها- أنها أول من سيسدد الطعنة النجلاء للإسلام كعقيدة، وعبادات، وثقافة اجتماعية باسم الدين؛ فتؤسس لاقتصادها العلماني المحتوى المرفوع على رايات إسلامية.

إن الرغبة في تفكيك المعنى لا بد ان تقود ايضا لاهمية تفكيكه بطرح سؤال من هم الاسلاميين مرة اخرى؟

لقد سعت الإنقاذ -في خضم بحثها عن مسميات فضفاضة، وحتى تبدو أكثر مقبولية لدى الرأي العام- إلى تغيير جلد مسمياتها من الإخوان المسلمين الى جبهة الميثاق، إلى الجبهة الإسلامية القومية، الى المؤتمر الوطني، إلى الحركة الاسلامية. 

ومن هذه الأخيرة -وبدافع تخليط المتناقضات الداخلية ومزجها ببعضها بعضاً، وتفاقم ما بين أجنحتها من صراعات- خرج مصطلح الاسلاميين برمزية أنه التيار العريض الذي يرمز إلى تبني قضايا ومواقف البرنامج السياسي للمسلمين السودانيين، حسب تصنيفه هو، ورؤيته لذاته.

 أما الشعب وبحساسيته اللغوية العالية، فيطلق عليهم (الكيزان)، كدليل كراهية، وعدم قبول، ولا يعطيهم حق مسمى إسلاميين إذ إن ذلك التصنيف محسوم عنده بحقيقة علاقته بالإسلام كدين للعبادات، وعلاقة للفرد مع ربه، وهو ما عرف بالإسلام السوداني الوسطي.

البشير والترابي قبل المفاصلة

لقد عمل الراحل الدكتور حسن الترابي -المغدور من تلامذته وعسكره فيما بعد- على صناعة ورعاية هذا التيار الذي انقسم في أثناء حكم الإنقاذ. وحتى يقاوم الترابي ما حاق به أسس المؤتمر الشعبي كجناح مضاد للمؤتمر الوطني، ووقع ما وقع من حرب كانت شهودها المجتمعات السودانية قاطبة، والضحية لحكمها؛ بسبب الحروب الأهلية، وما سببته من فقر، وعوز، وفاقة وتشريد، ونزوح وتهجير للسودانيين.

ورغم حدة واحتداد المعارك بين تيار المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي وولادات جانبية مغاضبة، كحركة الإصلاح، وجماعات متظرفة نمت هنا وهناك، إلا أنهم جميعاً يبدون كفرقاء فكرة مركزية تستهدف الدولة بالحكم باسم الدين، وإخضاعها لقوانين سبتمبر، وجعلها قوانين أبدية في الحياة السياسية السودانية؛ بل إن حدّة واحتداد المعارك بينهما لم تكن أكثر من حنق وفيرة سياسية لطرف على آخر، واتهامه بخيانته، وليس استبداله للأيديولوجيا الجامعة بينهما.

إذن من حق السودانيين مساءلة وسؤال ياسر عرمان عن محتوى الفكر السياسي لهذه القوى السياسية؟

 نعم من حق الثوار والثائرات طرح سؤال: ما الفروقات الجوهرية بين فكر المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي، والإصلاح، الآن وجماعة أنصار السنة كتحالف رمزي؟

إن المؤتمر الوطني لم يحكمنا وحده، ولكنه حكم مع تيارات أخرى، ومنها المؤتمر الشعبي، وحركة الاصلاح الآن، وأنصار السنة، وحركات متطرفة، كتحالف معلن لمدة تقارب الثلاثين عاماً.

غازي صلاح الدين

ويظلّ السيد ابراهيم السنوسي وإخوته الإسلامويون بالمؤتمر الشعبي متهمين بتقويض النظام الديمقراطي؛ مما يؤكد بقاؤه ضمن متهمين آخرين تحت هذه التهمة بالسجن السياسي. ويظل غازى صلاح الدين، وحسن رزق ومن معهم بحركة الإصلاح الآن يسعون إلى السلطة وتمكين الدولة بالقوانين الإسلامية كرؤية إخوانية للحكم باسم الدين في نهاية المطاف، وليس بقوانين عقائدية اخرى.

