أغنية (قائد الأسطول) غزلية بحتة ولا صلة لها بالنضال ضد الإنجليز

  • 16 سبتمبر 2021
  • لا توجد تعليقات

عبد المنعم عجب الفيا

                                                            

أغنية (قائد الاسطول) من عيون شعر غناء (الحقيبة) وهي من أجود قصائد الشاعر المفلق سيد عبد العزيز ومن ألحان وغناء سرور ويوجد له منها تسجيل محفوظ بصوته.

هذه الأغنية أغنية غزلية بحتة وليس لها علاقة من قريب أو بعيد بشعر الغناء الوطني والحرب والنضال ضد الإنجليز المستعمرين، على النحو الذي ذهب إليه بعض من كتبوا عن تاريخ غناء (الحقيبة).
فقد جاء بكتاب (رواد شعراء الأغنية السودانية) لمبارك المغربي متحدثا عن الأغنية

الشاعر يخاطب المستعمر تارة بالتصريح وتارة بالتلمح فهو قائد الاسطول وذو الفخار والطول والطلسم المصقول وعلة المعلول والعالي في سماه..، كما يخاطب وطنه مخاطبة مجازية في (الجندي المقتول وحبيبي كون ممهول) تهزأ بالمستعمر الدخيل وتصفه بالعنت والجبروت وبعدم وفائه للعهد وتحذره من مغبة تلك الأفعال، لأن التاريخ لا ينسى. كما تبشر بقرب الخلاص من إسار المستعمر منادية بالصبر على الشدائد ونكران الذات داعية إلى الفداء شباباً وكهولاً”. انتهى. ص216-217

وفي طبعة ديوان (قائد الأسطول) لسيد عبد العزيز والتي صدرت عن دار البلد بالخرطوم سنة 1999 والتي كتب مقدمتها التجاني حسين دفع السيد، يقول التجاني في تقدميه القصيدة: “كانت نقطة تحول جاد للأغنية السودانية. فهي رمزية اتخذت ستاراً لتوصيل شحنات سياسية علّت الذهنية السودانية من جراء الاستعمار الإنجليزي، فكانت خطاباً مباشراً للسلطة وأسئلة.. إنها علة المعلول بكل مضامينه”. انتهى. ص 29

وكل ما تقدم غير صحيح وتفسير خاطىء للمضامين الرمزية القصيدة. وكل ما هناك أن الشاعر يصف محبوبته في الهيبة والجبرة، بالضابط (العظيم) قائد الأسطول، وبالفارس المغوار الذي يجندل الفرسان (العشاق).

وهذا المعنى من أكثر المعاني دورانا في شعر (الحقيبة) وبخاصة في شعر سيد عبد العزيز صاحب الأغنية وقد وردت هذه الصورة الشعرية للمحبوبة في قصائد سابقة له. ففي أغنية (أنا ما معيون) وهي من قصائده الأولى ومن ألحان وغناء كرومة، يقول:

هي ملكة جنودها شلوخ وعيون
لحاظها يخيف قايد المليون/ وتـــرعــب عنتـــر ونابليــــون

فهو يصفها بالملكة وبقائد ملايين الجنود كنابليون، كما يصفها بفارس الفوارس عنترة. وفي قصيدة (بت ملوك النيل) يقول سيد في هذا المعنى ذاته:

الجبرة فيك بتخيل/ محمية الحِما الما حام حداه دخيل
يعجبني فيك تمثيل/ أخلاق الملاك في سطوة القِتّيل
الفارس الجســـــــور

