الملء الثاني للسد الإثيوبي … النجاح الاختياري والفشل الإجباري

  • 26 يوليو 2021
  • لا توجد تعليقات

د. محمد عبد الحميد

بإرادتها المنفردة أعلنت إثيوبيا تكملة الملء الثاني “بنجاح”. وقد انعكس ذلك في أجواء احتفالية في الاوساط الشعبية والرسمية، وضخ أكسجين في دماء الحكومة الإثيوبية التي تعاني من انقسامات داخلية حادة كانت في أشد الحاجة لأن تجد انتصارا أو ما اسمته “نجاحاً” يعيد إليها الثقة في ذاتها ويسهم في توطيد أركان نظام الحكم القائم بعد الضربات الموجعة التي تلقاها في اقليم التقراي المضطرب. وقد انعكس ذلك الملء كخيبة أمل في كل الجهود المنادية بوقف أي تحرك أحادي في قضية السد كما أوصى بذلك معظم أعضاء مجلس الأمن في جلسته الخاصة حول السد في الثامن من يوليو ٢٠٢١م.

كان الغرض الحقيقي من عملية الملء (هو الملء) من حيث هو بغض النظر عما إكتنفه من اخفاق وفشل، وفي ذلك رسائل سياسية مهمة ليس فقط للحكومة السودانية المتوجسة من عملية الملء الأحادي، وإنما لجموع المواطنين السودانيين مفادها بث تطمينات تبعث نوعاً من الشعور بالأمان من عملية الملء دون أن تتسبب في أضرار تُذكر عكس ما تتصور القيادة السياسية. وهنا يبرز ذكاء الجانب الإثيوبي، الذي يعول على إعطاء انطباع سطحي زائف بأن السد هو لفائدة السودان ولن يضر به. بدليل أنه لم يحدث ضرراً ذا شأن بالسودان، وبالتالي لا داعي من حالات الفزع التي يبرزها الجانب الرسمى السوداني كلما أقبلت إثيوبيا على عمليات الملء، وأن التخوفات والانزعاج من الملء في أي مرحلة مقبلة لن تكون مبررة.

وقد يبدو للعيان من الوهلة الأولى أن الجانب الإثيوبي قد كسب رهان الملء الثاني، غير أنه وبالنظر لما تم حقيقية فهو اخفاق وفشل فني وإداري في نفس الوقت.

ولتأكيد ذلك الإدعاء يجب النظر لما حدث في الملء الثاني من ملابسات من منظور إدارة المشروعات Projects management، فالمعروف أن انشاء أي مشروع يقوم بتسليم بعض المخرجات Deliverables وتمثل هذه المخرجات في كل مرحلة من مراحل المشروع علامة بارزة milestone تؤكد أن المشروع يمضي قدماً في التنفيذ بصورة جيدة وفق الجدول الزمني المقرر له.

فقد كان الملء الأول واحدة من هذه العلامات milestones. أما الملء الثاني الذي كان مٌقدرٌ له أن يكون بواقع 13.5 مليار متر مكعب خلال شهري يوليو و أغسطس قد فشل في تحقيق علامة النجاح بتحقيق 3 مليار متر مكعب فقط هي كل ما استطاعت إثيوبيا أن تملأ به رغم توافر المياه بصورة كبير. فبالنظر لهذه الحالة من منظور إدارة المشروعات فإن هذا المخرج فشل عملياً في الوصول للهدف المعلن 3 مليار من 13.5 مليار وهذا رقم ضعيف جداً ولا يمكن الإعتداد به لدرجة الإحتفاء ، بل بالعكس فقد تم تصوير هذا الفشل على أنه “نجاح” لأسباب سياسية “إرادوية” لا تخفى على المتابع.

وقد يثور التساؤل حول حقيقة أسباب ذلك الفشل الإجباري في ظل توفر كافة الظروف الطبيعية لنجاحه (توافر كمية كبيرة من المياه)، غير أنه وللمفارقة أن ازدياد مستوى المياه في النهر ومن الأمطار هي التي أدت لذلك الفشل كنتيجة لخطأ في تصميم السد كما أشار الي ذلك خبير السدود الباشمهندس د. محمد الأمين محمد نور في رسالة مهمة بعث بها لحكومة الفترة الانتقالية عنونها ب (الي حكومة السودان الانتقالية ألف سلام في حضرة سد النهضة الإثيوبي 16 = ما هكذا يا سعد تورد الإبل=) ففي معرض توضيحه لما يكتنف السد من أخطاء تصميمية أجبرت الجانب الإثيوبي على الاقدام على عمليات الملء بشكل إجباري وبالتالي الاكتفاء بأي كمية يتم حجزها بغض النظر عن الهدف المعلن في الأصل. حيث ذكر ما نصه:(لتحقيق برنامج التعبئة متزامنا مع التشييد جبرا، ألغيت كل المخارج السفلى في الحائط الرئيسي الأوسط والتي تنظم حركة التعبئة والتفريغ في حالة الطوارئ لتصبح التعبئة إجبارية تتوقف على ارتفاع الحائط الأوسط الخرساني، وبذلك سدت كل منافذ التراجع عن التعبئة المعد سلفا كم سدت برابخ تحويل المجري) يفهم من طرح الخبير دكتور محمد الأمين أن الخلل التصميمي هذا والذي أكدته أيضاً لجنة الخبراء الدولية في تقريرها بتاريخ مايو 2013م هو الذي أجبر عملية الملء أن تتوقف عند 3 مليار متر مكعب لأنه ومع هطول الأمطار الغزيرة المتزامنة مع التشييد قد أجبرتهم على التوقف عند هذا الحد الهزيل من تحقيق الهدف البالغ اصلا 13.5 مليار متر مكعب، وذلك خشية وقوع انهيار من مواصلة عملية الملء مع التشييد. وبالرغم من ذلك فقد تم الاحتفاء به مع قصوره وفشله الواضح في الوصول ولو لدرجة مقبولة من النجاح 10 مليار متر مكعب مثلاً…غير أنه أتعبِر من الجانب الإثيوبي “نجاحاً” لأنه يخدم اغراضاً سياسية في الداخل والخارج تمكنه من دحض الإدعاء بأن الملء الأحادي سيلحق اضراراً كارثية بدول أسفل النهر. وهذا في حد ذاته مكسب كبير لإثيوبيا يصب في خدمة الأهداف الاستراتيجية الكلية التي ترمي للسيطرة والتحكم في نهر النيل الأزرق ككرت يمكن المساومة به في مقبل جولات التفاوض بإحراز المزيد من المكاسب المعلنة والخفية.

مهما يكن من أمر، فإن خلاصة القول تكمن في أن الفشل في تحقيق الملء الثاني وفق ما كان مقررا لا يعدو أن يكون إلا بروفة لما قد يتكبده السودان من رهق مادي وإداري وفني وسياسي عليه تحمل تبعاته كجزء من تكلفة السد الكلية. والحبل على الجرار.

كتب د.محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية

wadrajab222@gmail.com

التعليقات مغلقة.