 إن فكرة الحكم باسم أي دين، ومنه الدين الإسلامي، تصير ضرباً من الترويج وإشاعة الفتنة من جديد على يد مكون الإسلام السياسي في بلد يقوم على التنوع الثقافي والإثني، وكان السيد عرمان قد حارب ضده ضمن الحركة الشعبية لتحرير السودان؛ بغرض صناعة السودان الجديد الخالي من أمراض الأحادية الموروثة في الحكم والحوكمة التي أدت إلى انفصال الجنوب، وإشعال الحروب الأخرى التي تأذى منها عرمان شخصياً، واستهدفت حياته، فضلاً عن الاثمان التي دفعها ودفعتها مجتمعات الهامش في أتون تلك المسغبة.

 لهذا وذاك، فإن الدعوة إلى المصالحة مع (الإسلامويين) تغدو دعوة تحايل سياسي بامتياز في أصل فكرتها، وجوهرها، ترى في الوطن ساحة للصراع الأيديولوجي في إطار تمكين فكر ديني بعينه، ولا تفتح باب المنافسة للأفكار المدنية لإنتاج التقدم والتنمية على أساس وحدة المواطنة، والبحث عن حلول سياسية لمشكلاته.

هذا إضافة إلى غفلة متكررة تنتج من عدم الأخذ بالتفكير التحليلي السياسي لأوضاع القوى السياسية، ودور الإنقاذ في إنتاجها وتنميتها، والسعي إلى اعتمادها واقعاً وحقيقة، لا فكاك منها بعد الثورة.

الإنقاذ دولة عميقة عملت – في صراعاتها الداخلية، وتشظي مكونها الأساسي- على التأسيس الاحتياطي الأيديولوجي لسلطتها، الذي مهما اختلف معها، فلن يذهب الى التبرؤ أو إنكار عروة وثاقها الاجتماعي السياسي والايديولوجي معها، في المناداة بحكم البلاد على أساس قوانين سبتمبر المعيبة.

فيصل محمد صالح

في نظري أنه ولإنتاج سودان جديد آخر لما بعد الثورة، ولأجل تأسيس كتلة القوى الحيّة للثورة وإطلاق خطابها الموحد وحياكة رؤيا جديدة للحكم، يجب قيام مؤتمر الدولة والثورة الذي قمت بتسليم تصور له، باشتراك مع مركز الدراسات السودانية، عن طريق الاستاذ فيصل محمد صالح المستشار الاعلامي للسيد رئيس الوزراء، الذي يعمل او يتعاون مع سكرتاريته او طاقمه السيد ياسر عرمان.

 إن أهمية قيام المؤتمر تستند إلى ضرورة فتح المناقشات بين القوى السياسية المساهمة والمنحازة للثورة كافة، والفصل في مصير الدعوات الرامية إلى الحكم باسم الدين، وهي تسبق بشرعية ومشروعية الثورة سلطات السيد رئيس مجلس السيادة والسيد رئيس الوزراء.

 إنها سلطة الشعب التي وضعها عرمان في المرتبة الأخيرة لاتّخاذ القرار بعد البرهان وحمدوك في ردّه على الكودة.

إن عدم السماح لأحزاب الإسلام السياسي والحكم باسم الدين فكرة أقرتها من قبل وثائق عديدة للمعارضة السودانية والقوى الوطنية، ومن ضمنهاالحركة الشعبية لتحرير السودان، وفسرت أزمة الحكم، ورأت أنه ليس المهم من يحكم السودان، ولكن كيف يحكم؟

إن الخلاف هنا في أساس وجود فكر سياسي يسمي نفسه بالإسلاميين.

 إسلاميون على من؟ وإسلاميون ليفعلوا ماذا بنا وبالسلطة؟

هذا هو ركن المساءلة التي يجب رفعها، وليس اعتماد الإرث السياسي للإنقاذ كسياسة واقع، علينا البصم عليها، أو سنصم بتهمة التمكين الموازي في حالة الرفض لها.