فهي تجمع بين براءة الملاك وجسارة الفارس وسطوته في القتل. وفي قصيدة (الجِّنان في الدنيا) يصف المحبوبة بقوله: “زي عظمة القائد في حِذا الطابور”. وفي قصيدة (مسوا نوركم) يقول عن وقوعه في غرامها: “جيش هواها احتل قعلة الأصفاح”. والأصفاح جمع صفحة وهي الشق أو الجانب ويشير بها إلى الضلوع مكمن القلب، والمعنى أن حبها أخذ بشغاق قلبه و”احتل” فؤاده.
ومراد الشاعر من هذه الأوصاف هو القول إن المحبوبة ليست رقيقة وحسب بل تجمع بين الرقة والهيبة والجبرة وهذه هي الصفات المثالية للأثني الحسناء التي تخلب الألباب. وهذه الميزة كثيرة الورود في شعر الحقيبة لا بل في الشعر العربي قاطبة. ومن ذلك مثلا أن سيد عبد العزيز نفسه يقول في قصيدة “أقيس محاسنك بمَن”:

وهيبة أسد في عيون شدن/ يا الهيبة المازجـــــة العجن

أي أنها مزجت بين جمال الغزال ورقته وبين هيبة الأسد وجبرته. وهذه الخلطة الفريدة هي ما يعرف في اللهجة السودانية بالعجن. والعجن في المرأة أن تجمع بين الدلال والهيبة. من عجن يعجن أي يخلط أو يمزج الشيء بالشيء. يقول خليل فرح: “دا دلال معجن” أي معجون بالهيبة والوقار. و”السمحة أم عجن” اسم أغنية لسيد عبد العزيز أيضاً.
وفي جمع المرأة الحسناء بين الهيبة والرقة، يقول شاعر (الحقيبة) محمد بشير عتيق في قصيدة (يا ناعس الأجفان):

طرفك لِحاظه تريع أسداً شجاع وهصور
ليك نفرة الغزلان مع جبرة الفرسان
في هيبة المنصور

وهكذا تقرأ قصيدة (قائد الأسطول) التي قصد بها الشاعر تجسيد عنصر الجبرة والهيبة في الحبيبة. ومما جاء في القصيدة:

يا قائـــد الأســـطــول/ تخضع لك الفرنسان
يا ذا الفخار والطول/ أرحم بني الإنسان
*
مين لي سماك يطول/ ما بطولك اللمسان
معناك شرحه يطول/ واللـــــــه يــــا إنـــســــان
أصدق كفنانا مطول/ يا ذو الحسن إحسان
أنا عقلي بيك مختول/ والناس عقول ولسان
*
يا الفي سماك مفصول/ تنشاف عيان وبيان
مـــــا عــــرفنا ليك وصول/ ومــــا دنيت أحـــيان

وأما الكلمات والتعابير التي ترد في القصيدة مثل: قائد وجندي وأسطول ونيران وقتل أسر وغيرها كلها ذات دلالات مجازية ترمز إلى علائق العشق وتبعاته ولا علاقة لها بالحرب الحقيقية التي تخوضها الجيوش.
فقوله: “ما الجندي دا المكتول/وطالب الغفران/ من ايده راح منتول واتوسد النيران”. الجندي القتيل هنا هو العاشق أو الشاعر ذاته، والنيران التي يتوسدها نيران الغرام الذي وقع فيه رغماً عن أنفه: “راح منتول من يده”.
وتشبيه صرعة الحب بالقتل أمر معلوم في الشعر العربي كله. “فمن الحب ما قتل”. ومن ذلك مثلاً قول جرير:
إن العيون التي في طرفها حَورٌ/ قتلننــــا ثـــم لـــم يـــحــيينًّ قتــلانــــا
يصرعن ذا اللبِ حتى لا حراك به/ وهــــن أضـــعف خــلق الله إنســــانا

وقول أبي فراس الحمداني في قصيدة (أراك عصي الدمع):

فقلتُ كما شاءتْ وشاء لها الهوي/ قتيلك. قـــالت: أيهــــم فهم كثــــــرُ
معللتي بالوصــــل والموت دونــه/ إذا مِتُ ظمآناً فلا نـــــزل القطْـــــرُ

وأما قول سيد عبد العزيز في قصيدة (قائد الأسطول): “كم من أسير مغلول/ ما لاقي لحظة حنان”. الأسير هنا، أسير الغرام المحروم من الوصال والحنان. وقوله: “نفديك شباب وكهول/ ونبقى ليك أركان لحيك المأهول”. المخاطب هنا المحبوب والفداء فداء المحبوب، والمعنى أنهم على استعداد أن يحموا حِما المحبوب ويفدوه بأرواحهم شباباً وكهولاً.
هذا، وقد اشتملت القصيدة على بعض الومضات الفكرية والحِكم الفلسفية التي كثيراً ما تتخلل شعر سيد عبد العزيز وذلك مثل قوله: “يا علة المعلول/ كم أومى ليك بنان”. العلة هنا ليست المرض أو المحنة وإنما المقصود المعنى الفلسفي للعلة.
فالشاعر يستعين هنا بمصطلحات الفلسفة في وصف لغز المحبوب. فلكل شيء علة أو سبب. و”العلة الأولى” في فلسفة أرسطو هي المبدأ الأول للكون أو “المحرك الأول”. والمعلول النتيجة المتولدة عن السبب. كأنما أراد الشاعر القول إن جمال محبوبته هو سبب وعلة كل الجمال الذي في الكون، بل إن سر جمال الخلق يكمن في جمال المحبوب، لذلك قال: “كم أومى ليك بنان” في إشارة لذلك السر.
ومن ذلك أيضاً قول الشاعر مخاطباً نفسه: “يرى وعدك المحلول /زي حجة الوسنان”. الوعد المحلول وعد الوصال المنقوض المخلوف. فالمحبوب لا يفي بالوعد بالوصال، وكل وعد يقطعه على نفسه لا وزن له، فهو مثل كلام النائم فاقد العقل الذي لا قيمة له ولا يحتج به عليه.
كما تضمنت القصيدة بعض الأمثال والأقوال والحِكم السائرة وهذا كثير أيضا في شعر سيد عيد العزيز، وذلك مثل قوله: “الفي الغد مجهول/ والماضي اسمه الكان”.
استطراد:
عبارة (قائد الأسطول) يمكن أن تعني مجازيا “أمير الحب”. فالأمير في لغة الغزل هو المحبوب. و”أمير الحب” أغنية لمحمد وردي. وهذا يزج بنا رغما عنا في فقه اللغة المقارن philology فقائد الأسطول تقابلها في الإنجليزية كلمة أدميرال Admiral أو قائد سلاح البحرية.
يقول معجم أكسفورد Oxford للغة الإنجليزية إن أصل كلمة “أدميرال” هو الكلمة الفرنسية أميرال، ويقول إن الفرنسية أخذت هذه الكلمة من اللاتينية والتي أخذتها بدورها من كلمة أمير العربية والفعل العربي أمر، وإن الألف في أول كلمة “أميرال” يقابل أداة التعريف (أل) في الكلمة العربية”. انتهى.
لكن الغريب والمدهش في الموضوع هو أن اللاتينية لم تكتف باستعارة كلمة أمير ومشتقاتها من العربية بالمعنى الحرفي وحسب، بل استعارتها أيضاً بمعناها المجازي للدلالة على الحُبّ و(أمير الحُبّ) والذي يعبر عنه في اللهجات العربية بكلمتي أمور وأمورة من باب التودد والتدليل (والدلع).
والشاهد أن الفعل أمر amare في اللاتينية واللغات المتفرعة عنها: (الإسبانية والبرتغالية والإيطالية والفرنسية والرومانية) يعني يحب to love وأن الاسم منه “أمور” amor يعني love الحب. بل حتى في الإنجليزية نجد كلمة amour أمور وتعني كل ما هو متعلق بالحب كما تعني في ذات الوقت المحب نفسه. غير أن الكلمة العربية لم تحل محل كلمة love الإنجليزية كما حدث ذلك في اللغة اللاتينية واللغات المتفرعة عنها.
لمزيد من الاطلاع على هذه المادة المقارنة انظر بحثنا: (حفر لغوي مقارن في كلمة حُبّ amour الفرنسية) والمنشور بسودانايل في 24 مارس 2020

عبد المنعم عجب الفيا
16 سبتمبر 2021

التعليقات مغلقة.