إن ما يجب تأكيده والتوضيح له – بصفة جلية لا مراء فيها- هو أن للثورة قواها التي من حقها التمكين لأفكارها ورؤيتها للكيفية التي يجب أن يُحكم بها السودان، وإقامة سلطة الثورة بأفكارها الناقدة المفارقة المتجاوزة لكل التراث الثقافي السياسي البغيض، ومجتمعه السياسي الذي تحاول أجنحة تختطف السلطة الآن الغش باسم الثورة، والتحدث عن مصالحة.

 المصالحة التي ترفع من صوتها الآن هي ثمرة أيضاً واستقواء بوجود الشق العسكري كلجنة أمنية سابقة وضالعة في العلاقة الأيديولوجية الإسلاموية بالسلطة، وهي الثمن الذي تريد؛ لبقاء الشراكة الآثمة معهم؛ بالمحافظة على الدولة العميقة التي هي دولة الإسلامويين، وليس (الإسلاميين) وأثرها الممتد في سياق أفكار السلطة السياسية المتوّج بانقلاب الثلاثين من يونيو. إنها ذات الدعوة إلي أن يستمر الترابي حاكماً حياً وميتاً للسودان عبر قوانين مقيدة وظالمة، قائمة على أفكار مخاتلة للناس باسم الدين تسعى على أقدام مصنوعة للحكم من جديد بتنسيق خفي بين أطراف ذات رعاية إقليمية، لا نعلم ما المنطق في تدخلها في الشؤون الداخلية الخاصة بنا؟

إعادة تنظيم اقتصاد السلطة الانتقالية – كلمة سر المصالحة:

أختم بأن الملاحظة الثابتة المتكررة من المناداة بالمصالحة وبكل المعايير السياسية والامنية التي يسوقها أصحابها هي ما تعطيه من رشوة للسلطة الانتقالية الاقتصادية، كما يبدو أن العدو المشترك الثابت لدى كل أعضاء حلفها هو الموقف من لجنة التمكين بأسباب مختلفة.

النور حمد

 ياسر – كمثال وكشخص أعرفه- باحث قديم عن فكرة العدل والعدالة (بطريقته)، يرى المصالحة حقاً لممارسة سياسية مستحقة لمن لم يتم تجريمه من الإسلامويين. ويشارك عرمان في ذلك الدكتور النور حمد (الذي لم أتناول موقفه في انتظار ما وعد به من كتابة مفصلة حول رؤيته) فيما قاله بالبرنامج الاذاعي.

 اما السيد مبارك الكودة وغيره ممن ينادون يالافراج عن قيادات المؤتمر الوطني، ويجدون تأييداً نسبياً من الشق العسكري للمجلس السيادي ومجلس الوزراء، فهم يخشون مضاعفات عمل لجنة التفكيك، وتطوّر أبحاثها وتحقيقاتها في بنية الاقتصاد الإنقاذي العميق ذات الارتباطات المعقدة بالمنظومة الاقتصادية الناظمة للخيوط، والحاكمة لمجريات الاقتصاد السوداني حتى اللحظة، بعدم تعريضها لهزات من شأنها الإطاحة بمجتمع الاقتصاد السياسي النافذ الحاكم حتى الآن.

هذا برأيي كلمة سر دعوة أولئك إلى المصالحة، ومحاولتهم قنص لجنة التفكيك بشتى الأسلحة الناعمة والفتّاكة، وبدعم سلطة رأسمالهم بالقوة الاحتياطية للمؤتمر الوطني.

إذا كانت الفكرة المركزية التي ينطلق منها ياسر عرمان لدعم موقف الثورة، وتعميق عملها، والمساهمة في استدامتها، فقد كان من المستحسن اقتراح تشكيل التنوع التفكيكي في مجتمع الدولة ووظائفها كافة؛ لمناصرة ودعم عمل اللجنة الحالي، الذي بدون ذلك التشبيك يغدو ضرباً من الخدمة اليتيمة التي تحتاج إلى خلق أفكار ومشروعات متحالفة معها، تأتي في صيغة لجان تفصيلية أخرى تعمل على تفكيك فكر وثقافة وإعلام الدولة العميقة التي تحكم حتى اللحظة. 

الوسوم د.-وجدي-كامل

التعليقات مغلقة.